أثير- أحمد بن عبدالله الشبيبي
خبير الاستشارات الاسرية
كثير من الخلافات الزوجية لا تبدأ من الموقف نفسه وإنما من الطريقة التي فسَّر بها كل طرف ذلك الموقف. قد يتأخر الزوج في الرد على الهاتف فتقول الزوجة في داخلها: “هو لا يهتم بي”. وقد تكون الزوجة متعبة وقليلة الحديث فيفسر الزوج صمتها بقوله: “هي لم تعد تقدرني”، هنا لم يعد الخلاف حول مكالمة أو صمت بل حول معنى افترضه كل طرف ثم تعامل معه كأنه حقيقة مؤكدة. هذا ما يركز عليه العلاج الزواجي المعرفي السلوكي، فالمشاعر والسلوكيات بين الزوجين لا تتأثر بالأحداث وحدها وإنما بالأفكار والتفسيرات التي تصاحبها. أحيانًا لا تكون المشكلة في تصرف الشريك بقدر ما تكون في “القصة” التي نسجناها حول ذلك التصرف.
الأفكار التلقائية: أحكام سريعة لا نراجعها
الأفكار التلقائية هي عبارات سريعة تمر في أذهاننا أثناء المواقف مثل: “هو لا يحترمني” أو “هي لا تقدر ما أفعله” أو “أنا آخر اهتماماته”. تظهر هذه الأفكار بسرعة وقد تثير الغضب أو الحزن أو الانسحاب قبل أن نتأكد من صحتها. المشكلة أننا لا نتعامل معها باعتبارها احتمالات تحتاج إلى فحص بل كأنها حقائق نهائية. وبناءً عليها يبدأ العتاب أو النقد أو رفع الصوت وربما المقاطعة والهجر. لذلك من المفيد أن يسأل الإنسان نفسه: هل ما أفكر فيه حقيقة أم مجرد تفسير؟ وما الدليل عليه؟ وهل توجد تفسيرات أخرى للموقف؟
التشوهات المعرفية: عندما نرى العلاقة بصورة غير عادلة
قد يقع الزوجان في أخطاء متكررة أثناء تفسير المواقف تُعرف بالتشوهات المعرفية. ومن أكثرها شيوعًا التعميم مثل قول أحدهما: “أنت دائمًا تهملني” أو: “أنت لا تفهمني أبدًا”. موقف واحد يتحول إلى حكم شامل على سنوات من العلاقة. وهناك أيضًا التركيز على السلبيات وتجاهل الإيجابيات فقد يتذكر أحد الطرفين أن شريكه نسي مناسبة واحدة لكنه يتجاهل مواقف كثيرة عبّر فيها عن الاهتمام والتقدير. هذا ما يسمى بالانتباه الانتقائي، أي إن الإنسان يلاحظ ما يؤكد فكرته السابقة ويهمل كل ما يخالفها. ومع مرور الوقت، تصبح صورة الشريك في الذهن أكثر سلبية من حقيقته؛ ليس لأنه لم يعد يقدم شيئًا جيدًا، ولكن لأن الطرف الآخر لم يعد يراه.
توقعات غير معلنة
يدخل بعض الأزواج إلى الحياة الزوجية وهم يحملون توقعات لم يعبّروا عنها بوضوح مثل: “إذا كان يحبني فسوف يفهم ما أحتاج إليه دون أن أتكلم” أو: “الزوجة الصالحة لا تختلف مع زوجها” أو: “الزوج المحب يجب ألا ينسى أبدًا”. هذه الافتراضات تبدو منطقية لصاحبها لأنه تربى عليها أو شاهدها في أسرته أو استقاها من المجتمع. لكن الطرف الآخر ربما يحمل تصورًا مختلفًا تمامًا. وهنا تحدث الصدمة: كل واحد ينتظر من الآخر الالتزام بعقد لم يقرأه ولم يوافق عليه! الحب لا يعني قراءة الأفكار، والاختلاف لا يعني غياب المودة. ولذلك فإن التوقعات الزوجية تحتاج إلى حوار صريح ومرن: ماذا أتوقع منك؟ وماذا تتوقع مني؟ وما الممكن واقعيًا؟ وما الذي يمكننا التفاهم حوله؟
المعتقدات العميقة تقتحم الحياة الزوجية
خلف الأفكار السريعة توجد أحيانًا معتقدات أعمق مثل: “أنا غير جدير بالحب” أو: “لا يمكن الوثوق بأحد” أو: “كل من أقترب منه سيتركني”. هذه المعتقدات قد تكونت من تجارب سابقة أو من طريقة التنشئة، لكنها تظهر بقوة داخل الحياة الزوجية. فالشخص الذي يعتقد أنه غير جدير بالحب قد يفسر انشغال شريكه على أنه رفض. ومن يصعب عليه الوثوق بالآخرين قد يرى في كل تأخير أو تغير بسيط دليلًا على الخيانة. وهكذا يتحمل الشريك أحيانًا نتائج جروح لم يكن هو من تسبب فيها.
