أثير- الركابي حسن يعقوب
انقضت فترة الـ 60 يوماً الواردة في مذكرة التفاهم الموقعة بين طهران وواشنطن، والتي أريد لها أن تكون منطلقاََ لبناء تفاهم أساسي بين الجانبين يصلح ليكون أرضية ثابتة لإتمام التفاوض حول الموضوعات والقضايا الرئيسية محل الخلاف بين الجانبين، وفي مقدمتها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وآلية إنهاء العقوبات، وترتيبات استخدام الأصول الإيرانية المجمدة، ومستقبل إدارة الملاحة في مضيق هرمز، وخطة إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية لإيران والتي قدر لها ألا تقل عن 300 مليار دولار!
انقضت المدة ولم يتم التوصل لأي تفاهم حول أي من القضايا والموضوعات التي قررتها المذكرة واتفق عليها الجانبان ، بل سادت حالة من التوتر والخلافات الحادة وتبادل الاتهامات والتهديدات، على عكس ما كان متوقعاََ بأن تعمل تطبيقات المذكرة على التقدم في اتجاه الحل السلمي ونزع فتيل الأزمة بما يمكن تسميته بـ“عدم التفاهم” ، حيث لم يكن هناك أي تفاهم أو توافق في شيء طيلة فترة الستين يوماً بل كان التباعد والتباين هما السمتين الأساسيتين للعلاقة ما بين طهران وواشنطن.
وعلى ذلك فإنه في واقع الأمر يمكن القول أنه ومع انتهاء فترة الستين يوماً على هذه الحالة فإن المسار السلمي الدبلوماسي وصل إلى طريق مسدود تماماً، ويؤكد هذا المصير الذي آل إليه المسار الدبلوماسي ما قاله الرئيس ترامب أن لا عودة مرة أخرى لمذكرة التفاهم، وأن بلاده تحكم السيطرة على مضيق هرمز عبر الحصار البحري، والأخطر من ذلك أنه جدد حديثه السابق الذي كان مسؤولاََ رفيعاََ بالبيت الأبيض قبل أيام قد وصفه بالمزحة، وهو قوله أنه من الممكن إعلان مضيق هرمز اقليماََ امريكياََ مضيفاََ بأن الفكرة “عظيمة” وفوق ذلك مطالبته الصريحة لطهران بالاستسلام ورفع الراية البيضاء، رغم أنه في ذات الوقت أشار إلى أن ثمة مفاوضات تدور “خلف الكواليس” مع عناصر من الحرس الثوري الإيراني وهو ما نفته إيران جملة وتفصيلاََ ووصفه المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني بالأوهام الناجمة عن العجز والهزيمة في الحرب.
ويأتي تكرار الرئيس ترامب لحديثه عن إمكانية إعلان مضيق هرمز اقليماََ أمريكياََ ليضيف مزيداً من التعقيد والتصعيد والتوتر في الجانب الإيراني، حيث لم يعد من الممكن تصديق فرضية “المزحة” ، وبدأت طهران تأخذ حديث ترامب هذا على محمل الجد باعتباره تهديداََ جدياََ باحتلال المضيق، وفي هذا الصدد نقلت وكالة رويترز عن مسؤول إيراني رفيع قوله أن إيران قررت التحول من النهج الدفاعي إلى الهجومي الكامل، وهذا التحول الذي أشار إليه المسؤول الإيراني ليس له غير تفسير واحد فقط وهو نية طهران كسر الحصار البحري الأمريكي بالقوة العسكرية ولا يكون ذلك إلا بشن هجمات مباشرة على القطع البحرية الأمريكية المتواجدة بالمنطقة ،حيث تعتبر إيران أن سياسة الخنق الاقتصادي التي تمارسها واشنطن ضدها تستوجب تحركاََ استباقياََ يحول دون نجاح هذه السياسة ويجنب إيران تداعيات كارثية على صعيد الداخل الإيراني خاصة وأن الجدل قد بدأ يتصاعد حول الوضع الاقتصادي مع تزايد مظاهر تدهور هذا الوضع بسبب الحصار الأمريكي وضبابية الموقف الحكومي حول إيجاد بدائل أو استراتيجية واضحة للتصدي للحصار وإفشاله.
