أثير- إعداد: د. محمد بن حمد العريمي
لم تكن أيام عيد الفطر المبارك في ولاية شناص في عام 1978م اعتيادية تمامًا؛ ففي الوقت الذي كانت فيه القرى تعيش أجواء العيد، حمل البحر إلى شاطئ قرية أسرار بني سعد مشهدًا استثنائيًا، حين قذفت الأمواج حوتًا ضخمًا نافقًا إلى الساحل، في حادثة أثارت اهتمام الأهالي والجهات الرسمية، ووصل صداها إلى الصحافة العُمانية آنذاك.
حدث ذلك في مطلع شهر سبتمبر من عام 1978م، أي قبل نحو 48 عامًا، عندما فوجئ أهالي القرية التابعة لولاية شناص بوجود الحوت الضخم على الشاطئ، لتبدأ التساؤلات حول نوعه وحجمه والكيفية التي انتهى بها إلى سواحل الولاية.

جريدة عمان. السبت 19 سبتمبر 1978م
53 قدمًا
بحسب تصريح أدلى به سعادة والي شناص آنذاك لمراسل جريدة “عُمان”، فقد كان الحوت ذا حجم لافت؛ إذ بلغ طوله نحو 53 قدمًا، أي ما يزيد على 16 مترًا، فيما بلغ عرضه 15 قدمًا، أي نحو 4.6 أمتار، ووصل ارتفاعه إلى ثمانية أقدام، أي قرابة 2.4 متر.
وتعطي هذه الأرقام تصورًا عن ضخامة الحوت الذي استقر على الساحل، في وقت كانت فيه مثل هذه الحوادث تمثل حدثًا نادرًا يلفت أنظار سكان القرى الساحلية، ولا سيما مع محدودية وسائل التوثيق العلمي والإعلامي مقارنة بما هو متاح اليوم.
“النهم” أو “سلطان البحر”
نقلت الصحافة آنذاك عن مصادر في وزارة الزراعة والأسماك والنفط والمعادن معلومات حول الحوت، مشيرة إلى أن هذا النوع كان يُعرف محليًا باسم “النهم” أو “سلطان البحر”، وأنه يوجد في المياه الإقليمية العُمانية، خصوصًا في المنطقة البحرية الممتدة بين جزيرة مصيرة ومدينة مرباط.
ووفق المعلومات المنشورة وقتها، فإن بعض أنواع هذه الحيتان قد يصل طولها إلى نحو مائة قدم، كما عُرف عنها الإبحار في أعماق كبيرة تصل إلى نحو 1200 قدم.
وأشارت المعلومات كذلك إلى القيمة الاقتصادية التي كانت ترتبط بالحيتان في ذلك الوقت، إذ كان زيت بعض أنواعها يدخل في صناعات مختلفة، من بينها صناعة العطور والشمع وغيرها. كما أوردت المصادر أن أمعاء بعضها قد تحتوي على قطع من العنبر، وهي مادة عطرية نادرة ارتبطت تاريخيًا بتجارة العطور.
ماذا حدث للحوت؟
لم تقتصر متابعة الحادثة على وصف الحوت وحجمه، بل امتدت إلى محاولة معرفة السبب الذي أدى إلى نفوقه ووصوله إلى ساحل شناص.
ووفقًا للتحريات التي أُجريت في ذلك الوقت، فقد طُرح احتمال أن تكون إحدى السفن الموجودة في المحيط الهندي قد أصابت الحوت، بغرض الاستفادة منه، إلا أنها لم تتمكن لاحقًا من العثور عليه.
وبحسب هذه الرواية، نفق الحوت في البحر، وظلت جثته تحملها التيارات والأمواج إلى أن انتهى بها المطاف على شاطئ قرية أسرار بني سعد في شناص.
وتبقى هذه الرواية في حدود ما توصلت إليه التحريات ونشرته الصحافة آنذاك، دون أن تتوافر -بحسب المعلومات المتاحة- أدلة علمية تحدد بصورة قاطعة سبب نفوق الحوت أو المسار الذي قطعته جثته قبل وصولها إلى الساحل.
شناص والحيتان.. الحادثة تتكرر
لم تكن واقعة سبتمبر 1978م آخر مرة تشهد فيها سواحل ولاية شناص ظهور حوت نافق أو جانح؛ فقد تكررت حوادث مشابهة خلال العقود التالية، ومن أبرزها حادثة وقعت في شهر مارس من عام 1995م.
ففي ذلك الشهر واجه الصياد مبارك بن سالم بن مبارك الزعابي موقفًا استثنائيًا في عرض البحر، بعدما عثر على حوت ضخم نافق، كان بقاؤه في المياه يمثل مصدرًا محتملًا للتلوث البيئي نتيجة تحلل الجثة وما قد يصاحبه من انتشار الروائح والمواد العضوية في البيئة البحرية والساحلية.
وكان الحوت كبير الحجم؛ إذ تجاوز وزنه عند العثور عليه ستة أطنان، بينما بلغ طوله نحو 18 مترًا، وعرضه ثلاثة أمتار، وتراوح ارتفاعه بين متر ونصف ومترين.
ووثّقت جريدة “عُمان” هذه الحادثة في عددها رقم 5037 الصادر في 13 مارس 1995م، لتضيف واقعة أخرى إلى سجل الحيتان التي ظهرت قبالة سواحل شناص.

