الليمون العُماني حينما كان ثروة: إليك الولاية والعوائل التي اشتهرت بإنتاجه وتصديره

الليمون العُماني حينما كان ثروة: إليك الولاية والعوائل التي اشتهرت بإنتاجه وتصديره
الليمون
مسقط - أثير
إعداد: أشجان بنت محمد المعمرية
تُعد الزراعة من أهم الأنشطة الاقتصادية التي مارسها المجتمع العماني منذ القدم، إذ أسهمت في تنشيط حركة التبادل التجاري داخل سلطنة عمان وخارجها، وارتبطت بموانئ وأسواق عديدة في دول الخليج والهند وشرقي أفريقيا، ومن بين المحاصيل الزراعية المهمة التي برزت فيها التجارة العمانية قديمًا الليمون العماني المعروف محليا بـاسم " اللومي”، الذي ارتبط بزراعته مزارع ساحل الباطنة بصفة عامة وولاية صحم بصفة خاصة.
وفي هذا التقرير عبر ”أثير“ نسلط الضوء على تجارة الليمون العماني، ونستعرض الدور البارز الذي اضطلعت به أسرة العصفور في تنشيط هذه التجارة.
الليمون العماني: ثروة زراعية دعمت الاقتصاد الوطني قديما
شكل الليمون العماني في العقود الماضية واحدا من أهم المنتجات الزراعية التي ارتبطت بالحياة الاجتماعية والاقتصادية في سلطنة عمان، إذ استخدم بصورة واسعة في الوجبات اليومية والعلاج التقليدي. كما مثل سلعة تجارية مهمة أسهمت في تنشيط حركة التجارة الخارجية، لا سيما مع دول الخليج.
وهناك إشارات تاريخية عديدة تؤكد أهمية الليمون العماني ومكانته الاقتصادية في التجارة العمانية القديمة، على سبيل المثال أشار الرحالة ولستد إلى وجود أشجار الليمون كأحد أبرز المحاصيل الزراعية في سلطنة عمان.
كما ذكر أحد الرحالة وهو كامبفر الذي زار مسقط في عام ١٦٨٨م، أن الليمون بنوعيه الطازج والمجفف كأحد أهم البضائع التي الموجودة في سوق مسقط، وأكد الباحث محمود الجبارات أن النشاط التجاري العماني شمل منتجات زراعية أهمها الليمون العماني الذي حظي بسمعة واسعة لجودته، فضلا عن استخداماته المتعددة.
كما كشفت الإشارات التاريخية عن مكانة الليمون العماني ضمن النشاط التجاري الذي ازدهرت به عمان قديما، حيث ارتبطت حركة الاستيراد والتصدير بالموانئ والأسواق الخليجية، فقد أشير إلى أن البصرة كانت تستورد الليمون العماني المعروف بــلومي البصرة، والذي كان يجلب من سهل الباطنة؛ ما يدل على شهرة المنتج العماني وجودته العالية.
وفي السياق ذاته، ذكر الباحث طالب بن سيف الخضوري أنه خلال عامي ١٩٢١م و١٩٢٢م ازداد تصدير المنتجات العمانية ومنها الليمون العماني الذي ارتفع ليصل بقيمة ٧.٧٠٠ جنيه إسترليني.
ومن خلال هذه الإشارات التاريخية، يتضح أن الليمون العماني لم يكن مجرد محصول زراعي محلي، بل مثل عنصرا مهما في الصادرات العمانية القديمة، وأسهم مع الأسطول العماني في تعزيز المكانة التجارية لعمان وربطها بالمراكز التجارية في الخليج والعراق والهند.
صحم، منها انتعشت تجارة الليمون
تعد ولاية صحم من أبرز الولايات العمانية التي اشتهرت بزراعة الليمون، حيث انتشرت البساتين والمزارع التي تنتج كميات كبيرة من الليمون العماني المعروف بجودته العالية ورائحته المميزة، وقد أسهمت هذه الزراعة في تنشيط الحركة التجارية بالولاية، حتى أصبحت واحدة من أهم مراكز تجارة الليمون في سلطنة عمان خلال العقود الماضية، وقد أشارت جريدة ”عمان“ في عددها الصادر بتاريخ ١ ديسمبر عام ١٩٨٠م إلى أن صحم شهدت موسمًا نشطًا لتصدير الليمون المجفف، موضحة أن ما يقارب ١٥٠٠ طنا كانت تصدر سنويا إلى دول الخليج العربي، وهو ما يعكس حجم النشاط التجاري وأهمية الليمون العماني في الأسواق الخليجية. كما شارك الأهالي في مختلف مراحل العمل، بدءا من الحصاد ووصولا إلى عمليات التجفيف والتعبئة والتصدير، الأمر الذي جعل تجارة الليمون مصدر رزق للعديد من الأسر.
