رصد – أثير
يُعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خبيراً في تبديد الوقت لمصلحته، وهو ما يكون عادةً على حساب الفلسطينيين وعلى حساب أي ضغوط محتملة على حكومته، وقد أثبتت هذه الديناميكية نفسها مرة أخرى في أوائل أغسطس وطوال دورة الانتخابات الإسرائيلية، حيث رفض هو وكبار المسؤولين الإسرائيليين الآخرين مراراً وتكراراً صفقة محتملة لنزع سلاح حماس في غزة مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة.
إن هذا الرفض وما تلاه من تأجيل، وفق دورية ناشيونال انترست الأمريكية في مقال لها رصدته “أثير ” هو أمر غير مفاجئ، ويعكس حقيقة بسيطة: سيستمر نتنياهو والقادة السياسيون الإسرائيليون بشكل عام في إيجاد الذرائع لرفض أي خطة تجبرهم على إنهاء الإبادة الجماعية التي يرتكبونها في قطاع غزة، ناهيك عن إنهاء الاحتلال غير القانوني الأوسع للأراضي الفلسطينية المحتلة، ما لم تكن هناك عواقب مادية يفرضها المجتمع الدولي.
بين الإبادة والاستثمار: حقيقة مساعي السلام الأمريكية والإسرائيلية
قتلت إسرائيل الآن ما لا يقل عن 1,375 فلسطينياً منذ ما يسمى بـ “وقف إطلاق النار” في أكتوبر 2025، وأصابت 4,600 آخرين. وفي الإجمال، قتلت ما لا يقل عن 73,700 فلسطيني وأصابت 174,800 آخرين، وهذه الإحصائيات على الأرجح تتضمن أرقام أقل من الواقع. وتواصلت الضربات الإسرائيلية على رؤوس الفلسطينيين في غزة، لتدمر ما تبقى من بنية تحتية وملاجئ، لمجتمع لا يزال فيه ما لا يقل عن 1.9 مليون شخص نازح. وتواصل إسرائيل منع وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع مع استمرار انعدام الأمن الغذائي.
كما أنها احتلت تدريجياً المزيد من الأراضي، مع تهديد كبار المسؤولين بالاستيلاء على ما يصل إلى 70 بالمئة من غزة أو أكثر.
وسط هذا الدمار، يزعم القادة الأمريكيون والإسرائيليون إحراز “تقدم”، متجاهلين أن اتفاق 9 أغسطس، الذي شهد استعداداً علنياً لنزع سلاح حماس إلى جانب انسحاب إسرائيل من غزة، لم يكن سوى إعادة صياغة للخطوط العريضة لـ “مجلس السلام” الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. والواقع أن هذه التفاصيل تشكل محوراً أساسياً لخطته المكونة من 20 نقطة والتي استند إليها ما يسمى بوقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.
هناك افتراض بأنّ البيت الأبيض يفضل صفقة تراعي المصالح الفلسطينية ولو من بعيد، لكن معظم الدلائل تشير إلى عكس ذلك، فـ “مجلس السلام” بحد ذاته يبدو وكأنه حلم لمجتمع الاستثمار أكثر من كونه خطة إعادة إعمار حقيقية تضع الناجين من الإبادة الجماعية في المركز، فهو يعتمد على تشغيلهم في “مستعمرة تكنولوجية بائسة” تتسم بمعسكرات الاعتقال، والمراقبة المستمرة، والخضوع لما هو مؤكد أن يكون، في أحسن الأحوال، دويلة استعمارية تسيطر عليها إسرائيل.
ويتحدث أولئك الذين يترأسون المجلس عن فرص الاستثمار ومخططات جني الأموال أكثر من حديثهم عن المفاهيم الأساسية للإنسانية، مع وضع المصالح الأمنية الإسرائيلية في الصدارة كلما أُثير الصراع الأوسع على هامش تلك المحادثات.
لماذا لن تتغير استراتيجية إسرائيل في غزة بعد الانتخابات؟
إنّ السياسة الإسرائيلية هي التفسير الأفضل لسبب فشل الصفقة الجديدة و“مجلس السلام” الأوسع، ويرى الأمريكيون بأن نتنياهو يستخدم خطاباً متشدداً ويتخذ إجراءات قاسية قبل الانتخابات الإسرائيلية، فمن المؤكد أنّ طبيعة السياسة الإسرائيلية تفرض نهجاً متشدداً تجاه القضية الفلسطينية، ويستمد، توجه البلاد المتزايد نحو اليمين، جذوره من ناخبين متشددين أصلاً، ليصل اليوم إلى ذروته حيث يدعم هذا التوجه طرد الفلسطينيين من غزة وضم الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك التطهير العرقي للفلسطينيين من تلك الأراضي.
