رصد- أثير
فاز دونالد ترامب بالرئاسة الأمريكية كمرشح من خارج المؤسسة السياسية وبشكل غير متوقع على الإطلاق في عام 2016، وحقق عودة مذهلة للفوز بها مجدداً في عام 2024. حتى خصومه وصفوه على مضض بأنه سياسي يملك غريزة لاستغلال المظالم، لكنهم يتساءلون الآن عما إذا كان قد فقد لمسته السحرية. فترامب بات محاصراً في مستنقع حرب غير شعبية، ومهووساً بالمعالم التذكارية في واشنطن، ويبحث عن متحدث جديد باسمه بعد استقالة السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض. ولو كان هذا الرجل البالغ من العمر 80 عاماً يحاول عمداً تخريب حزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، فليس من الواضح ما الذي كان سيفعله بشكل مختلف.
ناقشت صحيفة الغارديان في مقال لها “رصدته أثير” ما وصفته انهيار مشروع ترامب وتجاهله التام لقواعد إدارة الحكم.
ماذا حصل لوعود ترامب الانتخابية؟
بنى ترامب حملته الانتخابية على وعود بخفض الأسعار وإبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن الصراعات الخارجية والحروب الأبدية. إلا أن العكس هو ما حدث. ويقول الناخبون إنهم يعانون من أزمة في تكلفة المعيشة تفاقمت بسبب التعريفات الجمركية الشاملة التي فرضها ترامب. فقد أصبح شراء الأغذية لتناولها في المنزل أكثر غلاءً بنسبة 33% في المدن الأمريكية منذ بداية عام 2019، وفقاً للأرقام الحكومية.
كما وصلت أسعار البنزين إلى مستوى قياسي جديد في هذا الوقت من العام، ويرجع ذلك جزئياً إلى الحرب الأمريكية في إيران التي تتواصل دون أفق للحل. وفي حين يدعي ترامب أنه دمر القدرات العسكرية الإيرانية، تبين هذا الأسبوع أنه اضطر للاختباء في شاحنة لتقديم الطعام والانتقال سراً إلى طائرة أخرى بعد قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا بسبب مخطط اغتيال إيراني محتمل.
وقد تورطت الإدارة في استنزاف يومي مرهق للموارد، يكلف دافع الضرائب الأمريكي حالياً ما يُقدر بمليار دولار يومياً. ويجادل المنتقدون بأن الإدارة عززت من عزيمة إيران وزودتها بنفوذ عالمي، وتحديداً على مضيق هرمز. ويرون في ذلك خيانة للموقف المناهض للتدخل الذي أشعل صعود ترامب إلى السلطة وجذب جيلاً من الناخبين المحبطين.
ما هي ردة فعل الجمهور على مغامرات ترامب؟
قال كورت بارديلا، المعلق السياسي والمساعد السابق في الكونغرس: “ما نشهده الآن هو الانهيار التام لكل ما ادعى دونالد ترامب وحركة (MAGA) “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” الجمهوريون أنهم يمثلونه. لقد كانوا ضد الصراعات اللانهائية في الشرق الأوسط، وبدأوا صراعاً في الشرق الأوسط دون استراتيجية خروج. وكان من المفترض ألا يتم إنفاق المزيد من الدولارات الأمريكية في الخارج، بينما نحن ننفق مليار دولار يومياً على هذه الحرب التي لا نهاية لها”.
ومع ذلك، يبدو أن الرئيس لديه اهتمامات أخرى أكثر جمالية. فمنذ عودته إلى السلطة العام الماضي، استثمر المطور العقاري، الكثير من الوقت والجهد في مشاريع بناء في جميع أنحاء واشنطن، بما في ذلك قاعة احتفالات ومهبط للمروحيات في البيت الأبيض، وقوس نصر، وإعادة تجديد مشؤومة لحوض الانعكاس لنصب لينكولن التذكاري.
وأضاف بارديلا: “بينما يواصل هذه المغامرة الفاشلة في الشرق الأوسط التي أدت إلى ارتفاع تكلفة المعيشة، ويستمر في صب الموارد لوضع اسمه على الأشياء التافهة وبناء قاعات الاحتفالات والنصب التذكارية لنفسه، يتساءل الشعب الأمريكي في ذهول: ما هذا الهراء؟ هذا هو رد الفعل الواقعي الوحيد الذي يمكن أن يصدر عنك عندما تنظر بموضوعية إلى الظروف”.
