“غالي وما يستاهل”: متى يكون التعليق رأيًا ومتى يتحول إلى إساءة؟

“غالي وما يستاهل”: متى يكون التعليق رأيًا ومتى يتحول إلى إساءة؟
“غالي وما يستاهل”: متى يكون التعليق رأيًا ومتى يتحول إلى إساءة؟
خاص - أثير

“وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ”

آية كريمة تختصر ميزانًا عظيمًا في التعامل بين الناس: لا تنقص قيمة ما يملكون، ولا تستهن بجهدهم، ولا تسقط حقهم بكلمة أو حكم سريع، ففي زمن أصبحت فيه الأسواق مفتوحة على منصات التواصل، لم يعد البخس يحدث في البيع والشراء فقط، بل قد يبدأ من تعليق قصير يُكتب أمام الجميع.
”غالي“، ”ما يستاهل“، ”مبالغ فيه“، ”نفسه موجود أرخص“.. كلمات قد يكتبها شخص في ثواني، ثم يمر إلى منشور آخر، لكنها قد تبقى تحت المنتج لتصنع انطباعًا عند من يراه للمرة الأولى، وربما تضعف ثقة مشتري كان يفكر في الطلب. وبينما من حق المستهلك أن يسأل ويختار ما يُناسبه أو يتحدث عن تجارب مر بها، وبين أن يحول خانة التعليقات إلى مساحة للسخرية من المنتج، أو التقليل من صاحبه، أو التشكيك فيه أمام الآخرين.
فخلف كل منتج يظهر على الشاشة رحلة لا يعرفها المتابع دائمًا: بحث عن المورد، شراء، شحن، رسوم، تغليف، تصوير، تسويق، وتجربة، ناهيك عن أن بعض المنتجات تكون مصنوعة يدويًا أو مجهزة حسب الطلب، وتحمل من الوقت والجهد أكثر مما يظهر في الصورة.
التعليقات في التجارة الرقمية ليست كلامًا جانبيًا دائمًا، فكثير من الناس يقرأون ما كتبه الآخرون قبل اتخاذ قرار الشراء، وقد يدخل شخص إلى منشور وهو يفكر في اقتناء المنتج، ثم يجد أمامه سلسلة من التعليقات الساخرة أو المشككة في السعر، فيتكون لديه انطباع قبل أن يعرف التفاصيل أو يجرب المنتج أصلًا.

ماذا يقول اصحاب المشاريع؟

استطلعت “أثير” آراء عدد من أصحاب المشاريع، الذين أكدوا أن السعر الذي يظهر للمتابع لا يعكس دائمًا كل ما سبقه من تكلفة وجهد ومخاطرة، وأن التعليقات على الأسعار ليست مجرد رأي عابر، بل قد تؤثر في ثقة الزبائن ونفسية أصحاب المشاريع.
وأوضحت سامية بنت عبدالله البلوشي، صاحبة مشروع عبايات، بأن السعر لا يقف عند القماش فقط، بل يشمل الخامة والتصميم والتطريز والخياطة والتغليف والمتابعة حتى تصل القطعة إلى الشكل المطلوب، بينما أشارت وسارة بنت علي اللواتي صاحبة مشروع الشموع بأن المنتج النهائي تسبقه تجارب على الروائح ونوعية الشمع والفتائل والعبوات، وقد تستهلك مواد قبل الوصول إلى النتيجة المناسبة. ومن جهتها أوضحت فضيلة بنت سالم الجابري، صاحبة مشروع ملابس الأطفال، بأن التكلفة ترتبط بجودة القماش ومصدر البضاعة والشحن والاستيراد، إضافة إلى أن المشروع الصغير يشتري عادة كميات محدودة وقد يتحمل بقاء بعض المقاسات دون بيع.
وبينت صاحبات المشاريع أن المشكلة ليست في أن يرى المستهلك السعر مرتفعًا، وإنما في أن يتحول الاختلاف إلى سخرية أو تقليل من قيمة المنتج والجهد المبذول خلفه، وأشرن إلى أن بعض أصحاب المشاريع أصبحوا -تجنبًا لهذه التعليقات- يغلقون خانة التعليقات ويكتفون بوضع التفاصيل كاملة في المنشور، من السعر والمواصفات إلى التوصيل وطريقة الطلب.

