أثير- زنجبار
متابعة - د. محمد بن حمد العريمي
أكد الدكتور محمد بن مبارك العريمي رئيس جمعية الصحفيين العُمانية أن الملتقى الصحفي العُماني التنزاني يمثل فرصة لفتح صفحة جديدة من التعاون الإعلامي والثقافي بين سلطنة عُمان وزنجبار، مستندًا إلى تاريخ طويل من الروابط الإنسانية والحضارية التي صنعها البحر والتجارة والهجرة والتفاعل الثقافي بين الجانبين.
جاء ذلك في كلمة ألقاها خلال الملتقى الصحفي العُماني التنزاني في زنجبار، بحضور معالي رزيقي بيمبي جمعة وزيرة الإعلام والثقافة والرياضة راعية الملتقى، وسعادة سعيد بن سالم بن حمد السناوي القنصل العام لسلطنة عُمان في زنجبار، وعدد من أصحاب المعالي والمسؤولين، إلى جانب الصحفيين والإعلاميين المشاركين من سلطنة عُمان وزنجبار.

زنجبار.. ذاكرة مشتركة
استهل رئيس الجمعية كلمته بالتأكيد على المكانة الخاصة التي تحتلها زنجبار في الذاكرة العُمانية، مشيرًا إلى أنها بالنسبة للعُمانيين ليست مجرد مكان على الخريطة، وإنما “صفحة حية من تاريخنا، وذاكرة مشتركة ما زالت تفاصيلها حاضرة في المكان والإنسان واللغة والثقافة”.
وأوضح أن الوفد العُماني المشارك في الملتقى يضم إلى جانب الصحفيين والإعلاميين أساتذة من الجامعات العُمانية ومسؤولين من مؤسسات رسمية وخاصة، وأن حضورهم إلى زنجبار يأتي إلى أرض كانت ولا تزال واحدة من أهم الجسور التي ربطت سلطنة عُمان بشرق أفريقيا.
وقال إن البحر لم يكن حاجزًا بين الجانبين، بل تحول على مدى قرون إلى جسر للتواصل، مضيفًا: “عندما يصبح الإنسان والبحر ذاكرةً متأصلة، لا تعود المسافة فاصلة بين الشعوب، وهذا هو حال العلاقة بين عُمان وزنجبار”.
وأشار إلى أن البحر الذي يفصل جغرافيًا بين عُمان وزنجبار كان طريقًا مفتوحًا عبره العُمانيون إلى سواحل شرق أفريقيا، وانتقلت من خلاله التجارة والثقافة واللغة والعادات والأفكار، ومعها الإنسان بما يحمله من قيم ومكونات ثقافية واجتماعية.

الصحافة حارسة للذاكرة
من هذا التاريخ انتقل رئيس جمعية الصحفيين العُمانية إلى الحديث عن مسؤولية الصحافة، مؤكدًا أن دورها لا يقتصر على تسجيل أحداث الحاضر، بل يمتد إلى حفظ ذاكرة المجتمعات ونقلها إلى الأجيال المقبلة.
وقال: “الصحافة لا تحفظ الحاضر فقط، وإنما تستطيع أن تحفظ الذاكرة، والذاكرة إذا لم تجد من يرويها يمكن أن تتراجع وتختفي مع مرور الزمن”.
واستحضر في هذا السياق تاريخ الصحافة في زنجبار، مشيرًا إلى الحضور المبكر للكلمة الصحفية والأدبية فيها، وظهور عدد من الصحف التي ارتبطت بالحراك الثقافي والفكري، ومن بينها “النجاح” و“الفلق” و“النهضة” و“المرشد“.