واعتمد أهالي صحم على الطرق التقليدية في تجهيز الليمون للتصدير، التي تبدأ بقطف الثمار وفرزها ثم غسلها وتجفيفها تحت أشعة الشمس ثم تعبئتها في أكياس وصناديق مخصصة للنقل، وقد ساعد المناخ الحار على نجاح عمليات التجفيف وإنتاج الليمون المجفف بجودة عالية؛ ما جعله من المنتجات المطلوبة في أسواق دول الخليج، والهند، وإيران، والعراق.
ومن جانب التنظيم التجاري لتجارة لليمون، كان يوجد مخازن ومرافق تستخدم لتجميع اليمون وتجهيزه قبل تصديره، ولاستيعاب الإنتاج المتزايد لليمون برزت الحاجة لفتح أسواق جديدة، فضلا عن تطوير وسائل التسويق والنقل الذي يسهم في استمرار ازدهار تجارة الليمون العماني.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن أول مكتب لتصدير الليمون في سلطنة عمان أسس في صحم عام ١٩٢٢م، وهو ما يؤكد المكانة التجارية المبكرة التي حظيت بها الولاية في هذا المجال، ودورها في ربط المنتج العماني بالأسواق الخارجية.
كما اشتهرت الولاية بعدد من تجار ومصدري الليمون المجفف، أهمهم: عبد الله بن حمزة العصفور، وحسين بن حمزة العصفور، وخميس بن سالم بن خميس الشيدي، وعلي بن سالم بن محمد الشيدي، ومحمد بن حسن الحسافي، ومطر بن علي البلوشي، وجمعة بن خميس بن جمعة الشيدي، وخلفان بن سعيد بن سالمين الشيدي، وسليمان بن حمد الكيومي.
دور أسرة العصفور في تجارة الليمون
ارتبطت بعض البيوت التجارية القديمة بمهنة تصدير الليمون العماني، حيث كانت تجمع كميات الليمون من المزارعين ثم تباع في الأسواق المحلية أو تشحن إلى الخارج عبر السفن التقليدية، ومن بينها أسرة ”العصفور“ التي مارست تجارة تصدير الليمون لسنوات عديدة، وبرز منها عدد من الشخصيات التجارية التي أسهمت في هذه التجارة، كما كان لها مكاتب للتصدير في سلطنة عمان وخارجها.
وقد أدّت أسرة العصفور العُمانية دورًا رياديًا ومحوريًا في تأسيس وتنظيم تجارة وتصدير الليمون العُماني (اللومي) منذ أوائل القرن العشرين، حيث ارتبط اسم العائلة بتجارة هذا المحصول الإستراتيجي وتحويله من منتج زراعي محلي إلى سلعة تصديرية عالمية، فكانوا يجمعونه من كل الباطنة ويتم شحنه للبصرة ومنها للعالمِ.
وكان الراحل حمزة العصفور المُتوفى في سنة 1940م أول من ابتدأ الأنشطة التجارية لعائلة العصفور في عام 1890 بمسقط، على الرغم من استقراره لاحقًا في صحم وانتقال هذه الأنشطة إليها، وكان حمزة العصفور تاجرًا معروفًا بتجارة اللؤلؤ الذي كان يصدّره إلى فرنسا وبلجيكا، وباستيراد السلاح كالبنادق والأسلحة الخفيفة.
كما يُذكر أن حمزة العصفور كان أول تاجر يشجّع المزارعين على زراعة الليمون وتجفيفه، وكان يسافر إلى البصرة حاملًا الليمون المجفف، ثم بدأ يصدّره إلى دول الخليج المجاورة، إلى جانب استيراد التمور العراقية وإعادة تصديرها، حيث اتسعت تجارته وشملت تجارة السمن والدبس والأسماك المجففة والجلود والأخشاب.