لماذا فعل ذلك؟
من المفاهيم المهمة أيضًا “الإسناد السببي” أي الطريقة التي نفسر بها أسباب سلوك الشريك. عندما يتأخر الزوج قد تقول الزوجة: “تأخر لأنه أناني ولا يهتم بالمنزل” بينما قد يكون السبب اجتماعًا طارئًا أو ازدحام الطريق. وعندما لا تتحدث الزوجة قد يعتقد الزوج أنها تتعمد تجاهله بينما هي تعاني ضغطًا نفسيًا أو إرهاقًا. كلما كانت العلاقة متوترة، مال الطرفان إلى تفسير السلوك السلبي باعتباره مقصودًا وثابتًا، بينما يفسران السلوك الإيجابي باعتباره مؤقتًا أو وراءه مصلحة. وهذا يجعل المصالحة أكثر صعوبة لأن كل تصرف يصبح دليل إدانة جديدًا.
دائرة السلوك التي تغذي الخلاف
لا تتوقف المشكلة عند الأفكار بل تنتقل إلى السلوك. قد يرفع الزوج صوته فتتنازل الزوجة حتى ينتهي الخلاف وبذلك يتعلم من غير قصد أن الصراخ يحقق ما يريد. وقد تنسحب الزوجة من الحوار فيلاحقها الزوج بالنقد فتزداد انسحابًا ويزداد هو ضغطًا عليها. وأحيانًا يلجأ أحدهما إلى الهاتف أو النوم أو الخروج المستمر هروبًا من الحوار الحساس. هذا التجنب يمنح راحة مؤقتة لكنه يترك أصل المشكلة كما هو وربما يجعلها أكبر. وفي المقابل يمكن أن يعمل التبادل السلوكي بطريقة إيجابية: كلمة تقدير تقابلها مودة وإنصات يقابله انفتاح واعتذار صادق يعيد الأمان إلى العلاقة. فالسلوك الإيجابي مهما كان بسيطًا قد يغير مناخ المنزل كله إذا تكرر بصدق.
قبل أن تحكم على شريكك
العلاقة الزوجية لا تحتاج إلى طرف لا يخطئ بل إلى طرفين يستطيعان مراجعة أفكارهما قبل تحويلها إلى اتهامات. عندما يزعجك موقف توقف قليلًا واسأل: ماذا حدث فعلًا؟ وماذا فهمت أنا؟ وهل سألت شريكي عن قصده؟ وهل استخدمت كلمات مثل “دائمًا” و“أبدًا“؟ وهل تجاهلت مواقف إيجابية كثيرة بسبب موقف سلبي واحد؟ ليس كل ما نفكر فيه صحيحًا وليس كل ما نشعر به دليلًا قاطعًا على نية الطرف الآخر. أحيانًا تكون الخطوة الأولى لإصلاح الزواج هي أن نتعلم التفريق بين الحدث وتفسيرنا له وأن نستبدل الحكم بالسؤال والاتهام بالحوار والتوقع الصامت بطلب واضح. فالزواج لا تهدمه المواقف وحدها قد تهدمه المعاني القاسية التي نضعها لتلك المواقف. وفي المقابل يمكن لفكرة أكثر توازنًا وكلمة أكثر هدوءً وتفسير أكثر رحمة أن تفتح بابًا واسعًا للتفاهم من جديد.





