حين يتغير الطفل.. هل نسمع ما يحاول قوله؟

تساعد ملاحظة تغير سلوك الطفل والإنصات إلى مشاعره على فهم ما يزعجه، فيما تستدعي الأعراض المستمرة أو المؤثرة في حياته تقييمًا من مختص ودعمًا أسريًا آمنًا.

عن الكاتب

أحمد الشبيبي
أحمد الشبيبي

استشاري علاقات أسرية

حين يتغير الطفل.. هل نسمع ما يحاول قوله؟
الأسرة
أثير- أحمد بن عبدالله الشبيبي
خبير الاستشارات الاسرية
يعود الطفل من المدرسة صامتًا على غير عادته. تسأله أسرته عن يومه فيجيب: “عادي”. وفي الأيام التالية، يرفض الذهاب إلى المدرسة، أو يغضب لأسباب تبدو صغيرة، أو يمضي وقتًا أطول وحده. قد ينشغل الأبوان بتصحيح سلوكه، بينما يحتاج الطفل أولًا إلى من يسأله بهدوء: ماذا حدث؟ وكيف تشعر؟
يتعلم الأطفال التعبير عن مشاعرهم تدريجيًا. بعضهم يستطيع أن يقول إنه خائف أو حزين، وبعضهم يُظهر ذلك في سلوكه: بكاء متكرر، أو تعلق شديد بوالديه، أو تراجع دراسي، أو اضطراب في النوم. وقد يشكو الطفل من ألم في بطنه قبل المدرسة، من دون أن يعرف كيف يصف القلق الذي يشعر به. لذلك فإن الإصغاء إلى الأبناء يبدأ بملاحظة ما تغير في حياتهم، ثم الحديث معهم من غير توبيخ أو استعجال.
وليس كل حزن اكتئابًا ولا كل خوف اضطرابَ قلق. فالأطفال يمرون بمواقف صعبة ويختلفون في طريقة استجابتهم لها. لكن استمرار التغيرات، أو اشتدادها، أو تأثيرها في الدراسة واللعب والعلاقات، يستدعي اهتمامًا أكبر وتقييمًا من مختص. ونؤكد هنا أهمية طلب المساعدة حين تستمر الأعراض وتؤثر في حياة الطفل اليومية.
من الحالات التي قد تغيب عن انتباه الأسرة الاكتئاب لدى الأطفال والمراهقين. فقد يظهر في صورة حزن مستمر، لكنه قد يظهر أيضًا في صورة تهيج وغضب، أو انسحاب من الأصدقاء، أو فقدان الاهتمام بما كان الطفل يستمتع به. وقد تتغير شهيته أو نومه، ويضعف تركيزه. وحين نصفه بالكسل أو سوء المزاج قبل أن نفهم ما يمر به، قد نفوّت فرصة مساعدته.
أما القلق، فقد يظهر في خوف شديد من الابتعاد عن الوالدين، أو انشغال متكرر بسلامتهما، أو تجنب المدرسة والمواقف الاجتماعية. ومن المهم أن ينتبه الأبوان إلى شعور الطفل خلف تصرفه. فالطفل الذي يرفض الذهاب إلى المدرسة قد يكون قلقًا من الانفصال عن أسرته، أو من موقف يواجهه فيها. معرفة السبب تساعد الأسرة على اختيار استجابة مناسبة، بدل أن يتحول الصباح كل يوم إلى صراع.
وقد يترك الحدث الصادم أثرًا يحتاج إلى عناية خاصة. فالطفل الذي شهد حادثًا أو تعرض للعنف قد تراوده كوابيس، أو يتجنب ما يذكره بالحادث، أو يصبح سريع الفزع. ويعبّر بعض الأطفال الأصغر سنًا عن تجربتهم في اللعب أو يعودون إلى سلوكيات تجاوزوها سابقًا. هنا يحتاج الطفل إلى الأمان وإلى وقت يعبر فيه بطريقته. ولا يفيده الضغط عليه ليروي ما حدث قبل أن يكون مستعدًا
تبدأ علاقة الدعم بأشياء يستطيع الأبوان فعلها كل يوم: تخصيص وقت للحديث، وطرح أسئلة مفتوحة، والإنصات إلى الإجابة حتى لو بدت بسيطة. يمكن أن يقول الأب لابنه: “لاحظت أنك لم تعد ترغب في اللعب مع أصدقائك، وأريد أن أفهم ما يزعجك”. هذه العبارة تفتح باب الحوار أكثر من سؤال يحمل اتهامًا أو حكمًا جاهزًا. ويساعد انتظام النوم والأنشطة المحببة ووجود وقت مشترك بين أفراد الأسرة على منح الطفل شعورًا بالاستقرار.
وحين يحتاج الطفل إلى علاج، يظل دور الأسرة أساسيًا. فالتقييم المهني يجمع ما يرويه الطفل مع ملاحظات والديه ومدرسته، ثم يحدد المساعدة المناسبة له. وقد يشمل العلاج تدريب الطفل على فهم أفكاره ومشاعره والتعامل مع المواقف التي تقلقه، مع إرشاد الوالدين إلى كيفية دعمه. وإذا تحدث الطفل عن إيذاء نفسه، أو ظهرت عليه علامات خطر مباشر، فيجب طلب المساعدة الطبية العاجلة.
علاقة الأب بأبنائه لا تُقاس بعدد الأوامر التي يطيعونها، بل بقدرتهم على الرجوع إليه حين تضيق بهم الأمور. وقد تكون أهم جملة يسمعها الطفل في يوم صعب: “أنا هنا، وسأستمع إليك”

شارك هذا الخبر