د. راشد بن حمود بن أحمد النظيري، كلية الحقوق، جامعة السلطان قابوس
أذن الشارع في عقد البيع، وجعل مناطه الرضا، يقول عليه الصلاة والسلام: «إنما البيع عن تراض»، وفي التنزيل الحكيم: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾، ومن تمام الرضا أن يكون الثمن والمثمن معلومين غير مجهولين لدى المتبايعين، فلا يصح بيع الغرر، وما اكتنفته الجهالة، يقول الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي: “لا يجوز البيع إلا بثمن معلوم ومثمن معلوم، واختلفوا بعد ذلك في صفة المعلوم، ما هي؟ على أقوال كثيرة، بعد اتفاقهم أنه لا يجوز إلا بمعلوم من الثمن والمثمن”، ويقول الشيخ الشماخي: “والمعقود عليه يشترط في سلامته من الغرر والربا والشروط المفسدة له على ما تقدم، والغرر ينفى عنه بأن يكون معلوم الوجود، معلوم الصفة، معلوم القدر، ومقدورًا على تسليمه، معلوم الأجل إن كان مؤجلا، وذلك في الثمن والمثمن جميعًا”.
وقد اختلف العلماء في حكم بيع السلعة بسعر البلد أو بثمن المثل، أو بما باع به فلان أو اشترى به فلان، أو بسعر ما تبيع، ومعنى ذلك أن الثمن غير معلوم للعاقدين معًا أو لأحدهما وقت العقد، ويُتبيَّن لاحقا بناء على الوقوف على سعر السلعة في البلد أو السوق أو بمعرفة ثمن المثل أو سؤال البائع المعين أو المشتري المحدد، وعلى ذلك، إن كان سعر السوق أو ثمن المثل أو ما باع به فلان معلومًا للمتعاقدين حال العقد، وكان العقد عليه، لم يكن هناك خلاف في جواز العقد؛ لحصول العلم بالثمن إذا ما تمَّت بقية أركان العقد وشروطه، ويبقى الخلاف إن لم يكن معلومًا في الصور السابقة.
وسبب الخلاف، هو: هل يُعتد بجهالة الثمن في هذه الصور، فيكون العقد باطلا؛ لحصول الجهالة في ركن من أركان العقد، وهو الثمن، أو أنها جهالة لا يُعتد بها؛ لأن الثمن يمكن العلم به، ولا يُوقع خلافًا أو شقاقًا بين المتعاقدين، والرضا حاصل صحيح بينهما، كما أن في ذلك مصلحة للعاقدين أو لأحدهما إذا خاف الغَبن، أو كان لا يجيد المماكسة، ويؤيد ذلك القياس على عقد النكاح بمهر المثل، كما سوف يأتي.
جاء في مدونة أبي غانم: “سألت أبا المؤرج عن رجل قال لعامل: أشتري منك كذا وكذا، ولم يقطع العامل سعره، وقال: أخذته بما سعرت إذا قطعت سعره؟ قال: لا خير في هذا”.
وفي منهج الطالبين: “وقيل: لا بأس أن يقول الرجل للرجل: ابعث لي من طعامك بسعر ما تبيع، فيرسل إليه بالطعام، ولم يشعره- ولعل الصحيح ولم يسعره كما وردت في كتاب الجامع لابن جعفر-، فكره من كره ذلك حتى يبعث إليه بالطعام، ويقول: هذا كذا وكذا بكذا وكذا، ثم يقبض الثمن، وليس أرى في القول الأول بأسًا، إذا لقيه من بعد، واتفاقا على الثمن، وإن لم يتراضيا على شيء، وحسب البائع الثمن كما باع، فكره المشتري فهو عندي ضعيف، ولصاحب البضاعة بضاعته أو مثلها إن كانت تلفت، وأما إذا أعلم البائع المشتري بالسعر، ورضي بذلك بعد القبض، فليس لأحدهما رجعة.
وقول: إنه إذا لم تكن واجبة البيع مع القبض للسلعة، وإنما كان على أنه على سعر ما يبيع، أو على سعر البلد، فهذا بيع لا يثبت وهو منتقض، فإن تتامما على ذلك، تمَّ على سعر البلد، أو على غير ذلك من القيمة، إلا أن له سلعته أو قيمتها أو مثلها إن كانت قد تلفت، وليست من الأمثال التي تكال أو توزن“، وفي شرح النيل لقطب الأئمة: “وقيل: يجوز أن يقول: ابعث إلي بسعر ما تبيع أو البلد، واختير أنه ضعيف إن لم يتفقا على الثمن، وإن أعلمه بالسعر ورضي بعد القبض فلا رجوع، وقيل: لهما الرجوع ما لم يقطعا البيع”.
وفي منهاج الطالبين لصالح السليفي: قال السائل: “إذا كنت وكيلا لمسجد أو غيره، وأحتاج إلى شراء بذر ذرة أو بر، أيجوز لي أن أبايعه بمثل ما أبيع على الناس، أو كما يبيع الناس أو أقل قليلا، وجدت عند غيري أو لم أجد، كيف أصنع؟
الجواب: إن كان مما يكال أو يوزن ففي ذلك اختلاف، إذا كان على ما يباع، ولا يضيق عليك إن فعلت - إن شاء الله“.
