أثير- د. محمد بن حمد العريمي
حين بدأت سلطنة عُمان خطواتها الأولى نحو بناء كوادر وطنية قادرة على التعامل مع الآلة والتقنيات الحديثة، كانت مدرسة عُمان للمهن الصناعية في دارسيت بمطرح واحدة من التجارب التعليمية الرائدة التي سبقت النهضة الحديثة، وأسهمت في وضع لبنة مبكرة في مسيرة التعليم المهني والتقني بالسلطنة.
بدأت قصة المدرسة في عام 1967م، في مرحلة كانت فيها فرص التعليم النظامي محدودة، فيما كانت قطاعات اقتصادية حديثة، وفي مقدمتها النفط، بحاجة متزايدة إلى عُمانيين يمتلكون المهارات الفنية والمهنية، ومن مدرسة صغيرة للتدريب الصناعي، تطورت التجربة بعد عام 1970م تحت إشراف الحكومة، قبل أن تتسع منظومة التعليم المهني والتقني خلال العقود التالية وصولًا إلى الكليات التقنية وجامعة التقنية والعلوم التطبيقية، وإعادة تنظيم قطاع التدريب المهني في السنوات الأخيرة.
الحاجة إلى تأهيل العُمانيين
تأسست مدرسة عُمان للمهن الصناعية في عام 1967م بالتعاون بين حكومة سلطنة مسقط وعُمان وشركة تنمية نفط عُمان، مناصفةً من الناحيتين الإدارية والفنية.
ويشير الباحث الدكتور ناصر بن عبدالله الصقري إلى أن التفكير في إنشاء المدرسة ارتبط بمشكلة واجهتها شركة تنمية نفط عُمان في تأهيل موظفيها العُمانيين، في ظل نقص الفرص التعليمية المتاحة داخل البلاد، إلى جانب صعوبة الحصول على الموافقات اللازمة لإرسالهم للدراسة في الخارج.
ومن هنا برزت فكرة إنشاء مؤسسة تعليمية تدريبية داخل عُمان تتولى إعداد الشباب وتأهيلهم في المهن الصناعية والفنية؛ بحيث يتمكن الخريج من الالتحاق بالعمل، بينما تتاح للطلبة المتميزين فرصة مواصلة الدراسة في المملكة المتحدة.
وبذلك لم يكن إنشاء المدرسة مجرد إضافة إلى المؤسسات التعليمية المحدودة آنذاك، وإنما جاء مرتبطًا منذ البداية بحاجة سوق العمل وبناء القوى العاملة الوطنية.


بنايتان في دارسيت
اتخذت المدرسة من منطقة دارسيت بمطرح مقرًا لها، وتكونت من بنايتين منفصلتين؛ بلغت مساحة الأولى نحو 9000 قدم مربع وخصصت للورش الصناعية، فيما بلغت مساحة الثانية نحو 4300 قدم مربع، وضمت الفصول الدراسية ومكاتب المدرسين.
وكانت المدرسة تستقبل في بداياتها الطلبة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عامًا، شريطة إكمال ست سنوات من الدراسة الابتدائية، إلى جانب إمكانية قبول من تلقوا تعليمهم في المدارس الأهلية بمطرح.
وكانت إجراءات القبول تبدأ في نهاية أغسطس من كل عام عن طريق مكتب شؤون التوظيف بشركة تنمية نفط عُمان، ثم يُستدعى المتقدمون للمقابلة، ويخضع المقبولون لفحوص طبية قبل بدء العام الدراسي في نهاية سبتمبر.

