بدأت قبل نحو نصف قرن: تفاصيل ربما تعرفها لأول مرة عن قصة الجمعيات الاستهلاكية في عُمان

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

بدأت قبل نحو نصف قرن: تفاصيل ربما تعرفها لأول مرة عن قصة الجمعيات الاستهلاكية في عُمان
بدأت قبل نحو نصف قرن: تفاصيل ربما تعرفها لأول مرة عن قصة الجمعيات الاستهلاكية في عُمان
أثير- إعداد: د. محمد بن حمد العريمي
قبل نحو نصف قرن، وتحديدًا في سبتمبر من عام 1978م، شهدت مسقط تجربة مبكرة في النشاط التعاوني الاستهلاكي، عندما افتُتحت جمعية تعاونية استهلاكية هدفت إلى توفير السلع للمستهلكين بأسعار مناسبة، والإسهام في مواجهة الغلاء، ودعم المنتجات المحلية. وبعد عقود من تلك البداية، عادت فكرة التعاونيات الاستهلاكية إلى الظهور من جديد؛ بدايةً من تجربة شناص في العقد الماضي، ثم صدور لائحة تنظم مزاولة النشاط في عام 2023م، وصولًا إلى مبادرة حديثة يقودها بنك صحار الدولي بالتعاون مع عدد من المؤسسات الوطنية لإنشاء إطار متكامل للتعاونيات الاستهلاكية.
وبين التجربة الأولى والمحاولات الحديثة مسار يمتد لنحو نصف قرن، يكشف أن فكرة التعاونيات الاستهلاكية في سلطنة عُمان ليست وليدة السنوات الأخيرة، وإنما لها جذور تعود إلى سبعينيات القرن العشرين.

البداية من مسقط في عام 1978م

تكشف قصاصة صحفية نشرتها جريدة “عمان” تعود إلى سبتمبر 1978م جانبًا مهمًا من هذه البدايات؛ إذ حمل الخبر المنشور آنذاك عنوان “افتتاح أول جمعية تعاونية استهلاكية في العاصمة”، موثقًا افتتاح الجمعية مساء يوم الأربعاء تحت رعاية سعادة سالم شعبان، وكيل وزارة الزراعة والأسماك والنفط والمعادن للشؤون الفنية.
وقد عكست الأهداف التي أُعلنت عند الافتتاح تصورًا يتجاوز فكرة إنشاء متجر تجاري عادي؛ إذ كان الهدف من الجمعية توفير السلع والمواد الاستهلاكية، سواء المحلية أو المستوردة، بأسعار مناسبة، والعمل على استقرار الأسعار ومحاربة الغلاء، إلى جانب إبراز دور المنتجات المحلية.
وتبدو هذه الأهداف لافتة عند قراءتها اليوم؛ فهي تضع المستهلك والأسعار والمنتج المحلي في قلب فكرة العمل التعاوني، وهي موضوعات ما تزال حاضرة في النقاش حول جدوى التعاونيات الاستهلاكية ودورها الاقتصادي والاجتماعي.
ولم تظهر الجمعية الاستهلاكية آنذاك بمعزل عن تجربة تعاونية سبقتها؛ فقد أشار سالم شعبان في كلمة ألقاها خلال حفل الافتتاح إلى أن الحركة التعاونية التي أنشئت بوزارة الزراعة في أوائل عام 1974م أدت دورًا في تحسين مستوى الإنتاج لدى المزارعين، وفي توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي التي يحتاجون إليها.
ومن هذا المنطلق، رأى راعي الحفل أن افتتاح الجمعية الاستهلاكية يأتي منسجمًا مع تلك التجربة، وأنها يمكن أن تساعد في إيجاد السوق اللازمة لتسويق منتجات المزارعين.
وهكذا كانت الفكرة في صورتها المبكرة تقوم على حلقة متكاملة: منتج محلي يجد منفذًا للتسويق، ومستهلك يحصل على احتياجاته بأسعار مناسبة، ونشاط تعاوني يؤدي دور الوسيط بين الطرفين.
وتحدث في حفل الافتتاح رئيس لجنة إدارة الجمعية مسعود سعد المظفر، الذي استعرض أهدافها ودعا المواطنين إلى دعم النشاط التعاوني عن طريق الاشتراك والشراء من الجمعية، وأكد أن أي ربح تحققه الجمعية ستكون له آثار جيدة متعددة يستفيد منها المستهلك، بصورة مباشرة وغير مباشرة، وهي فلسفة تميز النشاط التعاوني عن المتجر التجاري التقليدي؛ إذ لا تنحصر الغاية في تحقيق الربح، وإنما تمتد إلى تحقيق منفعة للمشتركين والمستهلكين والمجتمع.
وأعرب المظفر في ختام كلمته عن أمله في نجاح الجمعية وافتتاح جمعيات مماثلة في أنحاء السلطنة.
وكان مقر الجمعية يقع، بحسب الخبر المنشور آنذاك، بجوار عمارة الحارثي مقابل بنك عُمان الوطني، على الشارع الممتد من مسجد عبدالرضا سلطان إلى “عُمان تل”، وكانت تعمل على فترتين؛ صباحية ومسائية.