في هذا السياق، يندفع السياسيون الإسرائيليون نحو تبني برامج انتخابية متشددة للفوز بأغلبية في الكنيست، حتى أن أولئك الذين يُفترض أنهم ديمقراطيون يساريون يجدون صعوبة بالغة بمجرد نطق كلمة الاحتلال.
ومع ذلك، فإن هذه الديناميكية ذاتها هي ما تقوض أي حجة تدعي أن صفقة انسحاب إسرائيل من غزة مقابل نزع سلاح حماس ستحدث بعد الانتخابات الإسرائيلية، فبعد فوز حزب الليكود بزعامة نتنياهو في انتخابات عام 2022، استغرق تشكيل ائتلاف حاكم 46 يوماً، كانت تلك المفاوضات صعبة وجذبت نتنياهو أكثر نحو اليمين لإرضاء حلفائه البرلمانيين من اليمين المتطرف، بمن فيهم قادة سياسيون يؤمنون بالخلاص الديني وعنصريون بشكل علني مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وما حصل عليه هؤلاء السياسيون هو التأثير على البرنامج السياسي وفي عملية صنع القرار اليومية، خاصة فيما يتعلق بقضايا احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية ونظام الفصل العنصري الذي تمارسه ضد الفلسطينيين.
لقد هدد هؤلاء السياسيون بانتظام بمغادرة الحكومة وإسقاط أغلبية نتنياهو الضئيلة في الكنيست الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر، وغالباً ما كانوا يفعلون ذلك عند التوصل إلى اتفاقيات حول قضايا مثل زيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة وسط ظروف المجاعة أو حول ما سُمي سابقاً بـ “وقف إطلاق النار”. وقد فعلوا الشيء نفسه خلال معارك الميزانية، وحصدوا مكاسب سياسية كبرى لتوسيع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. بعبارة بسيطة، اليمين المتطرف الإسرائيلي يسيطر على نتنياهو، خاصة بالنظر إلى أن محاكمته بتهمة الفساد قد تؤدي إلى تشويه إرثه وقضاء سنواته الأخيرة في السجن، وهي نتائج يأمل بشدة في تجنبها.
في غياب الإرادة الأمريكية في مواجهة التطرف الإسرائيلي
في هذا السياق، فإنه يصعب تصديق أنه ستكون هناك أي مساحة متاحة لدفع خطة العشرين نقطة قُدماً. وإذا جاءت الانتخابات في صالح نتنياهو، فمن شبه المؤكد أن مفاوضات بناء الائتلاف ستضع خطاً متشدداً بشأن استراتيجية إسرائيل في غزة. وحتى لو تبنى البرنامج المنبثق عن تلك المفاوضات خطة الانسحاب، فإن معركة ميزانية عام 2027 القادمة ستثير القضية من جديد، كما حدث في الماضي.
في الواقع، في كل مرحلة من مراحل العملية السياسية الإسرائيلية، سيقوض اليمين المتطرف الديني أي خطة لا ترقى إلى مستوى الوضع الراهن المتمثل في القضم المستمر لغزة. ومن المرجح أن تكون هذه النتيجة ذاتها في حال فوز المعارضة أيضاً، بالنظر إلى دعم الرأي العام الإسرائيلي للاحتلال والتطهير العرقي وضم غزة، إلى جانب وجود أحزاب يمينية وغياب الأحزاب العربية في الإطار القيادي للمعارضة.
ورغم أن البعض يجادل بأن الأحزاب العربية في إسرائيل قد تتمكن ربما من كبح تشدد المعارضة على هذه الجبهة، إلا أن الحقيقة هي أن معظم قادة المعارضة رفضوا تشكيل تحالف معها، كما أن استجابة أي معارضة للضغوط الأمريكية ليست مضمونة بأي حال، نظراً لعدم جدية الضغط الأمريكي على إسرائيل.
في النهاية، كل الطرق تؤدي إلى المسار نفسه: احتلال إسرائيلي تدريجي، وذلك لأجل غير مسمى لقطاع غزة، مع ترسيخ الوضع الراهن بمرور الوقت.
الضغط المادي والحقيقي فقط من واشنطن هو ما يمكنه تغيير هذا الواقع، بما في ذلك الجهود لتقييد أو إنهاء مبيعات الأسلحة، وقطع الدعم الدبلوماسي في جميع المحافل الدولية، وفرض العقوبات والمقاطعة وسحب الاستثمارات من الاقتصاد الإسرائيلي، وإنهاء العلاقات والدعم العسكري. ويوفر القانون المحلي للولايات المتحدة، والقانون الدولي، وقرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية الأساس لهذه التحركات، لكن العائق الحقيقي الوحيد هو الإرادة السياسية والدعم الأيديولوجي الراديكالي لإسرائيل على حساب الفلسطينيين.