ثلاث سنوات تجمع العلم بالمهنة
يكشف البرنامج الدراسي عن أن المدرسة لم تكن مجرد ورش لتعليم الحرف، بل مؤسسة تعليمية تجمع بين التأسيس الأكاديمي والتدريب الفني والتطبيق العملي، فقد استغرقت الدراسة ثلاث سنوات؛ خُصصت السنة الأولى لبرنامج مكثف في اللغة الإنجليزية، إلى جانب الرياضيات والدراسات الاجتماعية والرسم الهندسي والفيزياء ونظرية الكهرباء والعلوم الفنية.
وفي السنتين التاليتين ينتقل الطالب إلى أحد التخصصات المهنية، مع التركيز بصورة أكبر على التدريب العملي، ومن التخصصات التي أتيحت في المرحلة الأولى: المحركات، واللحام والإنشاءات، والسيارات، وتطوير الآلات وصنعها.

وكان اختيار تخصص الطالب يتم بالتشاور مع إدارة المدرسة، استنادًا إلى مستواه وأدائه خلال السنة الأولى، في مؤشر مبكر إلى الأخذ بمفهوم التوجيه المهني وفق قدرات الطالب واستعداداته.
وكان العام الدراسي يبدأ في نهاية سبتمبر وينتهي في نهاية يوليو، تعقبه إجازة صيفية لنحو شهرين، فيما كانت اللغة الإنجليزية لغة الدراسة والتخاطب، وكان الطاقم التدريسي والفني في بدايات المدرسة من الهند.
عام 1970م: الحكومة تتولى المسؤولية
مثّل الأول من أكتوبر 1970م نقطة تحول مهمة في تاريخ المدرسة؛ إذ بدأت الحكومة الإشراف الكامل على جوانبها الإدارية والفنية والمالية، انطلاقًا من الاهتمام بالتعليم الصناعي ودوره في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير الكفاءات العُمانية اللازمة لمشروعات التنمية الجديدة.
وتولت وزارة الاقتصاد في مرحلة من المراحل مسؤولية الإشراف عليها، قبل أن تنتقل المسؤولية إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
ومع انتقال المدرسة إلى الإشراف الحكومي بدأ العمل على تطوير مستوى التدريب وتوسيع مجالاته، وأضيف إليها تخصصان جديدان هما النجارة والخرسانة.
كما اتسعت دائرة القبول لتشمل الطلبة العُمانيين الحاصلين على الشهادة الابتدائية أو ما يعادلها، إلى جانب أبناء الدول العربية المقيمين في السلطنة.

مناهج بريطانية وشهادة “سيتي أند جيلز”
اعتمدت المدرسة في سنوات السبعينيات على مناهج معهد سيتي أند جيلز في لندن، وكان الطالب يدرس ثلاث سنوات ليحصل بعدها على شهادة المعهد، التي كان مستواها التعليمي آنذاك أعلى من الشهادة الإعدادية وأدنى من الثانوية.
وبعد انتقال المدرسة إلى الحكومة، اتسعت قائمة التخصصات المهنية لتشمل البرادة، والخراطة، والحدادة، واللحام، والسيارات، والكهرباء، والنجارة، والخرسانة.
ولم يكن البرنامج مقتصرًا على الورش؛ فقد درست إلى جانبها مواد اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم والتكنولوجيا والرسم الصناعي والهندسة، بما يكشف عن محاولة بناء الفني على أساس يجمع المعرفة النظرية بالمهارة التطبيقية.
وهذه السمة تحديدًا تجعل تجربة المدرسة ذات أهمية في تاريخ التعليم العُماني؛ فهي مثلت انتقالًا مبكرًا من مفهوم تعلم الحرفة بالممارسة وحدها إلى التعليم المهني المؤسسي القائم على المنهج والفصل والورشة والشهادة.

