هل ستنشئ سلطنة عُمان احتياطيًا استراتيجيًا من الحبوب خارج حدودها؟

اقترحت الشركة الوطنية الكازاخستانية إنشاء مخزون حبوب مخصص لسلطنة عُمان داخل بلد الإنتاج، مع دراسة توريد 200 ألف إلى 500 ألف طن سنويًا وتنويع مصادر الأمن الغذائي.

هل ستنشئ سلطنة عُمان احتياطيًا استراتيجيًا من الحبوب خارج حدودها؟
منتدى الأعمال العماني الكازاخستاني
رصد – أثير
هل تتجه سلطنة عُمان إلى إنشاء احتياطي استراتيجي من الحبوب خارج حدودها؟ سؤال تطرحه مبادرة كازاخستانية جديدة، كُشف عنها خلال زيارة “دولة” قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه إلى جمهورية كازاخستان. وتضمنت المبادرة مقترحًا بإنشاء مركز للحبوب واحتياطي استراتيجي مخصص لسلطنة عُمان داخل الأراضي الكازاخستانية، إلى جانب إمكانية إبرام عقود طويلة الأجل لتوريد مئات الآلاف من الأطنان سنويًا.
وبحسب ما رصدته “أثير”، فقد طرح المقترح أسيلخان جواشيف رئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية الكازاخستانية “برودكوربوراسيا Prodcorporation” خلال منتدى الأعمال العُماني الكازاخستاني الذي أُقيم في العاصمة أستانا.

ما تفاصيل المقترح الكازاخستاني؟

يتضمن المقترح إنشاء مركز للحبوب وصندوق احتياطي استراتيجي داخل كازاخستان، يُخصص لتلبية احتياجات سلطنة عُمان، بدلًا من الاعتماد على شحن جميع الكميات المشتراة مباشرة إلى السلطنة.
ووفقًا لرئيس الشركة الكازاخستانية، فإن الآلية المقترحة تتيح تكوين مخزون من الحبوب مسبقًا داخل الدولة المنتجة، وشراء الكميات المطلوبة خلال الفترات التي تكون فيها ظروف السوق والأسعار أكثر ملاءمة، ثم شحنها إلى سلطنة عُمان عند الحاجة.
وأوضح جواشيف أن هذه الآلية من شأنها أن توفر للجانب العُماني فرصة إضافية لتنويع مصادر الإمدادات الغذائية وتعزيز الأمن الغذائي الوطني، داعيًا المستثمرين وممثلي الجهات الحكومية والشركات الغذائية العُمانية إلى بحث تطوير مشروعات مشتركة مع قطاع الأعمال الكازاخستاني، ومن بينها إنشاء المركز والاحتياطي الاستراتيجي المقترحين.
وبذلك، يقوم المقترح على الاحتفاظ بكميات من الحبوب داخل بلد الإنتاج، بما يتيح للجانب العُماني خيارًا إضافيًا في إدارة المشتريات والإمدادات، إلى جانب المخزون الموجود داخل السلطنة.

ما الكميات التي تعرضها كازاخستان؟

لم يقتصر العرض الكازاخستاني على إنشاء مخزون استراتيجي، بل شمل الاستعداد لدراسة إبرام عقود طويلة الأجل لتصدير ما يتراوح بين 200 ألف و500 ألف طن من الحبوب سنويًا إلى سلطنة عُمان، ويمثل هذا الرقم نطاقًا للكميات المطروحة ضمن عقود محتملة، وليس كمية جرى الاتفاق على توريدها بالفعل.
وأكد جواشيف اهتمام شركته بتطوير صادرات مباشرة من الحبوب الكازاخستانية إلى السوق العُمانية، مشيرًا إلى أن الشركة تحتفظ بصورة مستمرة بموارد من الحبوب تتجاوز مليوني طن في كازاخستان، مما يدعم قدرتها على توفير إمدادات مستقرة.
كما أوضح أن كازاخستان حققت خلال الموسم الحالي محصولًا جيدًا من القمح عالي الجودة المعروف باسم «Hi-Pro»، الذي يتميز بارتفاع محتواه من البروتين والجلوتين.
وأبدت الشركة استعدادها لتوفير إمدادات منتظمة من هذا النوع من القمح إلى الشركاء العُمانيين، إلى جانب أنواع أخرى من الحبوب وفقًا لاحتياجات السوق.