وعقد مقارنة بين وسائل التواصل قديمًا وحديثًا، قائلًا: “إذا كان أجدادنا قد عبروا البحر بالسفن، فإننا نعبره اليوم بالكلمة الصادقة. هم كانوا يحملون الرسائل من ميناء إلى ميناء، ونحن نحملها اليوم عبر الصحف والقنوات والمنصات الرقمية”.
وأضاف أن الرحلات التي كانت تستغرق أشهرًا في الماضي أصبحت اليوم تختصر في لحظات بفضل تقنيات الاتصال الحديثة، وهو ما يضع الإعلاميين أمام مسؤولية الاستفادة من هذه الإمكانات في تعزيز التقارب بين الشعوب.
قراءة موضوعية للتاريخ
أكد رئيس جمعية الصحفيين العُمانية أن النظرة إلى العلاقة التاريخية بين عُمان وزنجبار ينبغي أن تقوم على فهم التفاعل الإنساني الذي صنعها، بعيدًا عن حصر زنجبار في كونها محطة من تاريخ عُمان، أو اعتبار التاريخ المشترك ملكًا لطرف دون الآخر.
وأوضح أن هذا التاريخ تشكّل عبر التفاعل بين الإنسان العُماني والإنسان الأفريقي، وبين البحر والمدينة، وبين التجارة والثقافة، وبين الهجرة والاستقرار.
وأضاف أن المسؤولية اليوم “ليست في تمجيد الماضي أو الوقوف عنده، وإنما في فهمه بصورة موضوعية، والاستفادة منه لبناء مستقبل أكثر قربًا وتعاونًا”.
إعلام سريع التغير
تناولت كلمة رئيس الجمعية كذلك التحولات المتسارعة التي تشهدها صناعة الإعلام، إذ أكد رئيس الجمعية أن الملتقى يأتي في توقيت مهم في ظل تغير المشهد الإعلامي بصورة غير مسبوقة.
وأوضح أن الصحافة لم تعد تقتصر على صحيفة تصدر صباحًا، بل أصبحت الصورة خبرًا، والفيديو قصة، والمنصة الرقمية غرفة أخبار مفتوحة على العالم، وهو ما يفرض على الصحفي أن يكون أكثر قدرة على التحقق من المعلومات، وأكثر وعيًا بالمتغيرات التقنية، وأكثر مسؤولية في التعامل مع المعلومة.
ومن هنا، شدد على أن التعاون الإعلامي العُماني التنزاني ينبغي ألا يقتصر على استعادة الماضي، وإنما يجب أن يتجه بصورة واضحة نحو المستقبل.
تدريب وصحافة رقمية ومواجهة التضليل
حدد رئيس الجمعية عددًا من المجالات التي يمكن أن تشكل أساسًا للتعاون المقبل، وفي مقدمتها تبادل الخبرات، وفتح المجال أمام الصحفيين الشباب، والتعاون في التدريب والصحافة الرقمية والتحقق من المعلومات ومواجهة التضليل الإعلامي.
كما دعا إلى إنتاج قصص صحفية مشتركة تسهم في تعريف العالم بتاريخ عُمان وتنزانيا وثقافتهما ومجتمعاتهما، مؤكدًا أهمية الانتقال من استخدام الإعلام للحديث عن العلاقات بين الجانبين إلى توظيفه أداةً لتطوير هذه العلاقات وتعميقها.
وأكد أن جمعية الصحفيين العُمانية تنطلق من إيمانها بأن الصحافة تستطيع أن تقوم بأدوار تتجاوز نقل الأخبار، إذ يمكنها حفظ الذاكرة وفتح نوافذ الحوار وتقريب المسافات وتعريف الشعوب بعضها ببعض، وصناعة جسور للتواصل الإنساني والثقافي.
“جئنا لنكتب معكم قصة جديدة”
أكد رئيس جمعية الصحفيين العُمانية أن الملتقى يمثل انطلاقة لصفحة جديدة تستلهم الماضي دون أن تبقى أسيرة له، وتتجه نحو بناء علاقات إعلامية وإنسانية أكثر اتساعًا في المستقبل.
وخاطب الصحفيين والإعلاميين في زنجبار قائلًا: “نحن لم نأتِ إلى زنجبار لنستعيد قصة قديمة فقط؛ بل جئنا لنكتب معكم قصة جديدة. قصة عنوانها الصحافة، ومضمونها الإنسان، وجسرها البحر، وروحها الصداقة التي تجمع عُمان وتنزانيا”.
وأعرب في ختام كلمته عن أمله في أن يشكل الملتقى بداية مرحلة جديدة من التعاون بين الصحفيين والإعلاميين في سلطنة عُمان وزنجبار، وأن تتجاوز نتائجه حدود اللقاء والذكريات إلى الخروج بأفكار ومشروعات وشراكات تستمر بعد انتهاء أعماله، مختتمًا كلمته بالقول: “أهلًا بكم في هذا الملتقى، وأهلًا بنا بين أهلنا وأصدقائنا في زنجبار”.





