أثير - ريما الشيخ
في أحد المختبرات بسلطنة عُمان، يعمل باحث على تجربة قد تستغرق أشهرًا قبل أن تتحول فكرتها إلى نتيجة قابلة للتطبيق.
وفي الوقت نفسه، تخصص شركة جزءًا من ميزانيتها لتطوير منتج أو تقنية جديدة، بينما تموّل جهة حكومية أبحاثًا تبحث عن حلول لتحديات في قطاعات مثل الطاقة والمياه والصحة.
هذه المشروعات، رغم اختلافها، تدخل جميعها ضمن إنفاق البحث والتطوير في سلطنة عُمان، الذي بلغ خلال عام 2025 نحو 189.4 مليون ر.ع، أي ما يعادل قرابة 519 ألف ر.ع يوميًا، حيث يتوزع هذا الإنفاق بين القطاع الخاص والجهات الحكومية ومؤسسات التعليم العالي، فيما يمكن أن تنتهي بعض الأبحاث إلى براءات اختراع أو تقنيات أو مشروعات تجد طريقها إلى السوق.
فبين مختبر تبدأ فيه الفكرة، وسوق يختبر قدرتها على التحول إلى منتج أو خدمة، تبقى الحلقة الأهم هي ما يحدث بعد البحث.
فإلى أي مدى تحولت زيادة الإنفاق على البحث والتطوير إلى أثر يمكن قياسه في الاقتصاد العماني؟
تضاعف تقريبًا خلال أربع سنوات
نشر المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في 20 أغسطس 2026 نتائج “مسح البحث والتطوير في سلطنة عُمان 2026”، الذي تناول أنشطة البحث والتطوير المنفذة خلال عام 2025، وأظهر أن إجمالي الإنفاق بلغ 189.42 مليون ر.ع، بما يعادل 0.48% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة و0.45% بالأسعار الجارية.
وعند العودة إلى السنوات الماضية يظهر حجم الزيادة بوضوح؛ فقد بلغ الإنفاق 98.26 مليون ر.ع في 2021، ثم 121.27 مليونًا في 2022، و152.79 مليونًا في 2023، و160.28 مليونًا في 2024، قبل أن يصل إلى 189.42 مليونًا في 2025، أي بزيادة تقارب 93% خلال أربع سنوات.
القطاع الخاص في الصدارة
وأظهرت نتائج المسح أن القطاع الخاص استحوذ على 46% من إجمالي الإنفاق، متقدمًا على القطاع الحكومي الذي بلغت حصته 31%، وقطاع التعليم العالي بنسبة 23%.
وبحساب هذه النسب من إجمالي الإنفاق، تعادل حصة القطاع الخاص نحو 87.1 مليون ريال، مقابل قرابة 58.7 مليون ريال للقطاع الحكومي، و43.6 مليون ريال لقطاع التعليم العالي، وهي مبالغ تقريبية محسوبة من النسب المنشورة.
كما بلغ عدد المشاركين في أنشطة البحث والتطوير خلال 2025 نحو 35,539 مشتغلًا، بينهم 18,193 باحثًا، وهو ما يظهر أن نمو الإنفاق رافقه أيضًا ارتفاع في حجم العاملين في هذا النشاط.
لكن حصة كل قطاع من الإنفاق لا تعني بالضرورة أنه موّلها بالكامل من موارده الخاصة، فقد تنفذ جامعة مشروعًا ممولًا من شركة، أو تعمل شركة ضمن مشروع مشترك مع جهة حكومية، وهنا يبرز الفرق بين مكان تنفيذ الإنفاق ومصدر تمويله.
أين تتجه الأموال؟
توضح نتائج المسح حجم الإنفاق بحسب القطاع، لكنها لا تفصل كامل مبلغ الـ189.42 مليون ر.ع بحسب المجال البحثي، لذلك لا يظهر من البيانات المنشورة كم خُصص تحديدًا للصحة أو الطاقة أو المياه أو الزراعة أو التقنية.
وتقدم البرامج البحثية والمشروعات المعلنة صورة أقرب عن اتجاهات هذا النشاط، إذ تضمنت الأولويات الوطنية بحوثًا مرتبطة بالأمن الغذائي والأمن الصحي، إلى جانب مشروعات في الطاقة والمياه والتقنيات الحديثة والصناعة.
وتشمل المشروعات البحثية العُمانية كذلك تطبيقات في الطاقة المتجددة والهيدروجين والتقنية الحيوية والغذاء والصحة والتصنيع، وهي مجالات ترتبط بصورة مباشرة بقطاعات التنويع الاقتصادي.
لكن هذه المشروعات لا تكشف حجم ما حصل عليه كل مجال من إجمالي الإنفاق، لذلك لا يمكن ترتيب المجالات بحسب حصتها من الـ189 مليون ريال استنادًا إلى البيانات العامة المنشورة للمسح.
189 مليونًا.. ليست كلها منحًا
ولا يعني رقم الـ189.4 مليون ر.ع أن هذا المبلغ وُزع بالكامل على الباحثين في صورة منح، بل يمثل إجمالي الإنفاق على أنشطة البحث والتطوير داخل الشركات والمؤسسات الحكومية ومؤسسات التعليم العالي، بما يشمل العاملين والمختبرات والأجهزة والأنشطة البحثية والتطويرية المختلفة.
وتبين برامج التمويل جانبًا من هذه الأموال، فقد بلغ عدد المشروعات الممولة ضمن برنامج التمويل المؤسسي المبني على الكفاءة نحو 2,228 مشروعًا منذ 2018 وحتى 2024، فيما مُوّل 475 مشروعًا بقيمة تقارب 2.4 مليون ريال، إلى جانب 74 مشروعًا ضمن برنامج البحوث الاستراتيجية للقطاع الحكومي، و61 مشروعًا ضمن برنامج “إيجاد” الموجه للقطاع الصناعي بقيمة بلغت 2.5 مليون ر.ع.