وأجاز الإمام السالمي – رحمه الله – في أجوبته بيع الاستجرار، ونص السؤال مع جوابه:
السؤال: التاجر يرسل الناس إليه أن يرسل إلينا من البضاعة كذا وكذا ثم يعرفونه أنك عرفنا بالذي علينا لك من قبل تلك البضاعة، فيعرفهم أن عليكم كذا وكذا على حسب ما يبيع تلك البضاعة في البلد، ولم يجر بينهم كلام في القيمة، فيرسلون إليه الثمن، هل يحل له ذلك أم لا؟
الجواب: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، فالتراضي في هذه الآية مشروط لحل المعاملة، فإذا حصل التراضي حصل الحل إذا كان المتعاملان ممن يجوز تراضيهما، ولم يكن المتعامل فيه مما حرم الشرع كالربا“.
وانتصر الإمام ابن القيم الجوزية إلى القول بالجواز، وقطع به، فقال في إعلام الموقعين: “اختلفت الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السعر من غير تقدير الثمن وقت العقد، وصورتها: البيع ممن يعامله من خباز أو لحام أو سمان أو غيرهم، يأخذ منه كل يوم شيئًا معلومًا ثم يحاسبه عند رأس الشهر أو السنة على الجميع، ويعطيه ثمنه؛ فمنعه الأكثرون، وجعلوا القبض به غير ناقل للملك، وهو قبض فاسد يجري مجرى المقبوض بالغصب؛ لأنه مقبوض بعقد فاسد... والقول الثاني: وهو الصواب المقطوع به، وهو عمل الناس في كل عصر ومصر، جواز البيع بما ينقطع به السعر، وهو منصوص الإمام أحمد، واختاره شيخنا، وسمعته يقول: هو أطيب لقلب المشتري من المساومة، يقول: لي أسوة بالناس، آخذ بما يأخذ به غيري، قال: والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه، بل هم واقعون فيه، وليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا إجماع الأمة، ولا قول صاحب، ولا قياس صحيح ما يحرمه، وقد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل، وأكثرهم يجوزون عقد الإجارة بأجرة المثل كالنكاح والغسال، والخباز والملاح، وقيم الحمام والمكاري، والبيع بثمن المثل كبيع ماء الحمام؛ فغاية البيع بالسعر أن يكون بيعه بثمن المثل؛ فيجوز، كما تجوز المعاوضة بثمن المثل في هذه الصورة وغيرها؛ فهذا هو القياس الصحيح، ولا تقوم مصالح الناس إلا به”.
وقال في بدائع الفوائد: “فالمعاوضة بثمن المثل ثابتة بالنص والإجماع في النكاح، وبالنص في إجارة المرضع في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وعمل الناس قديمًا وحديثًا عليه في كثير من عقود الإجارة وكذلك البيع بما ينقطع به السعر وهو بيع بثمن المثل، وقد نص أحمد على جوازه وعمل الأمة عليه.
قلت: والمحرمون له لا يكادون يخلصون منه، فإن الرجل يعامل اللحام والخباز والبقال، ويأخذ كل يوم ما يحتاج إليه من أحدهم من غير تقدير ثمن الذي ينقطع به، وكذلك جرايات الفقهاء وغيرها، فحاجة الناس إلى هذه المسألة تجرى مجرى الضرورة، وما كان هكذا لا يجيء الشرع بالمنع منه البتة، كيف وقد جاء بجوازهن في العقد الذي الوفاء بموجبه أكثر تأكيدًا من غيره من العقود وهو النكاح، وتفريقهم بينه وبين البيع بأن الصداق داخل فيه لا يصح، بل هو ركن فيه، يبطل العقد بنفيه، كما نص عليه صاحب الشرع في الشغار، وجاء بجوازه أيضا في عقد الإجارة، الذي تقديره العوض فيها أكثر تأكيدًا من تقديره في البيع؟ لأن قيمة العين في البيع أقل اختلافًا في المنفعة؛ لأنها تتجدد بتجدد الأوقات، فتختلف باختلافها غالبًا، فإذا جازت الإجارة بعوض المثل فالبيع بثمن المثل وما ينقطع به السعر أولى“.
والقول بجواز البيع بسعر السوق هو الذي اعتمده قانون المعاملات المدنية العُماني، نصَّت على ذلك المادة (٣٦٨): “إذا اتفق المتبايعان على تحديد الثمن بسعر السوق فيعتبر سعر السوق في زمان ومكان البيع، وإن لم يكن في هذا المكان سوق اعتبر المكان الذي يقضي العرف بأن تكون أسعاره سارية”.
يتضح مما سبق أن القول بالإباحة معلق على تحقق الشروط الآتية:
أولا: أن يكون المبيع من المثليات دون القيميات؛ إذ القيميات تختلف أسعارها، ولا تكاد تتفق.
