ما الحوافز التي توجه الرؤساء الأمريكيين لاستخدام القوة العسكرية؟

تواصل الحوافز السياسية والهيكلية دفع الرؤساء الأمريكيين إلى حروب بعيدة، فيما يؤدي تراجع رقابة الكونغرس واستنزاف الذخائر إلى تقييد خيارات واشنطن المستقبلية.

ما الحوافز التي توجه الرؤساء الأمريكيين لاستخدام القوة العسكرية؟
حوافز توجه الرؤساء الأمريكيين لاستخدام القوة العسكرية
رصد- أثير
خاض دونالد ترامب حملته الانتخابية لفترة رئاسية أمريكية ثانية بناءً على وعد بإنهاء الحروب. ومثل خصمه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وعد ترامب الأمريكيين بتخليص البلاد من ”الحروب الأبدية“ التي لا طائل منها في الشرق الأوسط، ثم أثبت عجزه عن الوفاء بذلك. لكن غرق الولايات المتحدة مجدداً في صراع بالشرق الأوسط يعد أكثر إثارة للدهشة اليوم، لأن الرأي العام الأمريكي وكثيراً من القادة الأمريكيين خلصوا بحزم، على مدى العقدين الماضيين، إلى أن مثل هذه الحروب تعد أخطاءً فادحة.
ناقشت صحيفة فورين أفيرز الأمريكية في مقال لها ”رصدته أثير“ هذه الحوافز التي تدفع واشنطن نحو مستنقعات كان يمكن تجنبها. فمنذ عام 1991، اعتاد القادة الأمريكيون نشر القوة لتأمين حتى أكثر المصالح الأمريكية ضآلة. وكثيراً ما تبدو تكاليف استخدام القوة ضد دولة صغيرة أو جهة فاعلة من غير الدول، صغيرةً جداً، حيث يمكن لمعظم الأمريكيين ممارسة حياتهم اليومية دون حتى الإدراك بأن بلادهم في حالة حرب، كما أصبح الكونغرس مستعداً إلى حد كبير للتنازل عن رقابته الدستورية.

حوافز منحرفة

خرقت استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب لعام 2025 السوابق، حيث خلصت إلى أن ”الأيام التي كان يسيطر فيها الشرق الأوسط على السياسة الخارجية الأمريكية في التخطيط طويل الأجل والتنفيذ اليومي قد انتهت“.
وطوال السنة الأولى من ولايته الثانية، التزم ترامب بشكل عام بهذا النهج المعلن. صحيح أن البيت الأبيض استخدم القوة العسكرية في الخارج، وشَنَّ حملات لضرب المواقع النووية الإيرانية وقوارب في البحر الكاريبي يُزعم تورطها في تهريب المخدرات، إلا أن ترامب ضغط بقوة أيضاً على الحلفاء في أوروبا وآسيا للمشاركة في تحمل عبء الدفاع عن مناطقهم، وتحرك لتسهيل محادثات السلام في كل من غزة وأوكرانيا. وكان الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران في يونيو 2025، والمعروف بحرب الـ12يوماً، قصيراً على الأقل وهدفه محدداً. وبالمثل، لم تحاول عملية إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير على يد القوات الخاصة الأمريكية تغيير النظام بالكامل، بل عقد البيت الأبيض صفقة مع نائبة مادورو، ديلسي رودريغيز، لتولي السلطة.
لكن النجاحات في فنزويلا وخلال حرب الـ12 يوماً عززت موقع جناح المحافظين الجدد في الحزب الجمهوري، وجعلت الحجج الداعية للتدخلات اللاحقة أكثر سهولة. فبعد شهر واحد فقط من عملية فنزويلا، أطلقت القوات الأمريكية ”عملية الغضب الملحمي“، مستهدفةً البنية التحتية العسكرية الإيرانية وقتلت قادة بارزين في النظام، حيث وعد الخطاب المبكر للإدارة علناً بتغيير النظام في طهران. وبعد مرور ستة أشهر، تضررت القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير، لكن الولايات المتحدة استنزفت جزءاً كبيراً من مخزونها من الذخائر الدقيقة وتكبدت أضراراً جسيمة في قواعدها الإقليمية.

