أثير – جميلة العبرية
حين يلتقط المصور وأي منا صورة لمبنى تاريخي أو معلم ثقافي، تدخل تلك الصورة في الجانب التوثيقي، فتلك اللحظة الزمنية قد تتحول مستقبلاً إلى مرجع يوثق هوية المكان وتطوره، ولهذا أصبح التوثيق الصوري للمباني أحد الأدوات الأساسية التي تعتمد عليها المؤسسات المعنية بحفظ التراث حول العالم، إذ تسهم الصورة في أرشفة التفاصيل المعمارية، ورصد التغيرات التي تطرأ على المباني، ودعم أعمال الترميم والدراسات الهندسية، إلى جانب الحفاظ على الذاكرة البصرية للمدن.
استعرضت ورشة عمل تخصصية بعنوان “المعمار والعروض” كيف يمكن للصورة أن تجمع بين التوثيق والجمال، وأن تنقل روح المكان بقدر ما تنقل تفاصيله، حيث ركزت الورشة على إبراز جماليات العمارة، وكيفية توظيف الضوء والزوايا والعدسات لنقل العلاقة بين المبنى والعروض الفنية التي يحتضنها، مقدمةً دليلاً عمليًا للمصورين حول أسس التصوير المعماري الاحترافي.
عمارة تحكي تاريخها
عرّف المصور خالد بن سعود البوسعيدي، مصور دار الأوبرا السلطانية مسقط، ضمن فعالية “يوم في المدينة” التي نظمها مركز التجربة والمبيعات بمدينة السلطان هيثم، بدار الأوبرا السلطانية مسقط، موضحًا أنها تضم صرحين رئيسيين؛ الأول هو دار الأوبرا السلطانية التي تستضيف العروض الأوبرالية والموسيقية العالمية والفعاليات الفنية الكبرى، والثاني دار الفنون الموسيقية التي تحتضن المعارض والأنشطة الثقافية والمجموعات الموسيقية التاريخية.

كما بين أن التصميم المعماري للدار يستلهم الطراز العُماني الأصيل المستوحى من حصن جبرين التاريخي بولاية بهلاء، إلى جانب عناصر العمارة الإسلامية، والخطوط الإيطالية الكلاسيكية التي تظهر في استخدام الرخام الأبيض والتصميم الداخلي للمسارح، ورأى البوسعيدي أن هذا التنوع لا يمنح المبنى قيمة جمالية فحسب، بل يفرض على المصور تحديًا يتمثل في نقل هذا التناغم الحضاري داخل صورة واحدة، بحيث تعكس تفاصيل النقوش والأقواس والفراغات المعمارية دون الإخلال بتوازنها البصري.
كيف يمكن أن تكون الصورة وثيقة قبل أن تكون فنًا؟
اعتبر البوسعيدي التصوير المعماري على أنه “فن توثيق المباني والمجسمات وكل ما يرتبط بالمكان والبيئة المحيطة”، مؤكدًا أن مهمة المصور لا تقتصر على إنتاج صورة جميلة، بل تتمثل في نقل الواقع بأكبر قدر ممكن من الدقة، بحيث يشعر المشاهد بحجم المبنى وأبعاده وعلاقته بالمحيط الذي يحتضنه.
ويتقاطع هذا المفهوم مع ما تعتمده المؤسسات الدولية المعنية بحفظ التراث، إذ تنظر إلى الصورة باعتبارها وثيقة بصرية تحفظ الحالة الأصلية للمبنى في لحظة زمنية محددة، ويمكن الرجوع إليها عند تنفيذ أعمال الصيانة أو الترميم أو مقارنة ما طرأ على الموقع من تغيرات، حيث أصبحت الصور اليوم جزءًا من منظومات الأرشفة الرقمية، إلى جانب تقنيات التصوير الجوي، والتصوير البانورامي، والفوتوغرامتري، التي تتيح إنتاج نماذج ثلاثية الأبعاد للمباني والمواقع التاريخية، بما يعزز دقة توثيقها للأجيال المقبلة.
وأشار البوسعيدي إلى أن نجاح الصورة المعمارية لا يقاس فقط بجمال التكوين، وإنما بقدرتها على نقل الإحساس بالمكان، بحيث يشعر المتلقي بارتفاع المبنى، واتساع الفراغات، وثقل الكتلة المعمارية، والجهد الذي بذل في تصميمها وتنفيذها.