ليس كل سعر يعني ربحًا

من جانب آخر، رأى بعض أصحاب المشاريع بأن بعض التعليقات على الأسعار تختصر المنتج في رقمه النهائي، دون معرفة ما يتحمله صاحب المشروع قبل عرضه للبيع، وبيّنوا أن المشكلة ليست في سؤال الزبون أو مقارنته للأسعار، وإنما في إصدار حكم سريع على السعر قبل معرفة ما وراءه من تفاصيل. وأوضح محمد بن سعيد الحضرمي، بائع ألعاب ومجسمات للألعاب الإلكترونية بأن الأسعار في هذا السوق ليست مرتبطة بالقطعة فقط، بل بندرتها وتوفرها في السوق العالمي وتكلفة طلبها من الخارج، خصوصًا إذا كانت محدودة الإصدار أو موجهة لهواة الاقتناء، مشيرًا إلى التكاليف الإضافية التي يتحملها البائع مثل البيع في محل أو البيع إلكترونيًا، والاحتياج لأدوات صناعة المواد وتصوير المنتج لترويجه في منصات التواصل المختلفة. أما في مستلزمات الحيوانات، أشار علي بن يعقوب المعمري بأن الأسعار تتأثر بجودة المنتج ومصدره وطريقة تخزينه ومدة صلاحيته، وقد يتحول بطء بيع بعض الأصناف أو انتهاء صلاحيتها إلى خسارة مباشرة يتحملها صاحب المشروع. ومن جانب آخر، رأى تركي بن عبدالرحمن المقبالي صاحب مشروع المنتجات والهدايا المخصصة أن الطلبات تبدأ من فكرة يطرحها الزبون، ثم تمر بمراحل التصميم والتجربة والتنفيذ والتعديل، ولذلك يدخل الوقت والجهد ضمن قيمة المنتج، لا المواد وحدها.

ماذا يقول القانون العُماني؟

القانون لا يمنع المستهلك من السؤال أو المقارنة أو إبداء ملاحظة حول السعر أو جودة المنتج، لكنه يفرق بين النقد المشروع وبين السب أو القذف أو الإساءة العلنية.
فقد نص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 61/2026 على معاقبة من يستخدم موقعًا إلكترونيًا أو نظامًا معلوماتيًا أو وسيلة تقنية معلومات في سب غيره علنًا بطريقة تمس شرفه وكرامته أو تقلل من قدره أو تسيء إليه، أو قذفه علنًا بواقعة من شأنها أن تجعله محلًا للازدراء.
وهنا يلزم التفريق بأن وصف السعر بأنه “غالي” ومن يُسيء للآخر ويمس كرامته.
وفي المقابل، يحفظ قانون حماية المستهلك الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 66/2014 حق المستهلك في الحصول على معلومات صحيحة عن السلعة أو الخدمة، فيما أوضحت اللائحة التنفيذية للقانون الصادرة بالقرار رقم 77/2017 التزامات تتعلق ببيان المعلومات الأساسية للسلعة بشكل واضح، ومن بينها طبيعة السلعة وخصائصها، وإبراز أسعار البيع بصورة واضحة يسهل التعرف عليها
وبذلك، يبقى للمستهلك حق السؤال والمقارنة والشكوى، كما يبقى لصاحب المشروع حق ألا يتحول الاختلاف معه إلى سب أو قذف أو تشهير.

كيف يتعامل البائع؟

ليس كل تعليق على السعر يستدعي ردًا غاضبًا، وقد يكون السؤال نفسه فرصة لشرح ما لا يعرفه الزبون عن المنتج، فإذا كان التعليق مجرد استفسار، يمكن الرد بهدوء وتوضيح ما يشمله السعر، سواء كان شحنًا أو تغليفًا أو ضمانًا أو عملًا يدويًا أو غير ذلك، أما إذا تحول التعليق إلى إساءة أو اتهام غير صحيح، فمن الأفضل توثيقه قبل حذفه أو إخفائه، والاحتفاظ بصورة منه واسم الحساب ورابط المنشور، ثم الإبلاغ داخل المنصة أو اللجوء إلى الجهات المختصة إذا استدعى الأمر.
كما يساعد الوضوح من البداية في تقليل الجدل، من خلال بيان السعر والمواصفات، وما إذا كان السعر يشمل التوصيل أو الضمان أو غيرهما.

المصادر:

  1. قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 61/2026.
  2. قانون حماية المستهلك الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 66/2014.
  3. اللائحة التنفيذية لقانون حماية المستهلك الصادرة بالقرار رقم 77/2017.

شارك هذا الخبر