وهذه المبالغ تخص برامج بحثية محددة، ولا تمثل كامل الإنفاق الذي رصده مسح البحث والتطوير.
ماذا خرج من البحث؟
وتعد براءات الاختراع أحد المؤشرات التي يمكن النظر إليها عند الحديث عن مخرجات البحث والابتكار، إذ بلغ عدد طلبات براءات الاختراع المودعة خلال الفترة من 2020 إلى 2025 نحو 4,424 طلبًا، وفق وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار.
وفي عام 2025 وحده، جرى فحص 879 طلبًا، ونشر 40 إعلان قبول و40 إعلان منح براءة اختراع.
كما أظهرت مؤشرات مرتبطة بمتابعة رؤية عُمان 2040 اعتماد 475 مشروعًا بحثيًا، وتمويل 61 مشروعًا تطبيقيًا بأكثر من 2.5 مليون ر،ع، وتسجيل 128 براءة اختراع.
لكن تسجيل البراءة ليس نهاية الطريق؛ فطلب البراءة يختلف عن منحها، والبراءة الممنوحة لا تعني بالضرورة أن الاختراع أصبح منتجًا موجودًا في السوق. كما أن بعض الأبحاث تحتاج إلى سنوات قبل أن تظهر نتائجها التجارية.
عندما تغادر الفكرة الجامعة
وهناك نماذج عُمانية نجحت في الانتقال من الجامعة إلى النشاط التجاري، من بينها مشروع «آي لاب مارين»، الذي بدأ مشروع تخرج في جامعة السلطان قابوس لتطوير روبوت بحري للكشف عن التلوث النفطي، ثم تحول إلى شركة ناشئة تعمل في مجالات الاقتصاد الأزرق باستخدام الروبوتات البحرية وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي.
وتسعى برامج مثل “أبجريد” إلى مساعدة مزيد من المشروعات على السير في الاتجاه نفسه؛ إذ فاز 11 مشروعًا في نسخة 2025 بحوافز تساعد على الانتقال من الفكرة الأكاديمية إلى الاحتضان وتطوير نموذج عمل قابل للتطبيق والاستثمار.
لكن هذه النماذج، على أهميتها، لا تقدم حتى الآن رقمًا وطنيًا شاملًا يوضح كم مشروعًا بحثيًا تحول إلى منتج في السوق، أو كم شركة تأسست من مخرجات البحث واستمرت تجاريًا، أو حجم الإيرادات والوظائف التي نتجت عنها.
0.45% اليوم.. والمستهدف 1%
ويظهر حجم الإنفاق بصورة أوضح عند وضعه أمام المستهدفات الوطنية، إذ يستهدف برنامج الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص للإنفاق على البحث والتطوير والابتكار رفع الإنفاق إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، ثم إلى 2% في 2040.
وبالمقارنة مع نسبة 0.45% المسجلة بالأسعار الجارية في 2025، فإن حجم الإنفاق الحالي لا يزال دون نصف المستوى المستهدف لعام 2030، رغم الارتفاع الذي سجله خلال السنوات الماضية.
كما تستهدف الخطط أن ترتفع مساهمة القطاع الخاص في تمويل البحث والتطوير والابتكار إلى نحو 70%، مقابل 30% من الموازنة العامة للدولة.
من قياس الإنفاق إلى قياس العائد
وأصبح قياس العائد الاقتصادي للبحث العلمي حاضرًا في النقاش الرسمي أيضًا، ففي يونيو 2026 ناقشت لجنة التعليم والبحوث بمجلس الدولة دراسة بعنوان “البحث العلمي والابتكار: الأولويات وقياس العائد على التنمية في سلطنة عُمان”، وركزت على تحويل المخرجات البحثية إلى فرص استثمارية قابلة للتمويل، وقياس أثرها في القيمة المضافة وخلق الوظائف ونقل المعرفة.
وتكشف الأرقام المنشورة حجم ما يُنفق، والقطاعات التي تنفذ الجزء الأكبر منه، وعدد الباحثين والمشروعات والبراءات، لكنها لا تقدم بالوضوح نفسه رقمًا وطنيًا يبين قيمة المنتجات التي وصلت إلى السوق، أو الإيرادات الناتجة من التقنيات والبراءات، أو عدد الوظائف التي خلقتها مخرجات البحث العلمي.
من المختبر إلى السوق
يبدأ البحث بفكرة على طاولة مختبر، لكن قيمته الاقتصادية لا تتوقف عند انتهاء التجربة أو تسجيل البراءة، بل تمتد إلى ما يمكن أن تصنعه هذه الفكرة عندما تصل إلى شركة أو مصنع أو منتج يستخدمه الناس.
وبين 98.26 مليون ريال أُنفقت في 2021 و189.42 مليونًا في 2025، اقترب حجم الإنفاق على البحث والتطوير في عُمان من الضعف، فيما أصبح القطاع الخاص صاحب الحصة الأكبر واتسعت دائرة المشروعات والبراءات.
لكن الرقم الذي يبقى أصعب في القياس هو ما يعود من هذه المنظومة إلى الاقتصاد، ليس بعدد الدراسات وحدها، وإنما بما يتحول منها إلى تقنية تستخدم، ومنتج يباع، وشركة تنمو، ووظيفة تُخلق.
فهل تكون المرحلة المقبلة مرحلة زيادة الإنفاق على البحث والتطوير، أم مرحلة قياس ما يصنعه كل ريال من هذا الإنفاق للاقتصاد العُماني؟