٧٠٪ من اهتمام ترامب ينصب على مشاريع تمجيد الذات
وفقاً لكتاب “تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطورية لدونالد ترامب” (Regime Change: Inside the Imperial Presidency of Donald Trump)، للصحفيين في صحيفة نيويورك تايمز ماغي هابرمان وجوناثان سوان، فقد شوهد الرئيس وهو يحمل أنبوباً من الصمغ القوي محاولاً تثبيت ديكورات ذهبية على الموقد الرخامي في المكتب البيضاوي.
وتقدر هابرمان أن ترامب يخصص الآن 70% من مساحته العقلية لمشاريع التجديد و“النصب التذكارية لتمجيد الذات“. وقالت لبرنامج “Behind the Curtain” على شبكة أكسيوس إنها وسوان زارا ترامب في المكتب البيضاوي في مارس. وأوضحت: “قد تعتقد أنه في اليوم السابع عشر من الحرب سيكون لديه خرائط للشرق الأوسط أو خرائط لانتشار القوات، لكنه يلتقط صور لأشجار القيقب، ويقول: “أنا أختار أشجار القيقب للبيت الأبيض. أنا جيد في اختيار الأشجار”.
إن انشغال الرئيس بما إذا كانت أعمدة قاعة احتفالاته تذكرنا أكثر بأثينا أم بروما، والجهود الأخرى لتخليد إرثه بالرخام، لا تشكل مفاجأة كبيرة لتارا سيتماير، مديرة الاتصالات السابقة للجمهوريين في الكابيتول حيث صرحت: “لقد كان دونالد ترامب مهووساً بذاته ونرجسياً طوال حياته. حتى في القطاع الخاص، وضع اسمه على المباني والعديد من العلامات التجارية الفاشلة من شرائح لحم ترامب إلى خطوط ترامب الجوية، وجامعة ترامب، ومياه ترامب، ونبيذ ترامب. لماذا يستغرب أي شخص من أنه سينقل هذا النوع نفسه من النرجسية إلى دوره في ولايته الثانية كرئيس عندما ينفق أموال الآخرين للقيام بذلك؟”.
شبح الهزيمة يخيم على الانتخابات النصفية
يُقال إن الجمهوريين يشعرون بالذعر من أن يتسبب ترامب في خسارتهم مجلس النواب ووضع مجلس الشيوخ في خطر أيضاً. إذ أظهر استطلاع وطني أجرته جامعة كوينيبياك صدر أواخر الشهر الماضي انخفاض نسبة الموافقة على أدائه الوظيفي إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق بنسبة 32%، مع نسبة رفض بلغت 58%.
وقد واجه رؤساء سابقون مثل جورج دبليو بوش في عام 2006 وباراك أوباما في عام 2010 انتخابات تجديد نصفي صعبة، لكنهم عملوا مع أحزابهم في محاولة للحد من الخسائر على الأقل. وقال ريك ويلسون، الشريك المؤسس لـ “مشروع لينكون”، وهي مجموعة مناهضة لترامب: “في كلتا الحالتين لم تكن جهودهم ناجحة، لكن من الكابوس تخيل ما كان سيحدث لو كان باراك أوباما يقول: سأقوم ببناء ملعب كرة سلة في البيت الأبيض، أو لو قال جورج بوش: سأبني ملعب جولف.
كيف يريد ترامب أن ينظر الناس إليه؟
بالنسبة لرئيس تعتمد صورته الذاتية بالكامل على الفوز، فإن إدراك أنه يواجه هزيمة انتخابية في الداخل وإهانة في الخارج قد يكون سبباً لأزمة وجودية. ولاحظ تشارلي سايكس، الكاتب والمذيع المحافظ، أنه بالرغم من أنّ معرفة ترامب بالتاريخ ضعيفة للغاية، إلا أنه بدأ يستحوذ عليه هاجس أشباح الرئاسات التي دمرتها الأخطاء الخارجية.
وقال: “من المثير للاهتمام جداً أنه في كتاب ماغي هابرمان يقارن نفسه بنابليون والإسكندر الأكبر وقيصر، لكن أعمق مخاوفه الآن هي أن ينتهي به الأمر مثل هربرت هوفر أو جيمي كارتر”.
ومع ذلك، فإن سحابة ترامب لها جانب مشرق بالذهب. فقد حقق ما يقدر بنحو 2.2 مليار دولار خلال العام الأول من ولايته الثانية بفضل حيازاته من العملات المشفرة، والمصالح الأجنبية، وأعمال شركة تروث سوشال (Truth Social).
فهو لم يخفض تكلفة المعيشة، ولم يجعل أمريكا تحظى باحترام أكبر، ولم ينتصر في الحرب، لكنه نجح في جعل نفسه مليارديراً مرات عديدة من خلال إساءة استخدام منصبه“.




