رصد - أثير
بلقيس الهشامي
تقاس قوة الامتداد الثقافي والتأثير الحضاري في الذاكرة البشرية بعمق الأثر الناعم الذي يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية للشعوب، ويتجاوز الحدود والجغرافيا ليصبح مكوّنًا أصيلًا في ثقافة الآخر.
تابعت أثير في كتاب “عُمان في الذاكرة الماليزية” فصلاً استثنائياً من تاريخ الامتداد العماني في المحيط الهندي؛ حيث لم تكن السفن تحمل المنسوجات والتوابل وحدها، بل نقلت جزءاً من الهوية العمانية تجسدت في “الحلوى المسقطية”، الطبق الذي تحول عبر القرون بين موانئ الشرق الأقصى وسلطنات الملايو من رمز للملاحة والتجارة العمانية إلى جزء أصيل من التراث الملكي والشعبي هناك حتى باتت أصوله الأولى محل تنازع وتأويل بين مجتمعات المشرق وآسيا.
جذور الحلوى المسقطية وتداخل الأصول في مجتمع الملايو
بحسب ما ورد في الكتاب، يصعب تحديد وقت وصول الحلوى المسقطية إلى ماليزيا، ولكن؛ يبدو أنها ظهرت ما بين القرنين الثامن عشر والعشرين الميلاديين؛ إذ وصل العرب والهنود إلى المصانع التي افتُتحت حديثًا في بيننغ وقدح وملاكا وسنغافورة وقد أنتجها تقليدًا الملايو المولَّدون، ثم انخرطوا في السلطنات ولا سيما الحضارم الذين صاروا جزءًا من النخب الحاكمة في ممالك الملايو من مثل: بيراك، وجُهور، وكلنتان، وهكذا تعقّدت مسألة تحديد أصل الحلوى المسقطية وعُوِّضت مكانةُ المجتمعات الأخرى التي اتصلت مع العمانيين واقترضت منهم عناصر ثقافية ولا سيما الحضارم والهنود في موانئ عدن والشحر والمكلا وبومباي وكلكتا؛ حيث استُشهر أن أنواعًا أخرى من الحلوى المسقطية طوَّرها السكان المحليون إلى مشروعات صناعية وجلبوها معهم إلى الشرق. وغالبًا ما يذكر الجيل الأكبر من الملايو أنها طعامٌ شهيُّ اعتمدوه حديثًا بعد ما أدخله المجتمع الهندي العربي ويتطلب صبرًا طويلاً في أثناء تحضيره، في حين تُفضِّل الأجيال الأصغر اليوم أنواعًا أسهل تحضيرًا.
الامتداد التاريخي للحلوى من ناغازاكي إلى المطبخ الآسيوي
وفقًا لما أشار له الكتاب يبدو أن هذا التقليد أقدم بكثير مما يظنُّه الكثيرون، فقد أشار Haruo Endo إلى أن اليابان عرفت حلوى Aruheito التي أتت من حلوى Alfeloa البرتغالية، والتي لا يعدو اسمها أن يكون تحويرًا لاتينيًّا لكلمة (الحلوى) العربية. فقد كان البرتغاليون حاضرين في ميناء ناغازاكي بين القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين بعدما انطلقوا من موانئ هرمز ومسقط عبر موانئ السلطنات الملايوية، وكذا يرى Endo أن حلوى Aruheito عمانية المنشأ؛ تطوّرت إلى معجنات حلوة في إيبيريا قبل أن تصل إلى اليابان مما يُفسِّر الطعم والشكل المختلفين عن الحلوى العمانية الأصيلة. ومن ثُمَّ اختلفت هذه الحلوى في ماليزيا لدى الهنود والعرب والملايو فكُلُّهم غَيَّر في وصفتها وفق ذوقه ولكن لا تزال الوصفة الرئيسة مؤلفة من: النشاء، البيض، الماء، السمن، والمكسرات، وتتميَّز الوصفة العُمانية بإضافة ماء الورد والزعفران، والعسل العُماني لتصير منتجًا باهظ الثمن يُستهلك موسميًّا، بينما تُعتمد التمور حلوى في سائر الشهور.
طرق التحضير والتباين بين الأساليب المحلية والهندية
يستعرض الكتاب كيف أن تحضير الحلوى المسقطية الملايوية عملية شاقة، إذ تستغرق ثلاثة أيام لنقع الدقيق وتخليصه من حموضته ثم أربع ساعات لعجن الخليط قبل غليه ويشمل قطعًا من البطاطا الحلوة أو القرع، وسمن جوز الهند، والسكر، وَيُفضِّل المطبخ الملايوي استخدام المقلاة البرونزية ونار الحطب للحصول على قوام أصيل، أما الأسلوب الهندي فيجمع توابل يطبخ على نار هادئة لتنتج مزيجًا هلاميًّا صلبًا وغنيًّا بالزيت. ومن ثَمَّ يُفترض أن الحضور القديم للحلوى في منطقة شاسعة قد عرَّضها للتغييرات فأصلها العماني المباشر ربما يكون خلال ذروة الملاحة العمانية في القرنين الثامن والتاسع عشر الميلاديين، لذا كانت شعبية الحلوى المسقطية غير مستغربة نظرًا إلى ازدياد الطلب عليها في جميع الأرجاء القريبة من الخليج حيث زُوّدت بها السفارات والمجتمعات العُمانية في البلدان الأجنبية.
