أثير- د. محمد بن حمد العريمي
لم تكن المخطوطات العُمانية مجرد أوعية لحفظ العلم، بل كانت أيضًا سجلًا حيًا لحركة المجتمع العلمي، تكشف هوامشها وقيود تملكها عن رحلة الكتاب بين العلماء، والطلاب، والورثة، والقراء، فكثيرًا ما نجد الكتاب الواحد ينتقل بين عدد من المُلّاك خلال عشرات السنين، تاركًا على صفحاته الأولى والأخيرة بصماتٍ توثّق أسماءهم، وتواريخ التملك، وطرق انتقاله بيعًا أو شراءً أو إرثًا أو هبة، بل وأحيانًا تعليقاتهم وملاحظاتهم العلمية.
وتُعد هذه القيود مصدرًا تاريخيًا مهمًا لا يقل قيمة عن متن الكتاب نفسه، إذ تتيح للباحث تتبع مسارات تداول المعرفة، ورسم شبكة العلاقات العلمية والاجتماعية بين العلماء وطلابهم. كما تكشف عن مدى عناية العُمانيين بالكتاب وحرصهم على اقتنائه والمحافظة عليه.
ومن النماذج اللافتة في هذا الجانب نسخة مخطوطة من الجزء الرابع من كتاب “المعارج” للإمام نور الدين السالمي، أحد أشهر المتون الفقهية الإباضية التي ظلت تُدرَّس في عُمان لعقود طويلة، وهو كتاب حظي بعناية كبيرة من العلماء والطلاب، وتعددت نسخه المخطوطة والمطبوعة.


رحلة كتاب عبر أجيال
تكشف قيود التملك المثبتة على النسخة المخطوطة عن رحلةٍ طويلة تنقّل فيها الكتاب بين عدد من المُلّاك، لتتحول صفحاته إلى سجلٍّ يوثق حركة الكتاب في المجتمع العُماني خلال النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري.
وتبدأ هذه الرحلة عندما دوّن سعود بن خلفان على إحدى الصفحات قوله: “أخذت هذا الكتاب بالشراء من عند الأخ عبدالله بن غابش عن 8 قروش، وكتبه الفقير سعود بن خلفان بيده، تاريخ 22 ربيع الثاني 1326هـ.”
ويكشف هذا القيد عن قيمة اقتصادية واضحة للكتاب، إذ يحدد ثمنه بثمانية قروش. كما يوثق إحدى عمليات بيع الكتب في تلك الفترة.
وبعد نحو عامين فقط، انتقلت النسخة إلى مالك جديد، حيث كُتب: “ثم صار هذا الكتاب للفقير لله تعالى سعيد بن ناصر بن سعيد الغيثي يوم 14 ذي الحجة 1328هـ.”
وبقيت النسخة في التداول حتى آلت إلى علي بن درويش بن سنان الجديدي، الذي أثبت تملكه لها بقوله: “صار هذا الكتاب للحقير لله علي بن درويش بن سنان الجديدي يوم 7 ذي الحجة 1361هـ.”
ولم يمضِ سوى أقل من عامين حتى انتقلت إلى مدينة صور، حيث سجل محمد بن عبدالله السالمي عملية شرائها بقوله: “اشتريت هذا الجزء من علي بن درويش بن سنان الجديدي من بندر صور بقرشين، وأنا محمد بن عبدالله (السالمي)، في 9 رمضان 1363هـ.”
ويلفت هذا القيد الانتباه إلى أن ثمن الكتاب أصبح قرشين فقط، مقارنةً بثمانية قروش عند أول عملية بيع معروفة، وهو ما يفتح بابًا للتأمل في تغير القيمة السوقية للكتب تبعًا لحالتها، أو الظروف الاقتصادية، أو طبيعة التعامل بين البائع والمشتري، دون الجزم بسبب هذا التفاوت.

ثم انتقلت النسخة داخل الأسرة نفسها، إذ جاء قيدٌ لاحق ينص على: “هذا الكتاب الآن في ملك العبد لله سعيد بن عبدالله السالمي بيده يوم 12 شعبان سنة 1370هـ.”
وأخيرًا، تكشف آخر قيود التملك عن انتقال الكتاب بطريق الهدية، لا البيع، إذ كتب عبدالله بن الإمام سالم بن راشد الخروصي: “انتقل هذا الكتاب ملكًا لي بالهدية من خالي سعيد بن عبدالله السالمي، وكتبه عبدالله بن الإمام بيده يوم 8 صفر الخير سنة 1371هـ.”

