أثير- عبدالله العريمي
عندما نتأمل المشهد الروائي، تتجه الأنظار نحو القوالب الجاهزة في قراءة النصوص، فتغيب تلك الطبقات الباطنية التي تخبئها الحكاية في تضاعيفها، وهنا تقدّم رواية " الأرض المحرّمة " للروائي العماني خالد المخيني نموذجا إبداعيا يتعدّى حدود السرد التقليدي، مستنطقة أبعادا فلسفية تتسرّب من شقوق المكان، وتفتح أفقا أرحب للرؤية.
صحيح أني تأخرتُ عن موعد الكتابة، غير أن ذلك لم يكن سوى استسلام لندائها الخفي، فالنصوص العالية لا تُقرأ ارتجالا، والتأنّي في الانتقال بين تفاصيلها لا يزد الرؤية إلا وضوحا. إنه إغواء المعنى الذي يفرضه نصّ لا يقنع من القارئ إلا بالإقامة الدائمة، وإعادة التفكير في مفاهيمه الخاصة عن الحياة، والجمال، والإنسان.
في " الأرض المحرّمة " لم يقف خالد المخيني عند حدود المأساة الفردية، بل جعل من الرواية قضية وجودية والتفاتا سرديا نحو مراياه الداخلية؛ حين يتحوّل البطل “أيمن” من كائن تمرّ به الأحداث إلى مؤرخ يرمم عوالمه الداخلية بالتدوين، مؤمنا أن الكتابة هي التجسيم الأمثل للحياة، وأن النسيان هو الموت الذي لا مفر من مغالبته بالكلمات، لذلك غدا السرد في " الأرض المحرّمة " استجابة وجودية تناهض النسيان، وأصبح التلقي ارتقاء جماليا إلى سماء المعنى.
إن انتقال بطل الرواية " أيمن " من حارس لمنارة تُبعده عن محيطه الاجتماعي إلى مؤرخ لذاكرة المدينة، يُمثّل ولادة جديدة لمفهوم الكتابة باعتبارها تعافيا وخلاصا من الوجع والانكسار، فقد تحولت العزلة على حافة تلك الجزيرة الصغيرة إلى طاقة إنتاجية هائلة تعيد هندسة الذاكرة التاريخية للمكان، وأصبح التأريخ امتدادا للوجود الإنساني، وتخليدا لهمس التاريخ الذي قاده الفراغُ إليه.
كما يتجلى افتنان سردي في المزج بين التأمل الجمالي والتشويق النفسي، إذ استثمر “خالد المخيني” لغز مقتل الحارس السابق باعتباره محفزا دراميا، ليتخذ منه القارئُ نافذة تأملية نحو أعماق النفس، وأسرار المكان. إضافة إلى هذا جاءت " الأرض المحرّمة " منسوجة بإشراقات فنية ومعامل لغوية مذهلة، فالزمن، مثلا، هو زمن نفسي لا يقاس بالتوقيت البشري، فقد تداخلت الذاكرة فيه باللحظة المُعاشة، مما منح الكاتب فرصة اجترار الماضي لمواجهة عزلته، وأما اللغة، لفرط شاعريتها، فقد ساهمت في التوسع الدلالي للمفردات، حيث أصبحت كل مفردة رمزا للوجع الإنساني.
في تقديري، تمكّن خالد المخيني من إضاءة مسرح الأحداث ببراعة، ليرصد كيف ينتهي المكانُ إلى صياغة وعي الإنسان ويرسم ملامح سلوكه، ويحدد علاقته بالزمن والذاكرة، فقد أصبحت الجزيرة أفقا شعوريا تُختبر فيه قدرة الإنسان على مواجهة الذات بمعزل عن أي تأثير، وبذلك تجردت الجزيرة من جغرافيتها لتصبح معادلا نفسيا لعوالمه الداخلية، يستحيل فيها المد والجزر إلى إيقاع يناظر الخوف والقلق والأسئلة الكبرى التي سكنت " أيمن “.
بهذا البعد الفلسفي ترتقي " الأرض المحرّمة " فوق أطر السرد الذي اعتدنا عليه، للأسف’ في الكثير من الأعمال الروائية العربية الحديثة، لتكون وثيقة فكرية تعلن عن كسر الاستسهال السائد الذي بدأ يمد ظلاله على المشهد الروائي العربي، وثيقة تؤكد أن الكلمة فعل خلاص، وأن الفقد والحزن هما العتبة الأولى لإعادة اكتشاف العالم، وأنا هنا لا أسعى إلى تفكيك حبكة هذه الرواية، ولا أقف موقف سدنة المعنى عند أبوابها، ولكنني حاولت فقط أن أتلمّس الضوء العابر من تلك العزلة، وأتتبع أثر نصّ يرفض أن يكون مجرد رقم في قائمة المكتبة.
إن رواية " الأرض المحرّمة " تدعونا ببعديها الفلسفي والأنثروبولوجي، إلى قراءة حقيقية بعيدا عن سرعة الارتجال ونمطية الانطباع الأول، نحو تعاط نقدي يفكك العوالم التحتية لكل عمل أدبي، تماما كهذه الرواية التي كانت مهمة بطلها، الذي أراهن على أنه الكاتب، أن يرسل الضوء إلى الآخرين بينما يتغذى هو على العتمة، فقد كان خالد المخيني أو " أيمن " مكلّفا بحراسة الحد الفاصل بين عالمين، عالم العتمة الذي ظلّ رهينها، ومعزولا فيها، وعالم الضوء الذي يصنعه للآخرين ولا يملكه، وما أحوجنا إلى نقد فذّ يرفع الستار عن صانع الضوء الذي أقام في قلب العتمة.






