أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
القهوة والشاي ليسا مجرد مشروبين في الحياة اليومية العُمانية؛ فخلف الفنجان والكوب سوقٌ تتسع، ومقاهٍ تتزايد، وذائقة تتغير، وأموال تتحرك في سلسلة تبدأ من الاستيراد ولا تنتهي عند طاولة المقهى.
ومع كل فنجان قهوة أو كوب شاي، تتشكل فاتورة أكبر مما قد نتخيل، إذ تكشف أحدث الإحصاءات أن قيمة واردات سلطنة عُمان من الشاي والبن تجاوزت 49 مليون ريال عُماني في عام 2025م.
لكن الرقم لا يروي وحده قصة ما نشربه، بل يطرح سؤالاً أوسع: هل نكتفي باستهلاك هذه السوق، أم نستطيع أن نصنع جزءًا أكبر من قيمتها داخل سلطنة عُمان؟
حمّى الاستهلاك: الأرقام تحكي
خلال 5 سنوات فقط، بين 2021 و2025، ارتفعت قيمة واردات الشاي بنسبة 103.2% لتصل إلى 28.2 مليون ريال، فيما قفزت الكميات المستوردة بنسبة 182.1%، من 9.3 مليون كيلوجرام إلى 26.2 مليون كيلوجرام.
ولم تكن القهوة بعيدة عن هذا المسار؛ إذ ارتفعت قيمة وارداتها بنسبة 144.1%، من 8.6 مليون ريال في 2021 إلى 21 مليون ريال في 2025، فيما ارتفعت الكميات بنسبة 23.9% فقط، من 6.2 مليون إلى 7.7 مليون كيلوجرام
ووفقًا للأرقام؛ فاتورة البن ارتفعت بأكثر من 6 أضعاف معدل نمو الكميات تقريبًا، ما يعني أن ارتفاع القيمة لا يرتبط بزيادة الكمية وحدها.
أما الشاي، فالصورة مختلفة؛ فقد نمت كمياته بنسبة أكبر بكثير من قيمة وارداته، وهو ما يكشف تحولًا واضحًا في حجم الطلب خلال السنوات الماضية.
وتشير أحدث البيانات إلى وجود 2833 مؤسسة تقدم المشروبات بشكل أساسي، إلى جانب 6198 مؤسسة تعمل في نشاط المطاعم، فضلاً عن مؤسسات تقدم وجبات الطعام بشكل أساسي، وأخرى متنقلة ومطاعم ومقاصف تابعة للمنشآت العامة
هل نشتري القهوة أم نشتري تجربة؟
قبل سنوات، استطلعت ”أثير“ آراء عدد من مرتادي المقاهي وملاكها، وسألت اختصاصية نفسية عن أسباب هذا الإقبال المتزايد، لتكشف الإجابات أن المقهى لم يعد مجرد مكان لاحتساء القهوة.
أحد المرتادين وصف المقهى بأنه مساحة تساعده على إنجاز عمله بعيداً عن ضغوط المكتب، فيما يراه آخرون مكاناً للقاء الأصدقاء وقضاء أوقات الفراغ، بينما وجد فيه آخرون بيئة مناسبة للاجتماعات والعمل، خصوصاً مع ما توفره بعض المقاهي من إنترنت وجلسات مهيأة لفترات طويلة.
أما من زاوية نفسية واجتماعية، فالمقهى يتجاوز المشروب نفسه؛ إذ وصفته الأخصائية النفسية بأنه فضاء للترويح عن النفس والابتعاد مؤقتاً عن ضغوط العمل والبيت، ومكان يتبادل فيه الناس الأحاديث والأخبار والاهتمامات، من الرياضة إلى الثقافة والفنون.
وهذا يفسر جانباً من نمو سوق المقاهي؛ فالزبون لا يدفع ثمن القهوة وحدها، بل يدفع أيضاً مقابل المكان، والوقت، والخدمة، والتجربة، وهي كلها حلقات تضيف قيمة إلى الكوب قبل أن يصل إلى الطاولة
لقراءة الموضوع كاملاً: مع ازدياد أعدادها؛ ما سبب ارتياد المقاهي؟
هل أنتجت ظفار سلالة جديدة من القهوة؟
في لقاء أجرته ”أثير“ مع المهندس بخيت بن محاد تبوك، مهندس زراعي ومؤسس إحدى المزارع في ظفار، أوضح أن عينات من أصناف البن المزروعة في المزرعة أُرسلت إلى فرنسا لإجراء فحوصات DNA، وأظهرت النتائج اختلافاً جينياً بينها وبين الأصناف التي أُخذت منها في اليمن.
