أثير - عبدالله العريمي
تتخلق مخيلة الأديب في المكان الأول؛ حيث تلتقي طفولة الحواس بامتدادها، ويصبح المكان هو المعراج الضوئي الذي تتشكل فيه الأشكال والأصوات لتتسرب بعد ذلك إلى دماء الكتابة، فتكون كل المدن هي مركز الكون ومدار المعنى لكل فرد على هذه الأرض، وحين نكبر نكتشف أننا مهما كتبنا عن المدن التي تسحرنا بعظمتها، فإننا لا ننظر إليها سوى من عدسة البيت الأول.
كبرنا فأدركنا أن تلك الطفولة المستسلمة للدهشة البكر ودفقة الإحساس ما هي إلا الفلسفة الصافية للأشياء التي تفيض بغرائبيتها، قبل أن نسجنها نحن في قفص التعاريف، فقد كنا نبصر الأشياء بعيون القلب لا بتبويب القواميس، وإن كان الوقوف على خط الاستواء بين الدهشة الصافية ودقة التسمية حيرة كبرى، إلا أنها متعة أيضا ونسيج بين تذكر ذلك الفيض الحسي وتأطيره بما يمكن أن يصفه.
في مدينة صُور كانت الطفولة الأولى تُشكّل استعارات الحنين الذي يولد من كل شيء إلى كل شيء من أبدية الموج، وأسطورية المكان تولد من السفن النائمة على صفحات الماء، وتفوح من كل منزل مضمخ بذَهب القرآن وروائح اللبان عند الفجر، وأصوات الآذان التي تنتشر في الأفق لتمد خيوطا من طمانينة، بين البشري المؤقت والسماوي المطلق، مما يجعل من كل حارة مخطوطا غائرا في القدم، ومن كل زاوية فماً ينادي.
كان كل شيء يُملي إيقاع اللغة الأولى ويؤثث قصيدته التي لم تكتب بعد، كل شيء يصنع دلالته ويوجّه الوجود، والآن على الكلمات ان نكون حارسة لحُرمة الذاكرة الجمعية، وأن تستعيد سحرية ما غاب بهذه الكائنات الحبرية التي نسميها كلمات، الكلمات التي ترشّها تفاصيل المكان بكامل طفولته على عوالمنا الداخلية. وهكذا، يتبيّن أن المكان الأول يظل شرط وجودنا الذي يمنح الوعي شرعيته، والعودة إليه عبر الكلمات هي ممارسة لمعنى الوجود.
إننا حين نكتب عن مدننا الأولى، نحرر وجودنا من جريان الزمان، ونضرب حوله طوق أمان يحفظه من خطر الفناء، وإن كان بشكل رمزي، فتلك التفاصيل الصافية هي ما يصخ ماء الحياة في أرواحنا، والكتابة عنها محاولة للقبض على لحظة الاستواء واستجوابها لنعرف كيف استطاعت ان تصالح كبرياء الدهشة الأولى مع ومضات الوعي، إلى أن غدت اللغة جغرافيتنا العصية على المحو.