15 طالبًا في أول دفعة
بدأت ثمار التجربة تظهر سريعًا؛ ففي عام 1970م خرجت المدرسة أول دفعة لها، وبلغ عدد أفرادها 15 طالبًا، ثم تخرجت الدفعة الثانية في عام 1971م وضمت 20 طالبًا.
ومع اتساع الإقبال والحاجة إلى إتاحة التعليم الصناعي لأبناء المناطق البعيدة عن مسقط ومطرح، أنشأت المدرسة قسمًا داخليًا يتسع لـ36 طالبًا من المقيمين خارج منطقة العاصمة، كما كانت تسمى آنذاك.
وتحمل هذه الخطوة بعدًا يتجاوز توفير السكن؛ إذ تعكس محاولة مبكرة لجعل التعليم المهني متاحًا للشباب من مختلف مناطق السلطنة، بدل اقتصاره على أبناء المناطق القريبة من مقر المدرسة.
مديرون من مراحل مختلفة
تعاقب على إدارة المدرسة عدد من المديرين قبل النهضة الحديثة وبعدها، ومن بينهم المستر ك. فارنروث الذي كان يعمل في شركة شل قبل مجيئه إلى عُمان وتعيينه في عام 1967م مديرًا لمدرسة عُمان للمهن الصناعية.
ومن الأسماء العُمانية التي ارتبطت بإدارتها معالي عبدالحافظ بن سالم العجيلي، الحاصل على درجة الماجستير في الهندسة الميكانيكية من جامعة كييف، والذي عُيّن في 15 يونيو 1971م مديرًا للمدرسة ومديرًا للنقليات الحكومية، قبل تعيينه في الأول من أغسطس من العام نفسه وزيرًا للاقتصاد في الحكومة التي شكّلها السيد طارق بن تيمور.


معالي عبد الحافظ العجيلي أثناء افتتاح السلطان قابوس لأحد المشروعات التنموية
كما تولى الأستاذ حمد بن سليمان الوهيبي إدارة المدرسة خلال النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين.

الأستاذ حمد بن سليمان الوهيبي
مؤسسة لتخريج القادة الصناعيين
وبحلول عام 1973م، كانت النظرة إلى المدرسة قد تجاوزت حدود المؤسسة التدريبية الصغيرة، ويكشف تحقيق صحفي نشر في 26 مايو من ذلك العام عن الطموح الذي صاحب تطويرها، إذ وصفها بأنها “مؤسسة لتخريج القادة الصناعيين”.
وتحدث التحقيق عن توجهات لتوسيع دور المدرسة، ومن بينها الدراسة المسائية للأعمال الإدارية والتجارية، وتوفير الأقسام الداخلية للطلبة، والتوسع في إنشاء المدارس المهنية، بل وطرح فكرة تحويل المدرسة إلى كلية صناعية.
وتكتسب هذه التوجهات أهميتها من توقيتها؛ ففي غضون سنوات قليلة انتقلت الفكرة من مؤسسة أنشئت لمعالجة حاجة شركة نفطية إلى الفنيين العُمانيين، إلى مشروع حكومي يرتبط بسياسة التنمية وإعداد القوى العاملة الوطنية.

من مدرسة واحدة إلى منظومة للتدريب المهني
لم تتوقف مسيرة التعليم المهني عند تجربة مدرسة عُمان الصناعية؛ فقد شهدت السنوات التالية بناء إطار مؤسسي أوسع للتعليم والتدريب المهني، ففي عام 1975م صدر المرسوم السلطاني رقم 22/75 بشأن إنشاء مجلس للتدريب المهني بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ثم صدر المرسوم السلطاني رقم 43/77 بإنشاء مجلس للتربية والتعليم والتدريب المهني.

ومنذ عام 1979م بدأ إنشاء معاهد للتدريب المهني في مناطق مختلفة من السلطنة، بهدف توفير المهارات الأساسية التي يحتاج إليها سوق العمل.
وشهد عام 1984م تطورات أخرى، من بينها صدور القرار الوزاري رقم 2/84 بتغيير تسمية مراكز التدريب المهني إلى معاهد التدريب المهني، والقرار رقم 50/84 بشأن إدخال التعليم الثانوي الصناعي ضمن الخطة العامة للتعليم الثانوي، إلى جانب افتتاح كلية عُمان الفنية الصناعية بمسقط


وتواصلت عملية إعادة تنظيم التعليم التقني والمهني لاحقًا، فتحولت مسميات الكليات الفنية الصناعية إلى الكليات التقنية، وأصبحت الكلية الفنية الصناعية الكلية التقنية العليا.