وبحسب حديثه، فإن الظروف المناخية والبيئية في جبال ظفار ساعدت هذه الأشجار على الصمود والتكيف لعقود، وهو ما يفتح احتمال أن تكون هذه السلالات قد اكتسبت خصائص جينية مميزة، وربما تمثل سلالات محلية جديدة يمكن إكثارها والاستفادة منها مستقبلاً
قصة قد لا تكون مجرد حكاية زراعية، بل بداية لسؤال أكبر: هل يمكن أن تتحول جبال ظفار من بيئة مناسبة لزراعة البن إلى موطن لسلالات عُمانية خاصة بها؟
مفارقة في سلاسل الإمداد
كينيا تتصدر قائمة موردي الشاي إلى عُمان بقيمة 20.2 مليون ريال، تلتها الإمارات بـ4.7 مليون ريال، ثم الهند بـ 1.1 مليون ريال
أما في البن، فتصدرت الإمارات قائمة الموردين بقيمة 8.5 مليون ريال، تلتها فيتنام بـ2.6 مليون ريال، ثم السعودية بـ1.6 مليون ريال، والبرازيل بـ1.5 مليون ريال
وهنا يبرز سؤال لافت: كيف تتصدر دولة غير منتجة للبن قائمة مورديه إلى سلطنة عُمان؟
الإجابة تكمن في القيمة المضافة وسلاسل الإمداد، فجزء مهم مما يصلنا من دول الجوار لا يرتبط بزراعة البن نفسها، بل بمراحل مثل التحميص والتعبئة والعلامات التجارية والتوزيع، وهي مراحل ترفع قيمة المنتج قبل وصوله إلى المستهلك.
لكن المفارقة الأكبر تظهر عند النظر إلى حركة التجارة في الاتجاه الآخر؛ ففي عام 2025 بلغت قيمة إعادة تصدير الشاي نحو 1.03 مليون ريال، فيما بلغت قيمة صادراته 737.2 ألف ريال، أما البن فبلغت قيمة إعادة تصديره 338.5 ألف ريال، مقابل 11.8 ألف ريال للصادرات.
وبذلك تصل قيمة إعادة تصدير الشاي والبن معاً إلى نحو 1.37 مليون ريال، في مقابل واردات بلغت نحو 49.2 مليون ريال، وهذا يعنيبي بأننا أمام سوق محلية كبيرة، لكن حضورنا في بقية حلقات سلسلة القيمة ما زال محدوداً.
من المقهى إلى المصنع
في السوق العُماني بدأت بالفعل تظهر نماذج لمحامص محلية أسسها شباب عُمانيون، تستورد البن الأخضر مباشرة من مزارع في أميركا اللاتينية وأفريقيا، ثم تحمّصه وتعبئه محلياً وتوزعه على المقاهي والمستهلكين، وهذا النموذج الصغير يحمل فكرة أكبر: لماذا لا ننتقل من بيع الفنجان إلى صناعة ما وراء الفنجان؟
زيادة عدد المقاهي وحدها لا تكفي إذا كان الجزء الأكبر من القيمة يتشكل خارج السوق المحلية، بينما يمكن أن تتجه الاستثمارات إلى مراحل أكثر عمقاً، مثل التحميص والخلط والتعبئة والتغليف وتصنيع المنتجات المرتبطة بالقهوة والشاي.
وهنا يمكن للموانئ العُمانية، مثل صلالة وصحار، أن تؤدي دوراً أكبر في استقبال المنتجات والمواد الخام، وربطها بمناطق صناعية وحرة قادرة على احتضان عمليات المعالجة والتعبئة وإعادة التصدير إلى أسواق الخليج والمنطقة
هل تمثل الـ 49 مليون ريال مجرد تكلفة لعاداتنا اليومية؟
الرقم نفسه يمكن أن يُقرأ بطريقة مختلفة: سوق محلية كبيرة، طلب مستمر، آلاف المقاهي والمطاعم، ومستهلك أصبح أكثر اهتماماً بالجودة والمصدر وطريقة التحضير، وتلك ليست مجرد أرقام استهلاك، بل قاعدة يمكن أن تُبنى عليها صناعة.
ما نحتاجه هو أن نصل بين الكوب الذي يحتسيه المستهلك في المقهى، وسلسلة تبدأ من الميناء، مروراً بالتحميص والتعبئة والتغليف والعلامة التجارية، وصولاً إلى منتج عُماني يعبر الحدود، وعندها لن تكون الـ49.2 مليون ريال مجرد قيمة لواردات، بل فرصة لتشغيل مصانع، وبناء علامات تجارية، وفتح أسواق جديدة.
المراجع:
- وكالة الأنباء العُمانية
- أرشيف أثير