كما كان للحاج حمزة العصفور متجر يقع في سوق التجار بالمنامة، كان يحظى مكانة خاصة عند السلطان سعيد بن تيمور حيث كان له حضور اجتماعي كبير بين القبائل، فضلا عن تعاملاته التجارية الواسعة.
الحاج المرحوم حمزة العصفور
الحاج المرحوم حمزة العصفور
وبعد وفاة حمرة العصفور في عام ١٩٤٠م أورث نشاطه التجاري، ومن ضمنه تجارة الليمون، لأبنائهعبد الله وحسين ليصبحوا أشهر تجار ومصدري الليمون المجفف في ولاية صحم تحت علامة تجارية تعرف بالعصفور، حيث صدروا كميات كبيرة من الليمون إلى مختلف دول الجوار كدولة الكويت، وجمهورية العراق، ومملكة البحرين، وبفضل نشاطهم التجاري الواسع أصبح ميناء صحم واحدا من أنشط الأسواق التجارية في المنطقة.
ومع اتساع نشاطها التجاري الخارجي بدأت أسرة العصفور بتأسيس فروع تجارية في عدد من دول الخليج، ففي أوائل الخمسينيات من القرن العشرين افتتح عبدالله العصفور محلا تجاريا في البحرين، ثم أسس مكتبا تجاريا في دولة الإمارات العربية المتحدة، وأدار هذه الفروع عدد من أفراد عائلته، وبعد وفاة حسين العصفور تسلم ابنه علي العصفور شركة العائلة في مسقط، ليستمر الإرث التجاري للعائلة جيل بعد جيل حتى تأسيس شركة مفروشات العصفور التي ما زالت قائمة حتى يومنا هذا.
وفي إحدى المقابلات الصحفية التي أجرتها جريدة ”عمان“ مع إبراهيم بن علي العصفور، في 22 فبراير 1987م أشار إلى أنهم عملوا في مجال تصدير الليمون أكثر من ٦٥ سنة. كما أنهم ادخلوا الآلات الزراعية الحديثة كالمكائن في المزارع ووفروا الأسمدة اللازمة.
أقدم مكتب لتصدير الليمون المجفف، جريدة الولايات
أقدم مكتب لتصدير الليمون المجفف، جريدة الولايات
ويذكر الباحث الدكتور إسماعيل الزدجالي في إطار تناوله لدور التجار البانيان التجاري في سلطنة عمان أن أحد التجار البانيان ويدعى هريداس جافا، ونظرًا لرواج تجارة الليمون، فقد اهتم بهذا النشاط حيث عمل على مقايضة الليمون المتوفر لدى المزارعين القادمين من مناطق الحجر الغربي بالبضائع المتوفرة في محله، الأمر الذي أسهم في تجميع كميات كبيرة من الليمون تتراوح وزنها ما بين ١٠٠٠٠ إلى ١٢٠٠٠ طن، ثم قام ببيعها إلى التاجر داوود بن حمزة العصفور الذي يعد من أشهر تجار ومصدري الليمون.
نهاية عصر الليمون والتحولات الحديثة
وصفت جريدة عمان في تقرير لها نشر بتاريخ الاثنين ١ ديسمبر ١٩٨٠م الليمون العماني بأنه قوة اقتصادية وطنية، لما له من دور في دعم الاقتصاد العماني والإسهام في تنويع مصادر الدخل. كما طرحت الجريدة تساؤلًا مهمًا يعكس حجم الطموح آنذاك حول إمكانية أن يصبح الليمون العماني منتجًا اقتصاديًا عالميًا يضاهي المنتجات العالمية المشهورة التي ارتبطت باقتصاد بعض الدول.
ليمون عمان قوة للاقتصاد الوطني، جريدة عُمان
ليمون عمان قوة للاقتصاد الوطني، جريدة عُمان
ومع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، شهدت تجارة الليمون تراجعا حادا نتيجة التحولات الاقتصادية وتطور وسائل النقل البحري، إلى جانب الحرب العراقية الإيرانية التي كان لها أثر كبير في حركة التصدير في المنطقة، مع تراجع استخدام السفن الخشبية التقليدية التي ينقل بها الليمون العماني، فضلًا عن انتشار بعض الآفات الزراعية التي أثّرت في جودة الإنتاج وكميته.