المكانة الاجتماعية والطقوس الملكية للحلوى المسقطية
وبحسب ما يبيّنه الكتاب، صارت الحلوى المسقطية من الأطباق الشعبية التي تُقدَّم في الاحتفالات الكبرى كالأعياد والمولد النبوي وأولياء الأعراس وتُظهر كرم الضيافة الملايوية. وعام 2017م قُدِّمت الأسرة الملكية لسلطنة جهور الحلوى المسقطية جزءًا من هدايا مهر الزفاف في إشارة إلى أنها جزء من الأطعمة التقليدية للقصر الملكي، فالغذاء ليس مادة للبقاء فقط وإنما أُدرج في إطار العمليات الثقافية لمجتمع بشري معقَّد، فالملايو عبروا عن ثراء ثقافي من خلال الأرز وتحويله لأطباق متعددة مثل Nasi Lemak وNasi Goreng. ويرى بعضهم أن الظاهرة الثقافية المتمثلة في الغذاء إنجاز تقني وأثر جوهري أنتجه العقل البشري لإدراك بيئته، وبناءً على هذه النتائج التذوقية ينال المجتمع مكانته الحضارية.
الرمزية الحضارية والتبادل الثقافي عبر المحيطين
يشير الكتاب إلى أن الحلوى المسقطية في المجتمعين العماني والماليزي جزء لا يتجزأ من كرامتهما الثقافية، وتمثِّل عملية تحضرها الطويلة. ويضيف المرجع أن التبادل الثقافي في أثناء الملاحة عبر المحيطين كان نشطًا في الألفيتين السابقتين فاجتمعت الأطعمة الأجنبية بالمحلية مما نوَّع في المجتمع ليصير منفتحًا عالميًّا، ويرى كثيرون أن القدرة على اختلاط الأجناس المختلفة في ماليزيا ترجع إلى عاطفة الناس تجاه أنواع الأطعمة وتذوقها، وسيستمرون على هذه الحال ما حافظوا على هذه الرابطة.
تحديات العولمة ومبادرات صون التراث الغذائي
استنادًا إلى ما ذُكر في الصفحات، فإن سرعة العولمة لم تُعط مساحة كبيرة للتراث التقليدي ليزدهر، مما يُهدد الهوية الملايوية. لذا حاولت إدارة التراث الوطني الماليزي مؤخرًا إدراج الحلوى المسقطية ضمن قائمة الأطعمة التراثية المهددة بالانقراض، ونتج عن ذلك برامج ثقافية والترويج لها في كتب الوصفات ووسائل التواصل، وكذا يحاول العمانيون إحياء صناعة هذه الحلوى لأنها جزء من تراثهم وبالنظر إلى صناعتها في عمان ودول شبه القارة الهندية كمستهلك منتظم يبدو أن هذه الصناعة تُضخُّ فيها أموال ضخمة؛ مما يقلل احتمال انقراضها. وعليه، ينبغي لماليزيا احتواء نشاط صناعتها فلا يبقى مقصورًا على تجمُّعات ريفية متفرقة.
الذاكرة الجماعية ورعاية التراث الثقافي غير المادي
في الختام يتضح أنه يُمكن اعتبار تراث العناصر الثقافية موردًا تاريخيًّا مهمًّا للمجتمعات التي استقلت في ماضيها عن القراءة والكتابة؛ إذ كانت الحلوى المسقطية أشبه بكبسولة زمنية تُسجِّل تطوُّر المجتمع الملايوي ونكهته العمانية في غياب السجلات. وحتى لا يؤدي فَقْدُ الذاكرة الثقافية إلى التخلص من الذاكرة الجماعية بعد مرور ثلاثة أجيال ينبغي التنبه إلى عوامل اندثار التراث؛ كتفكك الروابط الأُسرية وظهور الأطعمة الغربية الحديثة كالمعكرونة لسهولة طبخها، وتدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي يدفع الناس لترك الأطعمة المعقدة إلى الهزيلة الميسرة.
وأخيرًا أوصى المؤلفان بضرورة أن يؤدي إغناء التراث الماليزي إلى تتبع أصله وإشراك العمانيين في البحث عن قوته الحقيقية عبر الشراكات الثقافية والاقتصادية انسجامًا مع ميثاق منظمة اليونسكو لعام 2003م الذي أقرّ أن الحفاظ على تراث العناصر الثقافية بما فيها الأطعمة مهم جدًّا للتنمية المستدامة ورعاية العلوم.
عن الكتاب
نُشر كتاب “عُمان في الذاكرة الماليزية” عام 2018م، للناشر ذاكرة عُمان، وشارك في إعداد مادة الدراسة خمسة باحثين، وهي ثمرة من ثمار التعاون العلمي المشترك بين ذاكرة عمان والجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا.