جانب من حفل افتتاح الكلية الفنية الصناعية في عام 1984م
وفي عام 1993م تم تحويل معاهد التدريب المهني في كلٍ من صلالة، ونزوى، والمصنعة، وإبراء إلى كليات فنية صناعية، وتحويل معهد دار سيت إلى كلية خاصة، وفي عام 1997م ألغيت هيئة التدريب المهني، وآلت جميع اختصاصاتها وموجوداتها إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والتدريب المهني.
وفي عام 2017م صدر القرار الوزاري رقم 406/2017 الذي أعاد تسمية مراكز التدريب المهني ومعاهد تأهيل الصيادين؛ فأصبح مسمى مراكز التدريب المهني ومعهد تأهيل الصيادين بصلالة “الكليات المهنية”، وأصبح معهد تأهيل الصيادين بالخابورة “الكلية المهنية للعلوم البحرية”.
ثم جاءت محطة أخرى مع صدور المرسوم السلطاني رقم 76/2020 بإنشاء جامعة التقنية والعلوم التطبيقية، قبل أن يصدر المرسوم السلطاني رقم 61/2024 بشأن قطاع التدريب المهني، الذي أسند الاختصاصات المتعلقة بالتدريب المهني إلى وزارة العمل، بعد نقلها من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.

مدرسة صغيرة فتحت بابًا كبيرًا
بعد ما يقارب ستة عقود على افتتاحها، تبدو أهمية مدرسة عُمان للمهن الصناعية أكبر من حدود مبانيها وورشها في دارسيت، فقد جاءت في زمن كانت فيه فرص التعليم محدودة، وبدأت بتعاون بين الحكومة وشركة تنمية نفط عُمان لتلبية حاجة محددة إلى تأهيل الشباب العُماني، لكنها أسهمت في ترسيخ فكرة جديدة آنذاك: أن بناء الاقتصاد الحديث يحتاج إلى تعليم يربط المدرسة بالورشة، والمعرفة بالمهارة، والشهادة بسوق العمل.
ومن 15 طالبًا في أول دفعة عام 1970م، إلى انتشار معاهد التدريب المهني والكليات التقنية والمهنية، ثم إنشاء جامعة التقنية والعلوم التطبيقية وإعادة تنظيم قطاع التدريب المهني؛ تمتد رحلة طويلة من التحولات المؤسسية والتعليمية.
وهكذا يمكن قراءة تاريخ مدرسة عُمان للمهن الصناعية بوصفه فصلًا مبكرًا من تاريخ بناء الكادر الفني الوطني، وتجربة سبقت التوسع الكبير في مؤسسات التعليم التقني والمهني، وأسهمت في الانتقال من التدريب المرتبط بحاجة مؤسسة بعينها إلى منظومة وطنية للتعليم والتدريب المهني مرتبطة باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل في سلطنة عُمان.
المراجع
- الصقري، ناصر بن عبدالله. التعليم في مدينتي مسقط ومطرح بين عامي 1888- 1970، رسالة دكتوراه، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، 2017.
- الغساني، خالد بن سالم. عبد الحافظ العجيلي مسيرة رجل ومسيرة دولة، الدار المصرية اللبنانية، مصر، 2026.
- جريدة عمان. عدد 26 مايو 1973
- مجلة أخبار شركتنا، شركة تنمية نفط عمان، العدد 29، أكتوبر 1970.
- مجموعة مؤلفين. محطات مشرقة في مسيرة التعليم في سلطنة عمان، مجلس التعليم، سلطنة عمان، 2019.
- موقع قانون. https://qanoon.om/




