أثير - مـحـمـد الـعـريـمي
170 شخصًا وجدوا في وسط البحار والأمواج المتلاطمة، فامتدت يدٌ عُمانية لإنقاذهم، ولم تكن جنسياتهم أو أعلام السفن التي كانوا على متنها عائقًا أمام استجابة سلطنة عُمان، التي تحركت عبر مركز الأمن البحري والجهات المختصة لحماية الأرواح في واحدة من أكثر المناطق البحرية حساسية في العالم.
ومنذ تصاعد التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز، برز مركز الأمن البحري كعينٍ ترصد، وجهةٍ تنسق، ويدٍ تستجيب، مع سلسلة من الحوادث التي طالت سفنًا وناقلات نفط، مؤكدًا جاهزية المنظومة الوطنية للتعامل مع الطوارئ البحرية، ومجسدًا الدور الذي تضطلع به عُمان كركيزة للأمن والاستقرار، مستندةً إلى نهج يقوم على السلام، والتعاون، وحماية حرية الملاحة.
كيف تعامل مركز الأمن البحري مع استهداف السفن؟
منذ بدء الهجمات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في 28 فبراير 2026م، وما تبعها من تصعيد إقليمي أدى إلى إغلاق مضيق هرمز واستهداف عدد من السفن التجارية وناقلات النفط، برز الدور المحوري لمركز الأمن البحري في متابعة الحوادث البحرية، وتنسيق عمليات الإنقاذ والاستجابة بالتعاون مع مختلف الجهات العسكرية والأمنية والمدنية.
وخلال هذه الفترة، تعامل المركز مع 8 حوادث بحرية طالت سفنًا وناقلات نفط مختلفة، وتمكنت الجهات المختصة من إنقاذ وإخلاء 170 شخصًا من أفراد الأطقم البحرية، إضافة إلى تقديم الرعاية الطبية للمصابين ومتابعة أوضاع السفن المتضررة، وجاءت كالآتي:
- 1 مارس 2026م: تعرضت ناقلة النفط (SKYLIGHT) التي ترفع علم جمهورية بالاو للاستهداف شمال ميناء خصب بمحافظة مسندم، وتم إخلاء 20 شخصًا من طاقمها، بينهم أربعة مصابين تلقوا الرعاية الطبية اللازمة.
- 2 مارس 2026م: تعرضت ناقلة النفط (MKD VYOM) التي ترفع علم جزر مارشال لهجوم بزورق مسيّر قبالة سواحل محافظة مسقط، وأسفر الحادث عن وفاة أحد أفراد الطاقم، وتم إخلاء 21 شخصًا بالتنسيق مع مركز الأمن البحري.
- 4 مارس 2026م: استجابت البحرية السلطانية العُمانية لبلاغ تعرض سفينة شحن ترفع علم مالطا لقصف قرب مضيق هرمز، وتم إنقاذ 24 شخصًا من أفراد طاقمها وتقديم الرعاية الصحية اللازمة لهم.
- 11 مارس 2026م: تعرضت السفينة التجارية (MAYUREE NAREE) التي ترفع علم تايلند للاستهداف شمال شرق محافظة مسندم، وتم إخلاء 20 شخصًا من أفراد طاقمها مع وجود إصابات متفاوتة.
- 12 يوليو 2026م: استجاب مركز الأمن البحري لنداء استغاثة صادر عن السفينة التجارية (GFS GALAXY) التي ترفع علم قبرص، وتم إنقاذ 23 شخصًا من أفراد طاقمها، مع استمرار البحث عن أحد المفقودين.
- 14 يوليو 2026م: تعامل المركز مع 3 حوادث استهداف شملت ناقلات النفط (AL BAHYAH) و(MOMBASA B) و(STOLT MAGNESIUM)، وأسفرت العمليات عن إخلاء 18 شخصًا من الناقلة الأولى، و21 شخصًا من الثانية، و23 شخصًا من الثالثة.
متى تأسس مركز الأمن البحري، وما المهام التي يضطلع بها؟
انبثقت فكرة تأسيس مركز الأمن البحري من رؤية وطنية وبمباركة سامية من المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه - عام 2013م.
وبدأ المركز أعماله من مقره المؤقت بقيادة البحرية السلطانية العُمانية، مواصلًا أداء مهامه الوطنية حتى ديسمبر 2018م، حين توّجت تلك الجهود بافتتاح المبنى الحديث والمخصص للمركز في معسكر المرتفعة بمحافظة مسقط.
ويعد المبنى إضافة نوعية إلى منظومة العمل الأمني والعسكري في سلطنة عُمان، إذ جُهّز بأحدث الأنظمة والتقنيات والمعدات التي تمكّنه من إدارة العمليات بكفاءة عالية، من خلال منظومة تكاملية تجمع مختلف الجهات العسكرية والأمنية والمدنية ذات العلاقة.