ويترافق مع التوجه نحو الإستراتيجية الهجومية لكسر الحصار، توجه آخر دبلوماسي لإسناد التوجه العسكري وفتح نافذة لخروج آمن قد يكفيها القتال ومغبة المواجهة العسكرية والصدام مع واشنطن، عبر عنه وزير الخارجية عباس عراقجي بقوله إن بلاده عازمة على مواصلة عملية تحديد مسار آمن لعبور السفن عبر مضيق هرمز مع سلطنة عُمان، وحديث عراقجي في هذا الخصوص يعني أنه يمكن ممارسة قدر عال من المرونة بخصوص عبور السفن عبر المضيق بما لا يخلق اختناقاََ في حركة السفن وبالتالي سحب البساط من تحت أرجل أمريكا وتفويت الفرصة عليها في حال قررت احتلال المضيق وإعلانه اقليمياََ امريكياََ.
كما أن طهران أبدت تمسكها بشكل واضح بمذكرة التفاهم وترى أنها هي الأساس المناسب لحل الأزمة، وتتهم واشنطن بأنها هي من خرقتها وتنصلت عن تنفيذ بنودها، كذلك لم تغلق طهران الباب أمام العودة إلى المسار التفاوضي وترى أن الفرصة ما تزال سانحة لتحقيق تقدم فيه.
على الجانب الآخر، فإن واشنطن ومن خلال تصريحات الرئيس ترامب الأخيرة يبدو أنها قد قررت المضي قدماََ في سياستها الجديدة تجاه إيران التي تقوم على الخنق الاقتصادي بتشديد الحصار البحري، وترى واشنطن أن الخنق الاقتصادي ليس بديلاََ للخيار العسكري ، وإنما يمهد الطريق ويجعل الخيار العسكري أكثر سهولة وذلك بأنه وحسب التقديرات الأمريكية يضعف النظام الإيراني ويجعله هشاََ بحيث يكون انهياره تلقائياََ بلا مقاومة كبيرة.
وبين النظرة الأمريكية، والنظرة الإيرانية تقف شواهد عدة على دخول الأزمة بينهما طوراََ جديداََ هو الأكثر خطورة، فترامب قال إنه ليس في عجلة من أمره، وبدا من خلال تصريحاته الأخيرة المتعلقة بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس وتأثيرات الحرب على وضع حزبه ومستقبله أنه لا يأبه كثيراً بهذه المسألة وأنه ماضٍ في خيار التصعيد بغض النظر عن الظرف السياسي والاقتصادي والانتخابي، وهو بهذا المسلك يريد أن يجرد إيران من ورقة عامل ضغط الوقت الذي يعتقد أنها تراهن عليها وتلوح بها في وجهه.
وهو يرى كذلك أن حسم موضوع مضيق هرمز لا يتأتى إلا باحتلاله، وأن احتلال المضيق لن يتم إلا بعد إسقاط النظام في إيران وأن إسقاط النظام سيكون بخنقه اقتصادياََ.
من جانبها، يبدو على إيران من خلال تصريحات مسؤوليها العسكريين والمدنيين أنها قد أخذت أمرها على خيار المواجهة وعدم الاستسلام وتعتقد أنها قادرة على إلحاق الهزيمة بأمريكا مستندة في ذلك إلى تقديرات عسكرية عملية ونظرية مستلهمة من واقع خبرتها السابقة في مواجهة الضربات الأمريكية.
لكن في الحقيقة كلتا النظرتين الإيرانية والامريكية تفتقر إلى الواقعية وتقوم على التفكير الرغبوي الذي يسقط من حساباته الخسائر والمخاطر، ويقوم على الأماني والمبالغة في تقدير الذات .
والقاسم المشترك الذي يجمع بين النظرتين الإيرانية والامريكية هو غياب الحكمة والعقلانية، وحضور “العَمَهْ” السياسي والاستهانة بالعواقب وفوق هذا وذاك الاستهتار بجهود الوسطاء.
والحقيقة التي يتغافل الجانبان عن رؤيتها هي أن تطاول أمد الأزمة سواء كانت حرباََ، أو تناوشاََ، واستمرار الحصار، وإغلاق المضيق، وسيادة حالة اللاحرب واللاسلم كلفته باهظة على العالم والمنطقة وأول من يتحمل هذه الكلفة طهران وواشنطن، وهي ليست كلفة مادية فحسب وإنما أخلاقية أيضاً، وما تزال الفرصة مواتية لإصلاح ما فسد وإدراك ما فات وما يزال طريق العودة لمسار التفاوض ممهدًا، وما يزال الوسطاء متحمسون لإتمام جهودهم واستكمال مساعيهم للحل السلمي وأن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي.