لقاء العمارة بالفن
ولأن دار الأوبرا ليست مبنى صامتًا، بل فضاء ثقافي نابض بفعالياته اليومية والمستمرة، أوضح البوسعيدي أن تصويرها يتطلب أيضًا فهم العلاقة بين العمارة والعروض الفنية التي تستضيفها، فمثلا الإضاءة المسرحية، وحركة الفنانين، وتفاعل الجمهور، جميعها تغير المشهد البصري داخل المبنى، وتجعل كل عرض يقدم فرصة مختلفة لتوثيق المكان من زاوية جديدة، دون أن يفقد هويته المعمارية، وهنا لا ينحصر دور المصور على تسجيل تفاصيل البناء، إنما يمتد إلى توثيق كيفية تفاعل الإنسان مع هذا الفضاء الثقافي، ليكون المبنى جزءًا من المشهد الفني أيضا.
وتناول البوسعيدي أفضل أوقات التصوير، مبينًا أن فترتي الشروق والغروب، المعروفتين بالساعات الذهبية، تمنحان المبنى إضاءة ناعمة وظلالًا طويلة تكشف تفاصيل الكتل المعمارية والبروزات الجدارية.
وأضاف أن “الساعة الزرقاء” التي تلي غروب الشمس مباشرة تعد من أكثر الفترات ملاءمة لتصوير دار الأوبرا، إذ تبرز التباين بين الإضاءة الداخلية الدافئة للمبنى وزرقة السماء، بما يمنح الصورة عمقًا بصريًا دون الحاجة إلى معالجة مفرطة.
وأكد أن اختيار توقيت التصوير في أعمال التوثيق لا تحدد بكونها مسألة جمالية فقط، وإنما عامل أساسي في تسجيل التفاصيل الدقيقة للواجهات والمواد والزخارف، بما يحافظ على القيمة التوثيقية للصورة.
وأشار البوسعيدي إلى أن اختيار زاوية التصوير يؤثر بصورة مباشرة في كيفية قراءة المبنى، لافتًا إلى أهمية الزوايا المنخفضة هي جزء لإظهار شموخ المبنى وامتداده الرأسي، كما حذر من الاعتماد الكامل على العدسات العريضة، لأنها قد تؤدي إلى تشوه الخطوط المستقيمة وجعل الجدران تبدو مائلة، مؤكدًا أهمية استخدام العدسات المقربة، وعدسات الماكرو، وعدسات تصحيح المنظور (Tilt-Shift)، التي تساعد على إبراز التفاصيل الدقيقة مثل الأخشاب المحفورة يدويًا، والزخارف الإسلامية، والأقواس المعمارية، مع الحفاظ على النسب الحقيقية للمبنى، موضحًا كلك أن المحافظة على استقامة الخطوط الهندسية تعد أحد أهم عناصر التوثيق المعماري، لأن أي تشويه بصري قد يؤثر في دقة الصورة عند استخدامها مرجعًا مستقبليًا.
أدوات تصنع صورة موثوقة
واختتم البوسعيدي الورشة باستعراض أهم الأدوات التي يحتاجها المصور المعماري، وفي مقدمتها الكاميرا ذات النطاق الديناميكي العالي، التي تلتقط تفاصيل الظلال والإضاءات في الوقت نفسه، إلى جانب مجموعة متنوعة من العدسات، والمؤقت الذاتي لتجنب اهتزاز الكاميرا، والحامل الثلاثي الذي يضمن الثبات في ظروف الإضاءة المنخفضة والتعريض الطويل.
كما أشار إلى أهمية برامج معالجة الصور، موضحًا أن استخدامها في التصوير المعماري يهدف إلى تصحيح المنظور وضبط الألوان والتباين وإبراز التفاصيل التي سجلتها الكاميرا، دون إضافة عناصر أو حذفها بما يغير حقيقة المكان أو هويته.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الصورة المعمارية الناجحة هي تلك التي تحقق معادلة دقيقة بين الجمال والدقة؛ فهي عمل فني يجذب العين، وفي الوقت نفسه وثيقة بصرية تحفظ ذاكرة المكان، وتمنح الأجيال القادمة فرصة لرؤية المبنى كما كان في لحظة التقاط الصورة، بكل تفاصيله وقيمته المعمارية والثقافية.