لماذا تستمر الظروف الهيكلية في سحب الولايات المتحدة مجدداً نحو الصراعات الهامشية؟

يعكس تخلي إدارة ترامب جزئياً عن المبادئ الواردة في استراتيجية الأمن القومي الخاصة بها انقساماً داخل أوساط السياسة الجمهورية، فالجيل الأجدد من محافظي ”أمريكا أولاً“ يشككون في حروب تغيير النظام وفي واجب واشنطن تقديم المساعدة لإسرائيل على حساب حلفاء آخرين. لكن التقليديين الذين ما زالوا يؤمنون برؤية عهد جورج بوش الابن للولايات المتحدة كمروج للديمقراطية في جميع أنحاء العالم يواصلون ممارسة نفوذهم. وقد وُصفت الحرب على إيران على نطاق واسع بأنها دليل على أن الصقور (مثل وزير الخارجية ماركو روبيو والسناتور الراحل ليندسي غراهام) كسبوا معركة داخلية داخل الإدارة ضد دعاة الضبط والضبط الذاتي مثل نائب الرئيس جيه دي فانس.
بيد أنه لا يمكن إلقاء اللوم في حرب إيران بالكامل على نفوذ الشخصيات الفردية، إذ تستمر ظروف هيكلية أوسع في سحب الولايات المتحدة مجدداً نحو الصراعات الهامشية. أول هذه الظروف هو السهولة المطلقة التي يستطيع بها الرؤساء الأمريكيون اللجوء إلى القوة. يمنح الدستور الأمريكي سلطة إعلان الحرب للكونغرس حصراً، لكن المشرعين لم يمارسوا هذه السلطة منذ الحرب العالمية الثانية، وبصفته القائد الأعلى للقوات العسكرية، يقرر الرئيس متى وكيف ينشر هذه القوات.
وما يزيد الأمر سهولة هو وسائل الإعلام الأمريكية وشبكات الحلفاء الواسعة للولايات المتحدة. إذ يميل معلقو القنوات التلفزيونية الإخبارية إلى التشدد، وكذلك الحال بالنسبة لعديد الصحف الأمريكية الكبرى، فمنصات مثل ”فوكس نيوز“ و”سي إن إن“ و”وول ستريت جورنال“ غالباً ما تكون حماسية عند اندلاع صراع جديد وما يرافقه من مشاهد درامية، لكنها تنتقد أي انسحاب أمريكي. وفي الوقت نفسه، غالباً ما يملك الحلفاء الإقليميون حافزاً لتشجيع المشاركة الأمريكية في صراعاتهم، والصلات السياسية لسحب واشنطن إليها. ويعزز وجود القواعد الأمريكية في هذه الدول أو بالقرب منها هذه الديناميكية. ففي مارس على سبيل المثال، احتج روبيو بأن هجوماً إسرائيلياً وشيكاً سيعرض العسكريين الأمريكيين المتمركزين بالشرق الأوسط للانتقام، مما يحتم على واشنطن الانضمام لإسرائيل في ضرباتها.