ما علاقة المقترح بالموانئ العُمانية؟

ربطت الشركة الكازاخستانية المقترح بتطوير التعاون اللوجستي بين البلدين، مشيرة إلى أن استخدام الموانئ العُمانية يمكن أن يفتح مسارات جديدة أمام المنتجات الزراعية الكازاخستانية للوصول إلى أسواق جنوب آسيا وشرق أفريقيا. وأوضحت أن الاستفادة من الموانئ العُمانية قد تسهم أيضًا في تعزيز موثوقية الإمدادات الغذائية بين آسيا الوسطى ومنطقة الخليج.
وبذلك، يتضمن الطرح الكازاخستاني مسارين للتعاون؛ الأول يتعلق بتوفير الحبوب واحتياطياتها لتلبية احتياجات سلطنة عُمان، والثاني يرتبط بالاستفادة من الإمكانات اللوجستية العُمانية لتوسيع نطاق وصول الصادرات الزراعية الكازاخستانية إلى أسواق أخرى.

الأمن الغذائي في قلب مناقشات المنتدى

لم يكن الأمن الغذائي موضوعًا منفصلًا عن المباحثات الاقتصادية بين البلدين؛ إذ خصص منتدى الأعمال العُماني الكازاخستاني جلسة حوارية لمناقشة بناء سلاسل توريد غذائية مشتركة.
وتضمن المنتدى، الذي نظمته غرفة تجارة وصناعة عُمان والشركة الوطنية الكازاخستانية «كازاخ إنفست» بالتعاون مع جهاز الاستثمار العُماني، جلستين حواريتين.
وجاءت الجلسة الأولى بعنوان “الأمن الغذائي.. بناء سلاسل توريد عُمانية كازاخستانية“، وشارك فيها المهندس ناصر بن خليفة الكندي، الرئيس التنفيذي لصالة “استثمر في عُمان” بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، والمهندس عبد الله بن سالم الفزاري، مدير عام الاستراتيجية والأداء بالشركة العُمانية للاستثمار الغذائي القابضة، إلى جانب ممثلين عن الجهات الحكومية والخاصة في كازاخستان.
وناقشت الجلسة قطاعات الأمن الغذائي والتجارة الزراعية وبناء سلاسل الإمداد العُمانية الكازاخستانية، واستعرضت فرص تطوير التجارة في المنتجات الزراعية والغذائية، وتعزيز التكامل بين الإنتاج والأسواق والخدمات اللوجستية، بما يدعم بناء سلاسل إمداد أكثر كفاءة واستدامة.
أما الجلسة الثانية، فجاءت بعنوان «أنظمة النقل والخدمات اللوجستية كمحركات للتجارة والاستثمار»، وركزت على دور البنية الأساسية والممرات التجارية والخدمات اللوجستية في تعزيز حركة السلع والمنتجات.

هل تمتلك عُمان استثمارات في الحبوب خارج حدودها؟

يأتي المقترح الكازاخستاني في وقت تمتلك فيه سلطنة عُمان حضورًا استثماريًا وتجاريًا في قطاع الحبوب وسلاسل إمدادها على المستوى الدولي. ففي يونيو الماضي، أوضح معالي عبد السلام بن محمد المرشدي، رئيس جهاز الاستثمار العُماني، أن لسلطنة عُمان وجودًا عالميًا في قطاع الأمن الغذائي، مشيرًا إلى أن شركات عُمانية تعمل في تجارة الحبوب، ومملوكة لسلطنة عُمان، توفر ما يتراوح بين 25% و30% من القمح والحبوب التي تستهلكها دول مجلس التعاون الخليجي، ونحو 40% من القمح والحبوب في مصر، وفقًا لما ذكره في تصريحه.
وأشار معاليه إلى أن سلطنة عُمان تمتلك حقوقًا في عدد من الدول المنتجة للحبوب، فضلًا عن استثمارات في سلاسل الإمداد والنقل، إذ أنها تملك في إحدى الدول شركة للقطارات مخصصة لنقل الحبوب، تضم 79 ألف عربة، وفي دولة أخرى 6 آلاف عربة مخصصة لنقل الحبوب إلى موانئ تديرها عُمان، تمتد من وسط آسيا إلى أمريكا الجنوبية.
وأكد معاليه أن امتلاك هذه الحقوق في الحبوب وسلاسل إمدادها يمنح سلطنة عُمان أولوية في الحصول عليها، ويسهم في تعزيز أمنها الغذائي دون الحاجة إلى استنزاف مواردها المائية من خلال التوسع في الإنتاج المحلي.

