أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
وقّعت سلطنة عُمان والاتحاد الأوروبي اتفاقية لإنشاء بعثة دبلوماسية للاتحاد الأوروبي في مسقط، في خطوة تأتي بعد سنوات من المشاورات والتعاون بين الجانبين، وتفتح المجال أمام تعزيز العلاقات في ملفات سياسية واقتصادية وأمنية، تشمل الطاقة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والأمن البحري.
ففي خبر نشرته وزارة الخارجية اليوم، قام كل من معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، ومعالي كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، بالتوقيع على اتفاقية إنشاء بعثة دبلوماسية للاتحاد الأوروبي في سلطنة عُمان
وتمثل هذه البعثة، بالإضافة إلى بعثة سلطنة عُمان المعتمدة لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، إطارًا مؤسسيًا يعزز من خلاله الجانبان مصالحهما المشتركة، بما يسهم في تحقيق الرفاه والازدهار للجانبين.
ويجسد هذا التطور النوعي عمق الشراكة المتنامية بين الاتحاد الأوروبي وسلطنة عُمان، ويعكس التزامهما الراسخ بالارتقاء بمستوى التعاون وفتح آفاق جديدة في مجالات متعددة، تشمل التكنولوجيا، والطاقة، والخدمات اللوجستية، والقطاع المصرفي، والمعادن، والبنية الأساسية، فضلًا عن مجالات التدريب وبناء القدرات، والأمن الغذائي والمائي، وأمن الطاقة، والأمن البحري.

ويتقاسم الجانبان رؤية إستراتيجية شاملة إزاء دعم التعددية، حيث يضطلع كل منهما بدور فاعل في تعزيز دعائم السلام والأمن والازدهار. وفي ظل التحديات الراهنة في المنطقة والحاجة إلى ترسيخ الاستقرار المستدام، ستوفر هذه البعثة حضورًا دائمًا للاتحاد الأوروبي في سلطنة عُمان. وبالتوازي مع بعثة سلطنة عُمان في بروكسل، سيسهم ذلك في تعزيز قدرة الجانبين على الإسهام بفاعلية أكبر في تطوير وتنفيذ حلول تدعم الأمن والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وبهذه المناسبة، أعرب معالي السيد وزير الخارجية العُماني عن الأمل في أن تسهم بعثة الاتحاد الأوروبي في مسقط في تحقيق فوائد كبيرة للحكومات وقطاعات الأعمال ومواطني كلٍّ من الاتحاد الأوروبي وسلطنة عُمان، موضحًا أن افتتاح هذه البعثة من شأنه أن يدعم تكامل الإمكانات للشراكة والتعاون بما يخدم مصالح كلا الجانبين.

من جانبها، عبّرت معالي الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي عن سعادتها بتوقيع هذه الاتفاقية لما سيكون لها من أثر إيجابي، مؤكدة أن هذا الحدث يمثل منعطفًا إيجابيًا كبيرًا في مسار العلاقات بين سلطنة عُمان والاتحاد الأوروبي.
مسار بدأ في 2018
لم تبدأ الخطوة الحالية من فراغ؛ ففي سبتمبر 2018، وقعت سلطنة عُمان والاتحاد الأوروبي اتفاقية حول ترتيبات التعاون، أعقبتها مشاورات سياسية على مستوى كبار المسؤولين والخبراء.
وبحسب تصريح لسعادة رؤى بنت عيسى الزدجالي، سفيرة سلطنة عُمان لدى مملكة بلجيكا وبعثتها لدى الاتحاد الأوروبي، نُشر في موقع وزارة الخارجية، تُوّج هذا المسار بالتوصل إلى اتفاق لافتتاح بعثة للاتحاد الأوروبي في سلطنة عُمان بهدف تأطير العلاقة بين الجانبين.
وفي المقابل، تمتلك سلطنة عُمان بعثة لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، تتولى تعزيز العلاقات السياسية والدبلوماسية، واستكشاف فرص التعاون الاقتصادي والاستثمار، وتسهيل التبادل التجاري، وتشجيع التعاون الثقافي والعلمي والتعليمي.
وبذلك، فإن إنشاء بعثة أوروبية في مسقط يرسخ حضورًا متبادلًا بين الجانبين؛ عُمان في بروكسل، والاتحاد الأوروبي في مسقط.