البيع والشراء في سجل المخطوط
لا تقتصر المعلومات على أسماء المُلّاك، بل توثق كذلك كيفية انتقال الملكية، فقد دوّن أحد المُلّاك عبارة تفيد أنه: “اشتريت هذا الكتاب...”مع ذكر اسم البائع وتاريخ الشراء في 9 رمضان 1363هـ، وهو ما يدل على أن تداول الكتب كان يتم من خلال سوق نشطة للشراء والبيع، وأن المخطوط كان يُنظر إليه بوصفه مالًا علميًا ذا قيمة يُتداول بين المهتمين بالعلم.
وفي موضع آخر نجد عبارة تؤكد انتقال الملكية بطريق آخر، جاء فيها: “صار هذا الكتاب...”، وهي من العبارات المألوفة في قيود التملك بالمخطوطات العربية، وتعبّر عن انتقال النسخة إلى صاحب جديد، سواء بالشراء أو الإرث أو الهبة.
هوامش تتجاوز التملك
لا تقف قيمة هذه القيود عند حدود إثبات الملكية، بل تضم ملاحظات أخرى كتبها أصحاب النسخة، من بينها تسجيل تواريخ، وأسماء أشخاص، وتنبيهات، بل وحتى تعليقات ذات طابع شخصي أو علمي، الأمر الذي يجعل المخطوط سجلًا متكاملًا لحياة الكتاب نفسها.
كما أن اختلاف ألوان الأحبار، وتعدد الخطوط، وتباين أساليب الكتابة يؤكد أن هذه القيود أضيفت في فترات زمنية متباعدة، وأن كل مالك ترك أثره قبل أن تنتقل النسخة إلى من بعده.
ثقافة اقتناء الكتاب
تعكس هذه النسخة جانبًا مهمًا من الثقافة العلمية في المجتمع العُماني، إذ كان اقتناء الكتب جزءًا من المكانة العلمية والاجتماعية، وكان الكتاب يُورَّث كما تُورَّث الممتلكات الأخرى، أو يُهدى، أو يُشترى، أو يُوقف على طلبة العلم.
ولعل اللافت أن أصحاب هذه النسخة لم يكتفوا بامتلاكها، بل حرصوا على توثيق ذلك كتابةً، إدراكًا منهم لأهمية حفظ تاريخ الكتاب وحقوق ملاكه، وهو ما أتاح للباحثين اليوم إعادة بناء رحلة هذه المخطوطة عبر أكثر من جيل.
وثيقة اجتماعية قبل أن تكون كتابًا
تكشف هذه النسخة المخطوطة من المعارج أن قيمة المخطوط لا تكمن في نصه العلمي فحسب، وإنما تمتد إلى هوامشه وقيوده التي تحفظ جانبًا من التاريخ الاجتماعي والثقافي لعُمان، فكل توقيع، وكل تاريخ، وكل عبارة تملك، تمثل حلقة في سلسلة انتقال المعرفة بين العلماء والطلاب، وتؤكد أن الكتاب في المجتمع العُماني كان رفيقًا دائمًا للعلم، ينتقل من يد إلى أخرى، بينما تبقى صفحاته شاهدة على رحلة امتدت لعقود، وربما لقرون.
ويُعدّ الجزء الرابع من موسوعة “معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال” للإمام العلامة نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، واحدًا من أهم الأجزاء الفقهية في هذه الموسوعة، إذ أفرده مؤلفه لاستكمال أحكام كتاب الصلاة وتفصيل مسائله، ويقع هذا الجزء – في الطبعات الصادرة عن مكتبة الإمام السالمي ووزارة التراث والثقافة – في نحو 576 صفحة، ويتناول بدقة أحكام هيئات الصلاة وصفاتها، وما يتعلق بفرائضها وسننها ومندوباتها ومكروهاتها، إلى جانب بيان أحكام الركوع والسجود والقراءة والتسليم وسائر الأفعال الظاهرة والباطنة المصاحبة للصلاة.


ويأتي هذا السفر ضمن موسوعة معارج الآمال التي وضعها الإمام السالمي شرحًا لمنظومته الفقهية “مدارج الكمال”، وهي المنظومة التي نظم فيها متن “مختصر الخصال” للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن قيس الحضرمي، وقد اكتسبت الموسوعة مكانة علمية رفيعة بوصفها من أمهات كتب الفقه الإباضي، إذ لم يقتصر مؤلفها على شرح ألفاظ المنظومة، بل ناقش المسائل الفقهية مناقشة مستفيضة، واستعرض أدلتها، وقارن بين آراء أئمة المذهب الإباضي وغيرهم من فقهاء المذاهب الإسلامية، في أسلوب علمي اتسم بالتحرير والدقة وسعة الاطلاع.