ماذا تكشف أرقام المطاحن عن المخزون المحلي؟

في المقابل، اتجهت شركات المطاحن العُمانية خلال عام 2026م إلى تعزيز مخزوناتها المحلية من القمح والحبوب، في ظل اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين المرتبطة بالحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وما تبعها من أحداث، من بينها إغلاق مضيق هرمز.
وتكشف جلسات مناقشة الأداء المالي لشركتي المطاحن العُمانية ومطاحن صلالة، التي تابعتها “أثير”، عن إجراءات اتخذتها الشركتان لتعزيز مخزوناتهما والحد من مخاطر نقص الإمدادات.
فقد رفعت المطاحن العُمانية مخزونها إلى نحو 260–261 ألف طن خلال النصف الأول من عام 2026م، مقارنة بنحو 122 ألف طن في الفترة نفسها من العام الماضي.
وبالتزامن مع ذلك، حجزت الشركة 178 ألف طن إضافية من الشحنات المتوقع وصولها خلال الربعين الثالث والرابع من العام، وهي كميات لم تكن ضمن المخزون الموجود فعليًا عند الإعلان عنها.
أما مطاحن صلالة، فرفعت مخزونها بما يعادل نحو 20 يومًا إضافيًا مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتصل القيمة المالية للمخزون إلى 18 مليون ريال عُماني بنهاية يونيو 2026م.
كما أتاحت اضطرابات الإمدادات فرصًا تجارية جديدة للمطاحن العُمانية في صحار، مع زيادة عمليات استيراد القمح والحبوب وتخزينها، ثم نقلها برًا إلى دول مجاورة.

كم تبلغ الطاقة التخزينية للقمح في سلطنة عُمان؟

إلى جانب المخزون الفعلي لدى شركات المطاحن، تتوسع سلطنة عُمان في الطاقة التخزينية المخصصة للقمح.
ففي مايو الماضي، أوضح معالي وزير الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في مجلس الشورى أن احتياجات سلطنة عُمان من القمح تتراوح بين 350 ألفًا و370 ألف طن سنويًا، في حين تبلغ وارداتها نحو 900 ألف طن.
وقال في الجلسة التي تابعتها “أثير”، فإن الطاقة التخزينية -في مايو- تبلغ 160 ألف طن في المطاحن العُمانية بمطرح، و160 ألف طن في صحار، و160 ألف طن في صلالة، بإجمالي يصل إلى نحو 480 ألف طن.
وأشار معاليه إلى وجود خطة للتوسع في الطاقة التخزينية لدى المطاحن العُمانية ومطاحن صلالة، بما يرفع إجمالي القدرة التخزينية في سلطنة عُمان إلى نحو 650 ألف طن خلال عامين، وفقًا للمستهدف المعلن.

ماذا عن أسعار القمح والدعم الحكومي؟

تكتسب فكرة شراء الحبوب وتخزينها في الدولة المنتجة أهمية إضافية عند النظر إلى تقلبات الأسعار وتكاليف الإمداد، وهو أحد الجوانب التي أشار إليها المقترح الكازاخستاني.
فقد أوضحت المطاحن العُمانية خلال مناقشة أدائها المالي أن متوسط سعر القمح خلال النصف الأول من عام 2026م كان أقل من 280 دولارًا للطن، إلا أن الشركة بدأت ترصد أسعارًا أعلى في الشحنات الجديدة، خصوصًا من بعض المناشئ، ومنها القمح الأسترالي الذي تجاوز مستوى 300 دولار للطن.
ويكتسب هذا المستوى أهمية في السوق العُمانية؛ إذ أوضحت الشركة أن آلية الدعم الحكومي للقمح تبدأ عند تجاوز السعر 300 دولار للطن، مؤكدة أن إجراءات الدعم واضحة ومستقرة، ولا توجد تأخيرات في صرف المستحقات.
يطرح المقترح الكازاخستاني إمكانية شراء كميات من الحبوب خلال الفترات التي تكون فيها ظروف السوق والأسعار أكثر ملاءمة، ثم الاحتفاظ بها داخل كازاخستان إلى حين الحاجة إليها.
غير أن تحديد الجدوى الاقتصادية الفعلية لهذا الخيار يتطلب معرفة تكاليف التخزين والنقل والتأمين وآلية إدارة الاحتياطي المقترح، وهي تفاصيل لم تتضح بعد في المعلومات المعلنة

شارك هذا الخبر