لماذا تكتسب الخطوة أهمية؟
لم يعد التعاون محصورًا في العلاقات السياسية، بل امتد إلى قطاعات ترتبط مباشرة بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية للطرفين، من التكنولوجيا والطاقة والخدمات اللوجستية والمعادن، إلى البنية الأساسية والأمن الغذائي والمائي وأمن الطاقة والأمن البحري.
وهذه الملفات تعكس أهمية موقع عُمان بالنسبة إلى أوروبا، خصوصًا في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة والممرات البحرية.
كما أن وجود بعثة أوروبية دائمة قد يمنح العلاقات قناة أكثر انتظامًا لمتابعة هذه الملفات، وتحويل فرص التعاون من حوارات ومشاورات إلى شراكات واستثمارات ومشروعات عملية.
ففي مايو 2025، ناقش الجانبان مجالات التجارة والاستثمار، وتصدير الأسماك، والتعليم والتدريب، والطاقة الخضراء المتجددة، والبيئة والسياحة، وفي أكتوبر من العام نفسه، ركزت المشاورات العُمانية البلجيكية على الطاقة النظيفة والموانئ والخدمات اللوجستية، إلى جانب التعاون الفني والقنصلي.
وهذه الملفات ليست منفصلة عن موقع عُمان الجغرافي والاقتصادي؛ فالموانئ والخدمات اللوجستية، وأمن الملاحة، والطاقة، والمعادن، كلها قطاعات تقع عند تقاطع المصالح العُمانية مع أولويات أوروبية أوسع.
كما تتقاطع عُمان والاتحاد الأوروبي في الاهتمام بالتعددية والحوار والدبلوماسية، فيما تزداد أهمية هذا التقاطع مع تصاعد التوترات الإقليمية.
وتنظر أوروبا إلى أمن الخليج والممرات البحرية والطاقة باعتبارها ملفات ذات تأثير مباشر في أمنها الاقتصادي، بينما تمتلك عُمان موقعًا جغرافيًا ودورًا دبلوماسيًا يجعلها طرفًا مهمًا في النقاشات المتعلقة بأمن المنطقة والاستقرار.
وفي يوليو 2026، شاركت عُمان في المنتدى الرفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي حول الأمن والتعاون في بروكسل، حيث أكدت أهمية مواصلة الحوار وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، كما شددت على حرية الملاحة البحرية وسلامة خطوط الشحن في مضيق هرمز.
وقبل ذلك، شهد مارس 2026 اجتماعًا استثنائيًا بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، تناول تداعيات الحرب والتصعيد في المنطقة، وأكد البيان الختامي أهمية خفض التصعيد والحوار والدبلوماسية، مع الإشادة بجهود الوساطة التي تبذلها سلطنة عُمان.
ماذا عن شنغن؟
يبقى ملف شنغن أحد أكثر الملفات التي تهم المواطن العُماني، وقد سبق أن ناقشت عُمان والاتحاد الأوروبي مسألة إعفاء المواطنين العُمانيين من تأشيرة شنغن على مدى سنوات، وُثير الملف ضمن المشاورات السياسية بين الجانبين في 2022.
ونشرت وكالة الأنباء العُمانية في يونيو 2022 خبرًا مفاده أن الاتحاد الأوروبي يناقش إدخال سلطنة عُمان في مسار المفاوضات الهادف إلى إعفاء المواطنين العُمانيين من تأشيرة شنغن.
وحظيت هذه الخطوة بدعم أوروبي، تجلى في أكتوبر من العام نفسه خلال اتصال هاتفي تلقاه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، من نظيره الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، الذي أكد دعم بلاده لإعفاء العُمانيين من التأشيرة الرسمية وتأشيرة شنغن.
وفي الثاني من ديسمبر 2025، قال الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية إن إعفاء مواطني دول المجلس من تأشيرة شنغن بيد الجانب الأوروبي.
ومن ثم، فإن وجود بعثة أوروبية دائمة في مسقط قد يوفر قناة مؤسسية أكثر انتظامًا لمناقشة الملفات القنصلية، إلى جانب ملفات التنقل والتبادل التجاري والتعليمي والسياحي.
يُذكر أن منطقة شنغن تضم 29 دولة أوروبية، فيما يضم الاتحاد الأوروبي 27 دولة. وقد وُقّعت اتفاقية شنغن عام 1985، ودخلت حيز التنفيذ عام 1995، لتتيح حرية التنقل بين الدول المنضمة إلى المنطقة.





