“واحذر صديقك ألف مرة”: زميلة تحتال على زميلتها بعشرات الآلاف من الريالات

نسجت المتهمة علاقة وثيقة مع هُدى، ثم أوهمتها بالسحر والتمائم وعزلتها عن أسرتها حتى استنزفت مدخراتها، فقضت المحكمة بسجنها عامًا وغرامة 200 ريال.

“واحذر صديقك ألف مرة”: زميلة تحتال على زميلتها بعشرات الآلاف من الريالات
“واحذر صديقك ألف مرة”: زميلة تحتال على زميلتها بعشرات الآلاف من الريالات
رصد - أثير
لم تكن “هُدى” تتوقع أن تنتهي ثقتها بإحدى زميلاتها إلى خسارة معظم مدخراتها، فالقصة التي بدأت بزيارات وهدايا وكلمات عن النجاح والاستقرار، سرعان ما اتخذت مسارًا مختلفًا، حين تحولت النصائح إلى تحذيرات، والتحذيرات إلى مخاوف، والمخاوف إلى طلاسم وتمائم وأضرار مزعومة، قبل أن تصبح تلك الأوهام وسيلة لاستنزاف أموالها.
كانت هُدى، ذات الثلاثين ربيعًا، قد نجحت في تحويل مهاراتها المنزلية في صناعة البخور والزيوت العطرية وإعداد الأطعمة إلى مشروع تجاري لاقى استحسان المستهلكين، وبدأ يحقق لها أرباحًا وسمعة جيدة، إلا أن نجاحها جذب انتباه إحدى زميلاتها التي كانت تنافسها في المجال ذاته، لتبدأ الأخيرة في نسج علاقة وثيقة معها، لم تكن تعرف هُدى أن هدفها الحقيقي كان الوصول إلى أموالها.
القصة، التي نشرتها مجلة “المجتمع والقانون” في عددها الثامن عشر الصادر عن الادعاء العام، تكشف تفاصيل عملية احتيال بدأت بالتقرب وكسب الثقة.
بدأت المتهمة بالتقرب من عائلة هُدى تدريجيًا، فكانت تكرر زياراتها إلى المنزل، وتقدم الهدايا لها ولأمها، وتظهر بمظهر الصديقة المقربة التي تتمنى لهما الصحة وازدهار التجارة وتوالي النجاحات، وفي الوقت نفسه كانت تجمع معلومات شخصية عن هُدى وتتعرف إلى تفاصيل حياتها ومشكلاتها، لتستخدمها لاحقًا في تنفيذ مخططها.
ومع مرور الأيام، أخذت المتهمة تتحدث مع هُدى عن حياتها الخاصة ومشكلاتها الأسرية، وأوهمتها بأن أفراد أسرتها كانوا السبب الرئيس في تعثرها وخسارتها التجارية، وأن تلك الخلافات قادتها إلى أزمات مالية ومطالبات مدنية، ثم اتخذت من هذه التفاصيل مدخلًا للتأثير عليها، مدعية امتلاكها معرفة بـ العلوم الروحانية، ومؤكدة أن هُدى محاطة بـ “هالة شيطانية” تهدد حياتها الأسرية واستقرارها النفسي ونجاح تجارتها.
في البداية، لم تهتم “هُدى” بما تسمعه، لكن مع وقوع مشكلة أسرية تزامنت مع انخفاض طفيف في مبيعاتها، بدأت تسترجع حديث المتهمة، وتفكر فيما إذا كانت تلك الأحداث مرتبطة بما أخبرتها به عن البخور والتمائم وتأثيرها المزعوم في الحماية من المشكلات واستقرار الحالة النفسية وزيادة المبيعات.
وفي صباح اليوم التالي، زارت المتهمة منزل “هُدى” كعادتها، ولاحظت سوء حالتها النفسية، فاستغلت ذلك لتصعيد مخاوفها، وأخبرتها بأن عزائم سحرية عُقدت في الليلة السابقة، وأن تمائم أُعدت خصيصًا للتفريق بينها وبين زوجها، وتدمير مستقبلها وكساد تجارتها، ولتعزيز هذه المزاعم، عرضت عليها قصاصات ورقية أعدتها بنفسها، تضمنت اسم هُدى إلى جانب رموز وطلاسم مختلفة.
عندها استبد الخوف بالمجني عليها، فلجأت إلى المتهمة طالبة منها المساعدة وتخليصها من الأخطار التي أوهمتها بوجودها، فبدأت المتهمة بتزويدها بالبخور والزيوت للاستخدام اليومي، إلى جانب بعض التمائم لتعليقها في غرفتها الزوجية وإخفائها بين مقتنياتها الشخصية، وقدمتها لها مجانًا في البداية بهدف كسب ثقتها.
ثم انتقلت المتهمة إلى مرحلة أخرى، فأخذت تشكك هُدى في نوايا أهلها وزوجها، وتوهمها بأنهم لا يريدون لها الخير، وأن خلاصها لا يكون إلا من خلال مساعدتها والاستعانة بـ “المعالج الذي تتعامل معه، وبذلك نجحت تدريجيًا في عزلها عن محيطها الأسري والاجتماعي، وأصبحت هي مصدر الحلول التي تلجأ إليها هُدى لمواجهة المشكلات التي كانت المتهمة نفسها قد صنعتها في ذهنها.
عندها بدأت الأموال تتدفق، إذ أخذت هُدى تسدد للمتهمة مبالغ مالية متكررة، تارةً بحجة دفع ضرر موهوم، وتارةً للمحافظة على استقرار مزعوم، واستغلت المتهمة حالة الخوف والوساوس التي زرعتها في نفس المجني عليها، إلى جانب المعلومات الشخصية التي جمعتها عنها وما كانت تبوح به لها من مخاوف، حتى استنزفت أموالها بالكامل تقريبًا.
وكشفت التحقيقات أن هُدى حولت إلى المتهمة ما يقارب 90% من مدخراتها، وبعد أن استنفدت المتهمة ما تستطيع الحصول عليه من أموال، انقطعت عن التواصل مع هُدى، التي كانت قد أهملت تجارتها وابتعدت عن محيطها الاجتماعي، لكن مع مرور الوقت، وتوقفها عن استخدام ما أعطتها إياه المتهمة، وعودتها تدريجيًا إلى أهلها وذويها، بدأت تدرك أنها كانت ضحية عملية احتيال محكمة، وأن الزيارات والهدايا والتقرب منها لم تكن سوى وسائل للوصول إلى أموالها.
وبتقديم المجني عليها شكواها، أسفرت التحقيقات عن ثبوت استخدام المتهمة وسائل احتيالية مادية ومعنوية بقصد التغرير بالمجني عليها وإيقاعها في الغلط، ومن بينها القصاصات الورقية التي تضمنت اسم هُدى وبعض الطلاسم والرموز المختلفة، فضلًا عن رسائل منسوبة إلى زبائن تضمنت انتقادات لمنتجاتها، واتضح أن المتهمة كانت وراء تلك الرسائل، وأنها أسهمت في زيادة اعتماد المجني عليها عليها ولجوئها إليها لحل المشكلات المزعومة.
وبإحالة المتهمة إلى المحكمة، قضت المحكمة بإدانتها بجريمة الاحتيال، ومعاقبتها بالسجن سنة واحدة والغرامة 200 ريال عُماني، كما قضت مدنيًا بإلزامها بأداء قيمة المطالبة المدنية وقدرها 88 ألف ريال عُماني.