عندما تكون الحرب مجرد لعبة

تزيد الخرافات المستمرة حول الصراعات السابقة من تفاقم المشكلة، وخاصة الفكرة القائلة بأن الجيش الأمريكي لم يفشل، لأنه كان ينبغي ألا يبدأ الحرب أو لأن أهدافه كانت غير قابلة للتحقيق، بل لأنه لم يتبع التكتيكات الصحيحة أو لم يكرس الموارد الكافية. ففي منتصف العقد الماضي، على سبيل المثال، ألقى الجمهوريون باللوم على سحب الرئيس باراك أوباما للقوات من العراق في الصعود اللاحق لتنظيم داعش، وليس على غزو العراق عام 2003 نفسه.
إن نفس القواعد المتقدمة والتحالفات التي تحفز الرؤساء الأمريكيين على بدء الحروب تجعل الخروج منها أكثر صعوبة. كما ساهم انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة في صياغة ثقافة استراتيجية في واشنطن تفترض أن وضع أهداف توسعية مثل ”بناء الأمم“ وتغيير الأنظمة أمر ممكن ومستحب في آن واحد. ومع ذلك، فحتى الانتصارات العسكرية الكاسحة ليس من السهل تحويلها إلى تحولات اجتماعية وسياسية دائمة. وغالباً ما يرفض القادة الأمريكيون قبول النجاح الجزئي، متخذين من البحث عن الكمال عدواً لـ للجيد.
فقد عانت الفترة التي سبقت ”عملية الغضب الملحمي“ من تفكير أبيض وأسود، فقد تمكنت الإدارة الأمريكية في الواقع من استغلال الضغط الاقتصادي والتهديد بالقوة العسكرية للدخول في مفاوضات جادة مع إيران لاحتواء طموحاتها النووية. وقبل وقت قصير من بدء الحرب، عرضت إيران إيقاف التخصيب المحلي، وإزالة اليورانيوم المخصب الحالي، والسماح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن الإدارة الأمريكية لم تكتفِ بمثل هذا الحل الوسط، واختارت المراهنة على النصر المطلق.

تجرّع الدواء المر

إن النزعة العسكرية الأمريكية تقيد الآن خياراتها المستقبلية، فليس هناك إجماع في واشنطن حول ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة الدفاع عن تايوان في حالة وقوع هجوم صيني، إلا أن استنزاف الذخائر في الشرق الأوسط يجعل هذا السؤال بلا جدوى بشكل متزايد، فإذا لم تكن الولايات المتحدة قادرة على تقديم المساعدة لتايوان، فلن يعود الأمر خياراً مطروحاً من الأساس. ومع مرور الوقت، فإن القيود الناجمة عن المغامرات العسكرية المفرطة ستشكل الخيارات السياسية في أماكن أخرى أيضاً.
إن كسر هيكل الحوافز الذي يقود الولايات المتحدة بسهولة شديدة إلى الصراعات العسكرية البعيدة سيتطلب تغييراً جذرياً، وليس مجرد انتخاب قادة يعدون أثناء حملاتهم الانتخابية بإنهاء الحروب الأبدية. كما ينبغي للكونغرس إعادة فرض سلطته على الحروب الأمريكية، أولاً عبر ممارسة المزيد من النفوذ على الإنفاق العسكري، كما يمكن للكونغرس رفض إضافة تمويل طارئ لهذه الحرب أو للصراعات المستقبلية.
قد يسعى صانعوا السياسات المستقبلية إلى كسر العلاقة المريحة والوثيقة بين البنتاغون ومقاولي الدفاع الأمريكيين. فنظام المشتريات الدفاعية متضخم ويفتقر إلى المساءلة، ومع ذلك، فإن قيام صناعة الدفاع بصرف مليارات الدولارات للضغط على الكونغرس والتأثير على النقاشات السياسية يسهم في تغذية النزعة العسكرية الطائشة للولايات المتحدة.
لقد انقلب الرأي العام الأمريكي منذ فترة طويلة ضد المغامرات العسكرية وحروب تغيير النظام، خاصة في الشرق الأوسط. ومع ذلك، وبعد مرور 20 عاماً كاملة على انتخاب أوباما بناءً على وعد بالتحرر من إرث بوش، يواصل صانعو السياسات الانجرار إلى المنطقة بفعل هيكل حوافز يجعل استخدام القوة خياراً جذاباً، ومهما بدت هذه الحروب الأبدية غير ضارة بالنسبة للأمريكي العادي، فإنها تستهلك الموارد العسكرية للبلاد وتؤدي بالتالي إلى تآكل قوة واشنطن. وفي النهاية، ستجد الولايات المتحدة نفسها مقيدة، وغير قادرة على القتال في كل مكان، وفي وقت واحد. والسؤال هو ما إذا كانت تريد أن تقرر بشكل استباقي أين تستخدم مواردها، أم أنها تريد أن تظل أيديها مكبلة بسلسلة من الصراعات الأبدية.

شارك هذا الخبر