رصد - أثير
في صباح الأول من نوفمبر 2020م، رنّ هاتف سيدة برسالة عبر تطبيق “واتساب”، وكانت الرسالة قصيرة وعادية في ظاهرها، تخبرها بأن فريقًا من وزارة الصحة سيزور المنزل لإجراء فحص لكوفيد-19.
في ذلك الوقت، كان الوباء يفرض إيقاعه على العالم، وكانت الرسائل الصحية والكمامات والقفازات والرداء الأبيض جزءًا من المشهد اليومي، ولم يكن يدور في ذهن المرأة أن تلك الرسالة لم تكن موعدًا لفحص طبي، بل بداية خطة ستنتهي بجريمة مروعة.
هذه القصة، التي نشرتها مجلة “المجتمع والقانون” في عددها الثامن عشر الصادر عن الادعاء العام، تكشف قصة ثقة خُنقت، في فترة كان الناس ينتظرون الفرق الطبية بقلقٍ ممزوج بالرجاء، وجريمة استُخدمت فيها الثقة الإنسانية سلاحًا قاتلًا.
خطة بدأت قبل أكثر من شهرين
لم تكن الجريمة وليدة ذلك الصباح، فمنذ أكثر من شهرين، بدأت الفكرة تنمو داخل رأس (أ. م)، الذي كان يعرف الضحيتين، ويعرف أن المنزل لا يسكنه سوى أم وابنتها، كما خُيّل له وجود مال ومقتنيات ثمينة داخله. والطمع، وإن بدأ صغيرًا، نادرًا ما يتوقف عند السرقة؛ فشيئًا فشيئًا، تحولت الفكرة إلى خطة، ثم إلى نية قتل، ثم إلى شيء أكثر بشاعة
استغل الجانيان حالة الخوف التي كان يعيشها المجتمع بسبب الجائحة، وقررا التخفي خلف أكثر صورة يثق بها الناس: الطبيب والرداء الأبيض. زوّرا بطاقة تعريفية، واشتريا الزي الطبي الأبيض والقفازات والأقنعة، وأتقنا تفاصيل المشهد بعناية مرعبة، كأنهما يستعدان لدور تمثيلي، ثعلبان يرتديان الأبيض.
حين أُغلق الباب
طرقات هادئة على الباب، فتحت السيدة (ت. ج) الباب بثقة، وربما ببعض الامتنان، فالفريق الطبي جاء إلى منزلها، ووفر عليها عناء الخروج في زمن كان الناس يخشون فيه مجرد الاقتراب من بعضهم.
وقف أمامها شابان يرتديان الزي الطبي الأبيض، مع البطاقة المعلقة التي تبدو رسمية، وبنظرات ثابتة وكلمات مطمئنة، فبُني جسر قاتل من الثقة، ودخلا إلى الشقة، وطلبا من الابنة (ر. ن) البقاء في غرفتها حتى ينتهيا من فحص والدتها، فيما دخلا غرفة الأم.
وهناك سقط الرداء الأبيض، لا عن جسديهما فقط، بل عن إنسانيتهما، وتلبسهما السواد الدامس. طلبا منها الاستلقاء على السرير، وإرجاع رأسها إلى الخلف، وإغلاق عينيها لإتمام الفحص، وما إن فعلت ما طلباه منها حتى هبطت الضربة الأولى، ضربة مباغتة على العنق، أعقبها صراع مكتوم، ويدان تطبقان على أنفاس امرأة أدركت، متأخرة، أنها فتحت بابها لشياطين الموت.
انتهت حياة أم كانت تظن أنها تستقبل ملائكة الرحمة، أما الجريمة فلم تنتهِ بعد، إذ توجها بعدها إلى الابنة، التي كانت لا تزال تظن أن الأمر مجرد فحص روتيني، وبالخدعة ذاتها،وطلبا منها الاستلقاء بالطريقة ذاتها، لكن النهاية هنا كانت أكثر بشاعة؛ قاومت وارتبكت، وارتفع الخوف في عينيها فجأة، وفي المقابل تضاعفت الوحشية، وتوالت الضربات، ويد تخنق الصوت، وأخرى تطبق على الأنفاس، حتى سكن كل شيء.