ماذا يقول القانون العُماني؟

لا تتوقف المسؤولية القانونية في مثل هذه الوقائع عند مجرد الحديث عن الخرافة أو التمائم، وإنما ترتبط بالوسائل التي استُخدمت للتغرير بالضحية والنتيجة التي ترتبت عليها، فإذا استُخدمت ادعاءات كاذبة أو وسائل احتيالية لإيقاع شخص في الغلط والحصول منه على مال أو منفعة غير مشروعة، فإن الواقعة قد تندرج ضمن جريمة الاحتيال وفقًا لما تقرره جهات التحقيق والمحكمة استنادًا إلى الأدلة والوقائع.
وتنص المادة 349 من قانون الجزاء العُماني على تجريم الحصول من الغير على نفع غير مشروع باستعمال إحدى طرق الاحتيال أو باتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة، وتحدد المادة العقوبة المقررة للجريمة والحالات التي تستوجب تشديدها.

كيف يمكن الإبلاغ عن مثل هذه الحالات؟

في حال التعرض لعملية احتيال مشابهة، من المهم عدم الاستجابة لمزيد من المطالبات المالية، والاحتفاظ بالمحادثات والرسائل وإيصالات التحويل وأرقام الحسابات وأي مستندات أو صور أو أدلة مرتبطة بالواقعة، ثم التوجه إلى الجهات المختصة وتقديم بلاغ يتضمن تفاصيل الواقعة وتسلسلها والأدلة المتوافرة.
ويمكن تقديم الشكوى الجزائية عبر الخدمات الإلكترونية للادعاء العام، أو من خلال مراكز شرطة عُمان السلطانية، مع تقديم ما يتوافر من أدلة تساعد الجهات المختصة في التحقق من الواقعة وتتبع الأموال وتحديد المسؤوليات.
وتكشف هذه القضية في تفاصيلها أن الاحتيال لا يبدأ دائمًا بطلب المال؛ فقد يبدأ بكسب الثقة، ثم استغلال الخوف، ثم صناعة مشكلة وهمية، قبل أن يقدم المحتال نفسه بوصفه الشخص الوحيد القادر على حلها، وفي تلك اللحظة يتحول الخوف إلى فاتورة، والثقة إلى خسارة.

شارك هذا الخبر