أثير - مازن المقبالي
شهدت منظومة مكافحة الرشوة والفساد في سلطنة عمان تطورًا تشريعيًا ومؤسسيًا متدرجًا، كان من أحدث محطاته تخصيص باب بشأنها في قانون الجزاء، لتصبح العقوبات أشد وتشمل الراشي والوسيط، بالإضافة إلى المرتشي للقيام بعمل أو الامتناع عنه.
عقوبات أشد
كانت الرشوة في القطاع الخاص تنظم سابقًا بموجب المادة 146 من قانون العمل، التي كانت تقرر السجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وغرامة بين ألف و5 آلاف ريال أو بإحدى العقوبتين.
ومع صدور المرسوم السلطاني رقم 66/2026 بتعديل بعض القوانين في يونيو الماضي، خصص بابً لجريمة الرشوة في القطاع الخاص في قانون الجزاء العماني. فوسّع نطاق التجريم والعقوبات؛ إذ يعاقب بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات، وبغرامة تساوي على الأقل ما أُعطي أو وُعد به، كل صاحب عمل أو عضو مجلس إدارة أو عامل طلب أو قبل مقابلًا للقيام بعمل من الأعمال المكلف بها أو الامتناع عن عمل واجب عليه.
وتصل العقوبة إلى السجن من ثلاث إلى خمس سنوات إذا كان المقابل نظير عمل منافٍ لواجبات العمل أو الامتناع عن عمل واجب عليه، فيما يعاقب من عرض رشوة ولم تقبل منه بالسجن من ثلاثة أشهر إلى سنة. كما يعاقب الراشي والوسيط بالعقوبة المقررة للمرتشي، مع إعفائهما في حالات حددها القانون، من بينها المبادرة بإبلاغ السلطات المختصة أو الاعتراف بالجريمة قبل اكتشافها.
وتسري أحكام الرشوة في القطاع الخاص على شركات ومؤسسات القطاع الخاص والمؤسسات الدولية العمومية التي يقع مقرها في سلطنة عُمان، فيما تسري أحكام الموظف العام على ممثلي الحكومة في الشركات والعاملين في الشركات المملوكة للحكومة بالكامل أو التي تساهم الحكومة في رأس مالها بأكثر من 40%.
قضايا المال العام
في عام 2021م أصدر المدعي العام قرارًا بتعيين (محققين ماليين) للتحقيق في قضايا الاعتداء على المال العام وقضايا غسل الأموال. وعلى الرغم من عدم توفر بيانات عن قضايا الرشوة تحديدًا، لكن الادعاء العام كشف في اللقاء الإعلامي عام 2022م عن تعامله مع 107 قضايا عام 2021م متعلقة بالمساس بالمال العام وبلغت الإيرادات المحصلة 20 مليون ريال عُماني نتيجة أحكام قضائية، وتشمل:
- 33 قضية استغلال مسؤول حكومي لمنصبه لتحقيق منفعة له أو لغيره
- 26 قضية استعمال الوظيفة لجلب منفعة
- 120 قضية مرتبطة بجلب منفعة للغير
- 9 قضايا إخلال بالواجبات عن قصد
وفي اللقاء الإعلامي لعام 2023م، أوضح الادعاء العام بأن دائرة الأموال العامة وقضايا غسل الأموال تعاملت خلال عام 2022 مع 43 قضية، وتم تحصيل 12,4 مليون ريال عُماني للحق العام. وفي اللقاء الإعلامي لعام 2024م تم الكشف عن تعامل الادعاء العام مع 17 جريمة تتعلق بحماية المال العام والاعتداء على الممتلكات.
وفي عام 2024م، كشف جهاز الرقابة المالية والإدارية عن تعامله معه 25 قضية “مال عام”، وتشمل (استغلال المنصب لتحقيق منفعة ، قبول الرشوة للقيام بأعمال منافية لواجبات الوظيفة، التزوير المعلوماتي، التزوير في محررات رسمية، اختلاس أموال عامة، الإخلال في أداء الواجبات الوظيفية، التعدي على المال العام.
من الرقابة المالية إلى مكافحة الفساد
يرتبط هذا التطور بمسار مؤسسي بدأ مع الرقابة المالية عام 1970م، عندما كانت ممثلة في دائرة تدقيق الحسابات بالمديرية العامة للمالية، واقتصر دورها آنذاك على تدقيق السندات قبل الصرف. وتوسعت أعمالها والأطراف التي تُشرف عليها، وصولاً إلى عام 1985م حين صُدر أول قانون يختص بتنظيم تدقيق حسابات الدولة بتاريخ 10 مارس 1985م بالمرسوم السلطاني رقم 36 / 85.
وفي عام 1999م، صُدر المرسوم السلطاني رقم 95 / 99 بتعديل مسمى الأمانة العامة للرقابة المالية للدولة إلى جهاز الرقابة المالية للدولة كجهاز قائم بذاته يتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وتبعه في عام 2000م إصدار قانون جديد للرقابة المالية.
ويُعد عام 2011 محطة مهمة، حين أَضيفت الرقابة الإدارية إلى مهام الجهاز، ليصبح اسمه رسميًا جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة.
كما انضمت سلطنة عمان إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بموجب المرسوم السلطاني رقم 64/2013، وكلف الجهاز بمهمة هيئة مكافحة ومنع الفساد ومتابعة تنفيذ الاتفاقية.
وتتبع الجهاز المديرية العامة للنزاهة ومكافحة الفساد، التي تتولى متابعة الاتفاقيات الدولية والإقليمية ذات الصلة، وتلقي الشكاوى والبلاغات، ومراجعة إقرارات الذمة المالية، والإشراف على الخطة الوطنية لتعزيز النزاهة.
الخطة الوطنية ومؤشرات النزاهة
وتقوم الخطة الوطنية لتعزيز النزاهة على خمسة محاور، هي: منظومة تشريعية شاملة، وشفافية ومشاركة مجتمعية، وأداء مؤسسي كفؤ، وتعاون محلي ودولي، وقطاع خاص نزيه.
وتزامن ذلك مع تقدم سلطنة عمان في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، إذ ارتفعت إلى المرتبة 50 عالميًا من بين 180 دولة، مقارنة بالمرتبة 70 في عام 2023، كما ارتفعت درجتها من 43 إلى 55 نقطة.
كما حصلت السلطنة على 55 نقطة متقدمة بمقدار 12 نقطة عن العام الماضي. وفي آخر تقييم لعام 2025، حصلت عمان على 52 نقطة من 100 في مؤشر إدراك الفساد.
الرشوة أثر يتجاوز المال
ولا تقف آثار الرشوة عند المقابل المالي، إذ يرى أكاديميون وقانونيون أنها قد تعطل المصالح العامة، وتؤثر في مبدأ المساواة، وتنمي الجشع والاستغلال، وتؤدي إلى ضياع حقوق الآخرين.
كما قد تمتد آثارها إلى الموارد المالية للدولة، وصحة المجتمع وسلامته، خصوصًا عندما ترتبط بتراخيص لمشروعات غير ذات نفع حقيقي، أو بإنتاج الغذاء والدواء، أو بمخالفة قواعد البناء السليم.
ومن هنا، فإن مواجهة الرشوة لا تقوم على العقوبة وحدها، وإنما على منظومة تجمع التشريع والرقابة والشفافية والتوعية؛ بما يعزز النزاهة، ويحمي المال العام والوظيفة العامة، ويصون مبدأ المساواة والثقة في المؤسسات.