ثانيًا: أن يكون هناك سعر واحد للسلعة المبيعة في السوق، إما بالتسعير أو بتوافق التجار أو نحو ذلك.
ثالثًا: ألا يكون العقد عقد صرف؛ لاشتراط التقابض إلا إذا عُلم السعر، وتمَّ التقابض وقت العقد، فلو ابتاع ذهبًا أو فضة بنقود حسب سعر السوق، وتمَّ التعاقد دون تقابض أو قبض للثمن كان العقد ربا نسيئة، وفي عقد السلم (السلف) لا بد من تسليم الثمن في مجلس العقد؛ لكي يكون عقد السلم صحيحًا مرتبًا آثاره، وإلا كان من بيع الكالئ بالكالئ المنهي عنه.
رابعًا: أن يكون السعر هو سعر المكان والزمان الذي تمَّ فيه التعاقد، فلا يصح أن يكون السعر هو سعر السلعة لاحقًا في وقت السداد والمحاسبة؛ لفحش الجهالة والغرر، المفضي إلى الخلاف والنزاع، يقول الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير: “إن هذا لا تجيزه قواعد الفقه الإسلامي، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء أجازه”.
خامسًا: أن يكون السعر المتفق عليه هو سعر البلد أو السوق أو ما يسمى بثمن المثل، أما البيع بما يبيع به فلان أو بما اشترى به فلان فإنه لا يصح على الصحيح؛ للمخاطرة والجهالة الفاحشة، فقد يكون البيع أو الشراء بغلاء فاحش أو برخص واضح، فيؤول إلى خلاف ونزاع بين المتعاقدين، كل يرغب في جلب المصلحة له، ودفع المفسدة عنه.
سادسًا: أن يكون السعر حاصلا وقت العقد، وعليه فإنه لا يجوز البيع بما ينقطع به (يقف عليه) السعر في المستقبل كما في بيع المزايدات، للجهالة الفاحشة وحصول الغرر غير المغتفر، وإن أجازه بعض الحنابلة، يقول ابن عثيمين في شرحه على زاد المستقنع: " قوله: «أو بما ينقطع به السعر»، قال: أبيعك إياه بما يقف عليه في المساومة فإنه لا يصح؛ لأننا لا ندري هل يقف على ثمن كثير أو على ثمن قليل، وربما يأتي شخص يناجش فيرتفع الثمن، وربما يكون الحضور قليلين فينقص الثمن؛ ولهذا لا يصح أن يبيعه بما ينقطع به السعر.
وقيل: إنه يصح، وأن بيعه بما ينقطع به السعر أشد طمأنينة من بيعه بالمساومة؛ لأن الإنسان يطمئن فيقول: ما دام الناس وقفوا على هذا السعر، فذلك يدل على أن القيمة مطابقة، ولكن في النفس من هذا شيء.
والأقرب: أنه لا يصح بما ينقطع به السعر؛ وذلك لأن ما ينقطع به السعر مجهول، فلو حصل مناجشة زاد، ولو قل الحاضرون نقص، فالجهالة إذًا موجودة، ولهذا ينبغي ألا يباع بما ينقطع به السعر“.
المراجع:
- أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي، كتاب أبي المسألة، تحقيق فهد بن علي بن هاشل السعدي، ذاكرة عمان، الطبعة الأولى، 1437هـ/ 2016م.
- أبو غانم الخراساني، مدونة أبي غانم الخراساني، تحقيق وترتيب يحيى بن عبد الله النبهاني، إبراهيم بن محمد العساكر، مكتبة الجيل الواعد، الطبعة الأولى، 1427هـ/2006م.
- خميس بن سعيد الشقصي، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، سلطنة عُمان، مسقط، مكتبة مسقط، الطبعة الأولى، 1427هـ/2006م.
- صالح بن علي بن صالح المنذري السليفي، منهاج الطالبين (تحفة المتعلم وبشارة المتكلم)، ضبط نصه سلطان بن مبارك بن حمد الشيباني، مكتبة مسقط، مسقط، الطبعة الأولى، 1432هـ/2011م.
- الصديق محمد الأمين الضرير، الغرر وأثره في العقود في الفقه الإسلامي- دراسة مقارنة، الدار السودانية للكتب، الخرطوم، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثانية، 1410هـ، 1990م.
- عامر بن علي الشماخي، الإيضاح، الطبعة الرابعة، 1420هـ/1999م.
- عبد الله بن حميد السالمي، جوابات الإمام السالمي، الطبعة الثانية، 1419هـ/1999م.
- فراس أحمد الصالح، البيع بسعر السوق في الفقه الإسلامي - دراسة تأصيلية مقارنة، مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، المجلد ٣٧، العدد 2، 1441 ه/ 2020م، جامعة قطر.
- محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، بيروت، دار الجيل.
- محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.
- محمد بن صالح العثيمين، الشرح الممتع على زاد المستقنع، دار الأمة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1433هـ/2013م.
- محمد بن يوسف اطفيش، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، الطبعة الثالثة، مكتبة الإرشاد، جدة، المملكة العربيّة السعودية، 1405هـ/1985م.