ويواصل المركز اليوم أداء مهامه وتطوير قدراته بدعم ورعاية سامية من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، القائد الأعلى - حفظه الله ورعاه -، ليبقى أحد المرتكزات الرئيسية في منظومة الأمن الوطني البحري.
ما الأدوار التي يؤديها مركز الأمن البحري؟
يعمل مركز الأمن البحري بطاقم عُماني متخصص على مدار الساعة، ويشكل نقطة الارتكاز في إدارة وقيادة عمليات الأمن البحري في سلطنة عُمان، وتتوزع مهامه الرئيسية على عدد من المجالات، أبرزها:
- القيادة والسيطرة: إدارة وقيادة عمليات الأمن البحري في المنطقة البحرية العُمانية، وتوفير الحماية للموانئ والسواحل والمنشآت الحيوية.
- درء المخاطر: التعامل مع مختلف التهديدات الأمنية، بما في ذلك القرصنة البحرية، والهجرة غير المشروعة، والتهريب والتسلل، والتجارة غير المشروعة، والإرهاب البحري.
- البحث والإنقاذ: الاستجابة السريعة لنداءات الاستغاثة، وتقديم المساندة للسفن المبحرة، وإدارة حالات الطوارئ والكوارث البيئية والإنسانية عبر تسخير الإمكانات الوطنية.
- حماية البيئة والثروات البحرية: مواجهة مخاطر التلوث البحري، وحماية الثروة السمكية من الصيد الجائر وغير المشروع، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الحياة البحرية.
- توحيد الجهود والتنسيق: تعزيز التعاون وتبادل المعلومات وتحليلها مع مختلف الجهات العسكرية والأمنية والمدنية داخل سلطنة عمان، إلى جانب التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية.
متى انضمت سلطنة عُمان إلى اتفاقية قانون البحار، وماذا تُمثّل؟
لم يقتصر اهتمام سلطنة عُمان بالأمن البحري على نطاق مياهها الإقليمية، بل امتد إلى حضورها الفاعل في إرساء قواعد القانون البحري الدولي.
فقد كانت السلطنة من بين أول 69 دولة أودعت وثائق التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في 17 أغسطس 1989م، وهو موقف أسهم في دخول الاتفاقية حيز التنفيذ بعد مرور 12 شهرًا على إيداع الوثيقة الستين، لتصبح لاحقًا المرجعية القانونية الأهم لتنظيم استخدام البحار والمحيطات حول العالم.
وتمثل الاتفاقية إطارًا قانونيًا دوليًا ينظم حقوق الدول وواجباتها في المجال البحري، وتستند إليها الدول في إدارة مياهها الإقليمية، وحماية مواردها، وضمان حرية الملاحة.
وتحدد الاتفاقية سيادة الدول على مياهها الإقليمية وفق الآتي:
- تمتد سيادة الدولة الساحلية خارج إقليمها البري ومياهها الداخلية إلى نطاق بحري ملاصق يُعرف بالبحر الإقليمي.
- تشمل هذه السيادة المجال الجوي فوق البحر الإقليمي، إضافة إلى قاع البحر وباطن أرضه.
- يحق لكل دولة تحديد عرض بحرها الإقليمي بما لا يتجاوز 12 ميلًا بحريًا من خطوط الأساس.
يُذكر أن وزارة الخارجية أكدت يوم أمس أن سلطنة عُمان تواصل تعاونها الشفاف والمحايد مع جميع الأطراف لاستعادة حرية الملاحة في المضيق، بما يتوافق تمامًا مع القانون الدولي. كما أكدت التزامها الكامل بواجباتها بوصفها طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، داعيةً جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي والعمل بموجبه، وذلك في ضوء المناقشات والأطروحات المتصلة بالملاحة في مضيق هرمز.
ويأتي ذلك وفق ما طرحه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، في مقال نشرته صحيفة ”لوموند“ الفرنسية، إذ أوضح أن هناك أولوية تتقدم على جميع الأولويات الأخرى، فقد بدأت مناقشات وصفها معالي الوزير بأنها ”معقدة“ لوضع إطار دائم يضمن حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.
وأكد معاليه أن سلطنة عُمان، بوصفها إحدى الدولتين اللتين تحد مياههما الإقليمية هذا الممر الإستراتيجي، تتحمل مسؤولية خاصة، ويتعين عليها أن تعمل مع إيران، الدولة الساحلية الأخرى، وكذلك مع المجتمع الدولي بأسره الذي يعتمد على هذا الطريق البحري، من أجل وضع ترتيبات واقعية ودائمة ومتوافقة مع القانون الدولي، وقادرة على صون حرية الملاحة.