تجربة مبكرة.. ثم غياب طويل

تكمن الأهمية التاريخية لخبر عام 1978م في أنه يعيد تاريخ فكرة التعاونيات الاستهلاكية في سلطنة عُمان إلى مرحلة مبكرة من مسيرة التنمية الحديثة، إلا أن التطلع الذي عبّر عنه القائمون على الجمعية بإنشاء جمعيات مماثلة في أنحاء السلطنة لم يتحول - فيما يبدو من مسار التجربة اللاحقة - إلى شبكة واسعة من الجمعيات الاستهلاكية على غرار التجارب التي نشأت وترسخت في بعض دول مجلس التعاون.
ومع مرور السنوات، غابت هذه الصيغة عن المشهد الاستهلاكي الواسع، في وقت توسع فيه قطاع تجارة التجزئة من خلال المحال والأسواق والمراكز التجارية، ثم سلاسل المتاجر الكبرى، لكن الفكرة لم تختف تمامًا.

شناص تعيد الفكرة إلى الواجهة

بعد أكثر من ثلاثة عقود، عادت فكرة إنشاء نشاط استهلاكي بمفهوم تعاوني إلى الظهور في ولاية شناص بمحافظة شمال الباطنة، وتعود بدايات المبادرة إلى عام 2014م، قبل أن تتبلور في العام التالي ضمن مشروع محلي؛ ففي مارس 2015م أُعلن تدشين شركة تطوير شناص الأهلية، وأوضح القائمون عليها أن بداية انطلاقتها ستكون من مشروع “جمعية تعاونية استهلاكية”، بحيث تجمع احتياجات الأسرة تحت سقف واحد وتحقق للمساهمين عوائد على مشترياتهم وعلى أسهمهم.
لكن هذه التجربة اصطدمت بمسألة جوهرية، هي عدم وجود قانون خاص بالجمعيات التعاونية يسمح بتأسيسها بالصورة المعروفة للعمل التعاوني؛ ولذلك اتخذ المشروع صيغة متجر استهلاكي يعمل بمفهوم الجمعية التعاونية.
وهنا تظهر مفارقة تاريخية مهمة: فقد عرفت مسقط تجربة جمعية استهلاكية منذ عام 1978م، لكن المحاولة التي ظهرت في شناص بعد أكثر من ثلاثة عقود واجهت تحدي الإطار القانوني والتنظيمي.

من شناص إلى السويق وبركاء

ولم تتوقف تجربة شناص عند حدود الولاية؛ إذ تطورت المبادرة لاحقًا، وذكر جمال بن عبدالله الملا، نائب رئيس مجلس إدارة تعاونية عُمان، خلال مناقشات حول التعاونيات الاستهلاكية، أن التجربة التي بدأت في شناص عبر شركة مساهمة مقفلة واجهت عدة تحديات، من بينها محدودية الثقافة المجتمعية المتعلقة بالتعاونيات وصعوبة منافسة شركات التجزئة الكبيرة من خلال فرع واحد.
كما برز تحدٍ اقتصادي آخر يتعلق بالقوة الشرائية؛ فالحصول على أسعار أفضل من الموردين يرتبط بحجم المشتريات، الأمر الذي يجعل التوسع في عدد الفروع ورأس المال عنصرًا مهمًا في نجاح النموذج.
ومع ذلك، توسعت التجربة إلى فرعين في السويق وفرع في بركاء، إلى جانب العمل - وفق ما أُعلن في ذلك الوقت - على فرع في البريمي.

2023م.. النشاط يحصل على إطار تنظيمي

جاء التحول الأبرز في أبريل 2023م، عندما أصدر معالي قيس بن محمد اليوسف، وزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار آنذاك، القرار الوزاري رقم 365/2023 بإصدار لائحة تنظيم مزاولة نشاط التعاونية الاستهلاكية.
ونص القرار على العمل بأحكام اللائحة المرفقة في شأن تنظيم مزاولة نشاط التعاونية الاستهلاكية، وعلى نشره في الجريدة الرسمية والعمل به بعد مرور 90 يومًا من تاريخ نشره.
2023م.. النشاط يحصل على إطار تنظيمي
2023م.. النشاط يحصل على إطار تنظيمي
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها إذا ما قورنت بتجربة شناص؛ إذ كان غياب التنظيم القانوني أحد أبرز التحديات التي واجهت المحاولات السابقة، فيما جاء القرار بعد ذلك ليضع إطارًا تنظيميًا محددًا لمزاولة النشاط.
وبذلك انتقلت فكرة التعاونيات الاستهلاكية من محاولات وتجارب عملية واجهت إشكالية الغطاء التنظيمي إلى نشاط تحكمه لائحة خاصة.