راع المتهمين هول المشهد، وأرادا إتمام خطتهما بالاغتصاب، لكنهما لم يستطيعا، ليس رحمةً، بل إن القتلة أحيانًا يفزعهم ما صنعت أيديهم. لفّا الجثتين بأغطية السرير، وسرقا الهواتف والبطاقات البنكية والمبالغ المالية، ثم حملا الجسدين إلى السيارة، وفي مكان معتم أسفل إحدى البنايات، تُركت الحقيقة داخل صندوق المركبة المغلق؛ جثتان، وصمت ثقيل، ورائحة الموت، وجريمة بشعة تنتظر من يكتشفها.
حين تكلمت الأدلة
مرت الأيام إلى أن لاحظ أحد السكان مركبة تنبعث منها رائحة كريهة، فأبلغ الشرطة، وكان بلاغ واحد كافيًا لتحريك العدالة. حضرت فرق شرطة عُمان السلطانية بالتنسيق مع الادعاء العام، وفُتحت المركبة، فتتكشفت الجريمة كاملة.
تحركت فرق البحث والتحري، وخبراء مسرح الجريمة، والمختصون بالأدلة الفنية، وبدأت أجهزة المراقبة تتكلم، والرسائل تنطق، والخطوات تفضح أصحابها. ظهرت تسجيلات شراء الملابس الطبية، وانكشف مصدر الرسالة المزيفة، وتتابعت الأدلة حتى أحكمت الدائرة حول الجناة. وحين وُجّه المتهمان بالأدلة، انهارت الكلمات أمام القصة السوداوية كاملة؛ اعترافات متطابقة، وأدلة فنية دامغة، وتقارير طب شرعي لا تترك مجالًا للشك.
أحال الادعاء العام القضية إلى القضاء، وفي النهاية، قال القانون كلمته الأخيرة. صدر الحكم بالإعدام على أحد المتهمين، وبالسجن المطلق على الآخر، وتم الطعن على الحكم الصادر أمام المحكمة العليا التي بدورها أيدته، لتغلق العدالة آخر فصول القضية.
ماذا يقول القانون العُماني في الإعدام، وما المراحل التي يمر بها؟
ووفق زاوية قانونية نشرتها “أثير” سابقًا، يحدد قانون الجزاء العُماني حالات مشددة قد تستوجب الحكم بالإعدام في جناية قتل النفس، من بينها سبق الإصرار أو الترصد، أو قتل أحد أصول الجاني، أو استخدام التعذيب أو مادة سامة أو متفجرة، أو ارتكاب القتل تمهيدًا لجناية أو جنحة أو مقترنًا أو مرتبطًا بهما، أو قتل موظف عام أثناء تأدية وظيفته أو بسببها، أو القتل لسبب دنيء، أو قتل شخصين أو أكثر، وذلك وفق المادة (302).
ولا يصدر حكم الإعدام من محكمة الجنايات إلا بإجماع الآراء، وقبل صدوره تُحال أوراق القضية إلى لجنة تضم مستشار الدولة للشؤون الجزائية، ومستشار الدولة للشؤون العدلية، وسماحة المفتي العام لسلطنة عُمان لإبداء الرأي من الناحية الشرعية، وإذا لم يتحقق الإجماع تُستبدل عقوبة الإعدام بالسجن المطلق.
وبعد صدور الحكم، يمر بمراحل الطعن القضائي حتى تفصل فيه المحكمة العليا ويصبح نهائيًا، ولا يجوز تنفيذ عقوبة الإعدام إلا بعد التصديق عليه من جلالة السلطان، ليكون التصديق المحطة الأخيرة قبل البدء في إجراءات التنفيذ.