جريدة عمان. العدد 5037، 13 مارس 1995
وبعد 30 عامًا
وبعد نحو ثلاثة عقود من حادثة 1995م، عاد مشهد الحيتان إلى سواحل الولاية مرة أخرى؛ ففي يونيو 2025م عُثر على حوت جانح بالقرب من شاطئ الدوانيج بولاية شناص.
وأفادت المعاينات الأولية للحوت في حينها بأنه من نوع الحوت الأزرق، وأن طوله بلغ قرابة ثمانية أمتار، لتعيد هذه الواقعة إلى الأذهان الحوادث السابقة التي شهدتها سواحل الولاية.

من خبر صحفي إلى ذاكرة بيئية
بين حوت أسرار بني سعد في سبتمبر 1978م، وحوت عام 1995م، والحوت الذي ظهر بالقرب من شاطئ الدوانيج عام 2025م، تمتد قرابة خمسة عقود من الوقائع التي توثق جانبًا من علاقة سواحل شناص بالحياة البحرية في بحر عُمان.
وتكتسب حادثة عام 1978م أهميتها اليوم ليس فقط من ضخامة الحوت الذي وصل إلى الساحل، وإنما أيضًا من كونها وثيقة صحفية مبكرة تسجل نظرة المجتمع والجهات الرسمية إلى مثل هذه الظواهر قبل نحو نصف قرن، وتقدم معلومات عن المصطلحات التي كانت مستخدمة آنذاك، مثل “النهم” و“سلطان البحر“، والتفسيرات التي طُرحت لأسباب النفوق، والقيمة الاقتصادية التي كانت تُنسب إلى بعض منتجات الحيتان.
كما تكشف المقارنة بين حوادث 1978 و1995 و2025م عن التحول في طريقة التعامل مع مثل هذه الوقائع؛ فمن التركيز قديمًا على حجم الحوت وقيمته وما يمكن استخراجه منه، إلى حضور الاعتبارات البيئية والعلمية بصورة أكبر في العقود اللاحقة، خصوصًا ما يتعلق بخطر تحلل الحيتان النافقة، وحماية البيئة البحرية، والتعرف على الأنواع وأسباب الجنوح والنفوق.
وهكذا بقيت حادثة ذلك الحوت الضخم الذي قذفته أمواج البحر إلى قرية أسرار بني سعد في أيام عيد الفطر عام 1978م واحدة من الوقائع اللافتة في الذاكرة المحلية لسواحل شناص، وحدثًا أعادت حوادث مشابهة بعد سنوات طويلة استحضاره من جديد.
المراجع
- جنوح حوت أزرق بولاية شناص. خبر منشور في موقع “الرؤية” الإلكتروني، 14 يونيو 2025.
- جريدة عمان. العدد 5037، 13 مارس 1995
- جريدة عمان. عدد 16 سبتمبر 1978.