بعد التنظيم.. يأتي التمويل

بعد أكثر من عامين على صدور اللائحة، دخلت الفكرة مرحلة جديدة، هذه المرة من بوابة التمويل وريادة الأعمال والشراكة بين المؤسسات، ففي ديسمبر 2025م أعلن بنك صحار الدولي توقيع سلسلة من مذكرات التفاهم الهادفة إلى تأسيس إطار وطني متكامل للتعاون من أجل إنشاء التعاونيات الاستهلاكية.
ولا تقوم المبادرة الحديثة على تمويل متجر استهلاكي فحسب، وإنما على إيجاد مسار يبدأ من الفكرة، ثم التأهيل والاحتضان، فالتمويل والنمو، وصولًا إلى الجاهزية المحتملة للإدراج في بورصة مسقط.
ويؤدي صحار الدولي ضمن هذا التصور دورًا ماليًا محوريًا من خلال توفير المنتجات والخدمات التمويلية الملائمة للمراحل المختلفة، بينما صُممت التعاونيات المستهدفة كنموذج يساعد الشباب العُماني على تأسيس متاجر تجزئة مملوكة لهم وقابلة للتوسع، مع توفير الخبرات الفنية والدعم المؤسسي والتمويلي.
وتتجاوز أهداف المبادرة توفير السلع للمستهلك، لتشمل إيجاد فرص عمل، وتنشيط التجارة المحلية، وزيادة إسهامات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والعمل الحر في الناتج المحلي غير النفطي، وربط المشروعات بمراحل أكثر تقدمًا من النمو المؤسسي.

الفكرة نفسها.. لكن بأدوات مختلفة

عند وضع تجربة سبتمبر 1978م إلى جانب التوجهات الحديثة، تبدو بعض الأهداف متشابهة رغم الاختلاف الكبير في البيئة الاقتصادية والتشريعية، فالجمعية التي افتتحت قبل نحو نصف قرن كانت تستهدف توفير السلع بأسعار مناسبة، ومحاربة الغلاء، وتشجيع المنتج المحلي وإيجاد سوق لمنتجات المزارعين.
واليوم تعود التعاونيات في سياق أكثر اتساعًا، يضيف إلى تلك الأهداف تمكين الشباب، وريادة الأعمال، وتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتوفير التمويل، والتوسع في قطاع التجزئة، وربط المشروعات بالاقتصاد المحلي وأسواق رأس المال.
أي إن الفكرة الأساسية بقيت حاضرة، بينما تغيرت الأدوات والإطار المؤسسي وحجم الطموح.

من 1978م إلى اليوم.. ماذا تخبرنا التجربة؟

تكشف رحلة التعاونيات الاستهلاكية في سلطنة عُمان عن مسار غير متصل زمنيًا؛ بدأت إحدى حلقاته الواضحة في سبتمبر 1978م مع افتتاح جمعية استهلاكية في العاصمة، ثم عادت الفكرة بصورة مختلفة في شناص في العقد الماضي، قبل أن تحصل على إطار تنظيمي خاص في عام 2023م، ثم تدخل في 2025م مرحلة جديدة تستهدف بناء منظومة وطنية للتعاونيات الاستهلاكية.
ولعل اللافت أن كثيرًا من العبارات التي قيلت عند افتتاح جمعية 1978م ما تزال تحتفظ بدلالتها حتى اليوم؛ فالمستهلك يبحث عن السعر المناسب، والمنتج المحلي يحتاج إلى منافذ تسويقية، والسوق يحتاج إلى مزيد من الخيارات والمنافسة.
وبين البدايات المبكرة والأطر الحديثة يبقى السؤال: هل تشهد السنوات المقبلة تحقيق ما تطلع إليه القائمون على جمعية 1978م عندما تمنوا إنشاء جمعيات مماثلة في أنحاء السلطنة؟
فبعد نحو نصف قرن، تبدو الفكرة وقد عادت إلى الواجهة، لكن هذه المرة وهي تمتلك ما لم يكن متاحًا لبعض المحاولات اللاحقة: تنظيمًا خاصًا، وتجارب محلية يمكن البناء عليها، وتوجهًا مؤسسيًا وتمويليًا يسعى إلى تحويل التعاونيات الاستهلاكية من فكرة متفرقة إلى نموذج اقتصادي قابل للتوسع والاستدامة.

المراجع

  • جريدة عمان. السبت 23 سبتمبر 1978م.
  • الجمعيات التعاونية بين ضبط الأسواق والأعباء. تقرير منشور بموقع جريدة الشبيبة الإلكتروني، الخميس 12 يوليو 2018.
  • قرار وزاري رقم ٢٦٥ / ٢٠٢٣ بإصدار لائحة تنظيم مزاولة نشاط التعاونية الاستهلاكية، 5 أبريل 2023، موقع قانون. https://qanoon.om/
  • الكشف عن أول إطار وطني متكامل لإنشاء التعاونيات الاستهلاكية. خبر منشور بموقع جريدة الرؤية الإلكتروني، 22 ديسمبر 2025.
  • لأول مرة: لائحة لتنظيم نشاط التعاونية الاستهلاكية. خبر منشور بمنثة “أثير” 9 أبريل 2023.

شارك هذا الخبر