ومن أبرز أسباب التراجع تقلص الرقعة الزراعية في بعض المناطق نتيجة التوسع العمراني وازدياد المشروعات السكنية في الباطنة، الأمر الذي أدى إلى اختفاء عدد من المزارع القديمة التي كانت تشتهر بزراعة الليمون؛ ما أدى إلى توقف تصديره من ولاية صحم على سبيل المثال لتنتهي بذلك مرحلة اقتصادية شكلت مصدر رزق لآلاف العائلات العمانية، وارتبطت بذاكرة تجارية اجتماعية مهمة في التاريخ العماني.
اهتمام الحكومة لإنتاج الليمون العماني في الوقت الحالي:
اهتمت حكومة سلطنة عمان بزراعة الليمون العماني بوصفة أحد أهم المحاصيل الزراعية العمانية، وقد عملت وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه على تنفيذ برامج متعددة ومشروعات لدعم المزارعين وإحياء زراعة الليمون العماني، كمشروع النهوض بزراعة الليمون العماني بولايات محافظتي شمال وجنوب الشرقية الذي نفذ في الفترة الممتدة من سبتمبر ٢٠١٤م إلى سبتمبر ٢٠١٦م، بهدف زراعة أشجار الليمون العماني لتوفير احتياجات الأسواق المحلية والأسواق التصديرية، وإيجاد شريحة من المزارعين المتخصصين في زراعة الليمون والذين لديهم خبرة في إدارة مزارعهم. وقدرت تكلفة هذا المشروع بقيمة ٦٧٧٠٠ ريال عماني.
كما تم تنفيذ مشروع إنشاء حقول أشجار فاكهة نموذجية تتضمن زراعة الليمون العماني لدى المزارعين الراغبين في مختلف المحافظات وذلك في عام ٢٠٢٠م، فضلا عن دعم المزارعين بشتلات الليمون المحسنة التي تقوم الوزارة بإنتاجها، والتي بلغ عددها ٤٣٢٦ شتلة ليتم زراعتها بمساحة تقدر بحوالي ٥٠ فدانا وبلغ عدد المستفيدين ١٠ مزارعين لليمون العماني وذلك في عام ٢٠٢١م. وكل هذه الجهود حققت الأهداف المرجوة لتبلغت مساحة زراعة الليمون العُماني في سلطنة عُمان عام 2022 حوالي 3366 فدانًا وإنتاجية تقدَّر بـسبعة آلاف طن سنويًّا تشكِّل 31% من نسبة الاكتفاء الذاتي من الليمون، وخلال عام 2021م بلغت كمية الواردات من الليمون 19.4 ألف طن بقيمة جاوزت 8 ملايين ريال عماني.
المراجع
  • البسام، علي. الأوضاع السياسية والاقتصادية في سلطنة مسقط، ط1، الدار العربية للموسوعات، بيروت، لبنان، 2009.
  • الجبارات، محمود. دراسات في تاريخ سلطنة عُمان المعاصر، ط1، إصدارات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، دار الرافدين، بغداد، 2023.
  • الخضوري، طالب بن سيف. الحياة الاقتصادية والاجتماعية في عُمان في عهد اليعاربة، ط1، إصدارات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، دار الرافدين، بغداد، 2023.
  • الزدجالي، إسماعيل بن أحمد. تجارة الهنود البانيان في عمان، إصدارات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، دار الرافدين، بغداد، 2023.
  • الشيدي، جمعة بن خميس. النشاط البحري والثقافة المجتمعية في ولاية صحم قبل عام 1970، بيت الغشام للصحافة والنشر والإعلان، مسقط، سلطنة عمان، 2019
  • جي. وايزجربر. مسقط في عام 1688 : تقارير ورسومات انجلبرت كامبفر، وزارة التراث والثقافة، مسقط، 2016.
  • ولستد، جيمس ريموند. تاريخ عمان رحلة في شبه الجزيرة العربية، دار الساقي، لندن، 2002.
  • رحلة عبر الزمن. إصدارات بيت الزبير، مسقط، سلطنة عمان.
  • جريدة عمان. عدد يوم الاثنين ١ ديسمبر، ١٩٨٠م
  • جريدة عمان، عدد يوم الاثنين ٢٣ فبراير ١٩٨٧م

شارك هذا الخبر