أي صورة عقارية تريد سلطنة عُمان تصديرها للعالم؟

عن الكاتب

جميلة العبري
جميلة العبري

محرر وكاتب صحفي

أي صورة عقارية تريد سلطنة عُمان تصديرها للعالم؟
أي صورة عقارية تريد سلطنة عُمان تصديرها للعالم؟
أثير- جميلة العبرية
حين يصل المستثمر إلى معرض “عيش عُمان” في لندن في الفترة 25 سبتمبر حتى 4 من أكتوبر 2026م، لن تكون أمامه خريطة لأراضٍ ووحدات سكنية معروضة للبيع، بقدر ما ستكون أمامه نماذج لما تريد سلطنة عُمان أن تقوله عن مستقبل مدنها؛ فالاختيار المرتقب يكمن في 7 إلى 10 مشاريع عقارية رائدة، وأيضا منح المدن المستقبلية الأولوية في العرض، هذا الأمر يطرح سؤالًا يتجاوز أسماء المشروعات وأسعارها، أي صورة عقارية وعمرانية تريد السلطنة أن تقدمها للمستثمر العالمي؟
بحسب ملف مبادرة “عيش عُمان في لندن 2026” الذي حصلت “أثير” على نسخة منه، تتصدر مشاريع المدن المستقبلية، ومنها مدينة السلطان هيثم، أولويات المشروعات التي ستظهر في المعرض، تليها مشاريع “صروح” السكنية المتكاملة، هذا الترتيب يعطي مؤشرًا على طبيعة الرسالة؛ فالمعروض في لندن لا يقدم العقار العُماني من زاوية المسكن وحده، وإنما يضع أمام المستثمر نموذجًا عمرانيًا يرتبط بالاستدامة وجودة الحياة والخدمات والتخطيط المتكامل، وهي مفاهيم أصبحت جزءًا رئيسيًا من التوجه العمراني للسلطنة.

عقار أم مدينة؟

يمكن قراءة هذه الصورة بوضوح من خلال مدينة السلطان هيثم، التي تصفها وزارة الإسكان والتخطيط العمراني بأنها نموذج يستهدف إرساء معايير جديدة لبناء المدن المستدامة، مع توفير خيارات سكنية متعددة الاستخدامات، وأنماط حياة صحية، وسهولة الوصول إلى المرافق والمساحات الخضراء، حيث يقوم المخطط الرئيسي للمدينة على الجمع بين الاستدامة والهوية الثقافية والتقنيات الحديثة، إلى جانب بنية أساسية ذكية ومناطق سكنية وتجارية وثقافية مترابطة.
وبذلك يصبح الاستثمار المعروض حاليا مختلفًا في طبيعته؛ فالمستثمر لا ينظر إلى مساحة الوحدة وموقعها فقط، وإنما إلى البيئة التي تحيط بها، والخدمات المتاحة، وطريقة التنقل، والمساحات العامة، وقابلية المنطقة للنمو مستقبلًا، وتظهر هذه الفكرة أيضًا داخل المشروعات الجديدة في المدينة، ففي مشروع “جود” مثلًا، تشير بيانات وزارة الإسكان والتخطيط العمراني إلى أنه يضم 7,746 وحدة سكنية بين الفلل والعمارات، مع تخصيص نحو 50 % من المساحة الكلية للمسطحات الخضراء والمناطق المفتوحة، في مقابل مساحات بنائية لا تتجاوز 15% من مساحة التطوير.
هذه النسب تقدم للمستثمر مؤشرًا على نوع المنتج الذي تحاول التجربة العمرانية العُمانية تطويره، فهي تجربة كثافة عمرانية محسوبة، ومساحة أكبر للبيئة المفتوحة، وربط قيمة العقار بجودة المكان المحيط به.

“صروح” صورة أخرى للمجتمع السكني

بعد المدن المستقبلية، تأتي مشاريع “صروح” ضمن أولويات العرض في لندن، وهنا تظهر صورة أخرى من التحول العمراني، تقوم على تطوير أحياء سكنية متكاملة بدل التعامل مع الوحدة السكنية منفصلة عن محيطها.
وفي مايو 2026، أعلنت وزارة الإسكان والتخطيط العمراني توقيع خمس اتفاقيات لتطوير أحياء سكنية متكاملة ضمن “صروح” في محافظات مسقط والداخلية وجنوب الباطنة وشمال وجنوب الشرقية، بقيمة استثمارية تتجاوز 123 مليون ريال عُماني، توفر 2,167 وحدة سكنية.
يمكن ملاحظة أن الصورة التي تخرج إلى لندن متعددة المستويات: مدينة جديدة واسعة النطاق من جهة، وأحياء ومجتمعات سكنية متكاملة موزعة على المحافظات من جهة أخرى.

هل هذه هي الهوية العقارية الجديدة لعُمان؟

لا تنفصل هذه المشروعات عن توجه أوسع رسمته رؤية عُمان 2040؛ إذ تضع الرؤية “تنمية المحافظات والمدن المستدامة” ضمن أولوياتها، وتستهدف مدنًا ذكية ومستدامة ونابضة بالحياة، بجودة عمرانية مرتفعة للمعيشة والعمل والترفيه، مع وسائل نقل متنوعة وبنية أساسية مستدامة.
كما توضح وزارة الإسكان والتخطيط العمراني أن محفظة المدن المستقبلية تتجه إلى توفير بيئات سكنية متكاملة وفرص استثمارية وخدمات مستدامة، ولا تتوقف عند مسقط؛ إذ تشمل المشروعات المعلنة نماذج في مناطق أخرى مثل مدينة صلالة المستقبلية، إلى جانب مشروعات التطوير الحضري في العاصمة.
ومن هنا، فإن اختيار عدد محدود من المشروعات لواجهة لندن يحمل أهمية تتجاوز المشاركة في معرض عقاري؛ لأن كل مشروع مختار سيصبح جزءًا من الصورة التي يتعرف من خلالها المستثمر الدولي إلى السوق العُماني.
والتحدي هنا أن تكون تلك الصورة واضحة متمثلة في: عقار مرتبط بمدينة، ومدينة مرتبطة بجودة الحياة والاستدامة والهوية، واستثمار يتحرك داخل رؤية عمرانية طويلة المدى.
فإذا نجحت المشاريع المعروضة في نقل هذه العناصر إلى المستثمر، فإن “عيش عُمان” سيقدم في لندن ما هو أبعد من قائمة عقارات؛ سيقدم تصورًا لما يمكن أن تكون عليه المدينة العُمانية بوصفها منتجًا استثماريًا قابلًا للمنافسة والتسويق خارج الحدود.

شارك هذا الخبر