أثير – ريما الشيخ
يعود الطفل من المدرسة إلى بيته، يضع حقيبته جانبًا، وبعد حديث قصير مع أسرته يطرح الطلب الذي أصبح مألوفًا في كثير من البيوت “متى تشترون لي هاتفًا؟ أغلب زملائي لديهم واحد”، ثم يضيف حجته سريعًا: أحتاجه حتى أتصل بكم بعد المدرسة، أو إذا حدث شيء طارئ“.
تبدو الحجة بسيطة، ولكن بعد تلك الحجة تأتي الألعاب، ومقاطع الفيديو، ومجموعات الأصدقاء، وبعدها تطبيقات التواصل والمحادثات، وربما أدوات الذكاء الاصطناعي، وهكذا يصبح الهاتف نافذة واسعة يدخل منها الطفل إلى عالم رقمي كامل، بكل ما فيه من محتوى وتواصل وترفيه ومخاطر أيضًا.
متى يكون الطفل مستعدًا لهاتفه الأول؟ وهل هناك عمر مناسب لذلك؟
لا سن قانوني لامتلاك الهاتف
لا يوجد تنظيم في سلطنة عُمان حتى هذه اللحظة يتعامل مع امتلاك الطفل هاتف من عدمه لكن النقاش التنظيمي في بلادنا بدأ يتجه إلى ما يمكن للطفل الوصول إليه من خلال الهاتف. ففي يونيو 2026، طرحت هيئة تنظيم الاتصالات مسودة لائحة لتنظيم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، وكان “السن القانوني للسماح باستخدام المنصات الرقمية” أحد محاورها، إلى جانب التحقق من العمر، والتزامات المنصات، ودور أولياء الأمور والجهات التنظيمية، وأغلقت المشاورة في 16 يوليو 2026، وما تزال منشورة في موقع الهيئة بوصفها مشاورة مغلقة.
واقترحت المسودة منع إنشاء أو الإبقاء على حسابات في منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا، مع إلقاء المسؤولية الأساسية عن الامتثال على مشغلي المنصات، وليس على الطفل أو ولي أمره، لكن هذا الرقم يتعلق بحسابات التواصل الاجتماعي في المسودة، وليس بمنع الطفل من امتلاك الهاتف نفسه.
حماية الأطفال
ولم يبدأ الاهتمام بحماية الأطفال مستخدمي خدمات الاتصالات مع هذه المسودة، ففي عام 2022، تضمنت لائحة تنظيم حقوق المنتفعين بخدمات الاتصالات فصلًا خاصًا بحماية الأطفال مستخدمي خدمات الاتصالات.
وألزمت اللائحة المرخص لهم بتوفير برامج أو معدات أو أجهزة أو تطبيقات تساعد على حماية الأطفال والتحكم في المحتوى، ووضع سياسة لحمايتهم، إلى جانب توفير آليات للإبلاغ عن أي انتهاك لحقوق الطفل أو خصوصيته.
العُمانيون يفضلون سنًا متأخرة
خلال استطلاع سابق للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات، رأى 79% ممن شملهم الاستطلاع أن السن المناسبة لاستخدام الهاتف النقال تبدأ من 15 سنة فأكثر، وارتفعت النسبة إلى 85% بالنسبة لوسائل التواصل الاجتماعي، فيما بلغ متوسط العمر الذي عده المشاركون مناسبًا 17 سنة لكل منهما.
وفي استطلاع أحدث للمركز حول استخدام الأطفال لتطبيقات التواصل الاجتماعي في 2024، بلغت نسبة الأطفال الذين يستخدمون تطبيقات التواصل الاجتماعي 78%، وكان 58% منهم يستخدمونها يوميًا، بينما رأى المشاركون أن متوسط العمر المناسب لبدء استخدامها هو 16 عامًا.
وبلغ متوسط استخدام الأطفال لهذه التطبيقات نحو ساعتين وربع يوميًا، وكان يوتيوب التطبيق الأكثر استخدامًا بينهم بنسبة 82%، يليه واتساب بنسبة 47%، ثم إنستغرام بنسبة 31%.
الهاتف موجود أصلًا
في دراسة نفذتها وزارة التنمية الاجتماعية بالتعاون مع جمعية الاجتماعيين العُمانية في 2020 يتضح بأن الهاتف متناول كثير من الأطفال، وشملت 2246 طالبًا وطالبة تتراوح أعمارهم بين 10 و18 عامًا في مدارس حكومية بمحافظات مسقط وشمال الباطنة وجنوب الباطنة بنسبة 75.6%.
كما أظهرت البيانات المنشورة عنها أن امتلاك أفراد العينة للأجهزة الإلكترونية بمختلف أنواعها بلغ نحو 99%، وأن نحو 24% كانوا يستخدمون الأجهزة الذكية من ساعة إلى ساعتين، و21% من ساعتين إلى ثلاث ساعات، و17% من ثلاث إلى خمس ساعات.
هل السن فقط هو الإجابة؟
الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال ذكرت في إرشاداتها المحدثة في 2026 إن الدراسات لا تحدد عمرًا واحدًا يمكن عنده القول إن الطفل أصبح مستعدًا بأمان للحصول على هاتف ذكي.
وترى الأكاديمية أن الحكم على استعداد الطفل لا يجب أن يعتمد على عمره فقط، بل على سلوكه أيضًا: هل يلتزم بالقواعد؟ هل يستطيع التحكم في اندفاعه؟ هل يتصرف بمسؤولية عندما لا يكون أحد والديه بجانبه؟ وهل يلجأ إلى أسرته إذا واجه شيئًا أزعجه على الإنترنت؟
الهاتف ليس شاشة فقط
هناك فرق أيضًا بين أن يشاهد الطفل شاشة، وبين أن يمتلك هاتفًا شخصيًا، فمنظمة الصحة العالمية توصي بعدم تخصيص وقت جلوس أمام الشاشات للأطفال في عمر سنة واحدة، وألا يزيد وقت الشاشة الخامل للأطفال في عمر سنتين، وكذلك بين 3 و4 سنوات، على ساعة واحدة يوميًا، مع التأكيد أن الأقل أفضل.
وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بإيجاد أوقات وأماكن خالية من الشاشات، خصوصًا أثناء الوجبات وقبل النوم، وإبعاد الأجهزة عن غرف الأطفال خلال الليل، إضافة إلى إيقاف الشاشات قبل النوم بنحو ساعة.
الألعاب جزء من القصة
في استطلاع للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات في 2019، كان 51% من الأطفال العُمانيين دون 13 عامًا يمارسون الألعاب الإلكترونية، وكان الهاتف الجهاز الأكثر استخدامًا للعب بنسبة 71%.
وبلغ متوسط اللعب 40 دقيقة يوميًا خلال الدراسة، وارتفع إلى 173 دقيقة يوميًا خلال الإجازة الصيفية.
قبل شراء الهاتف
قبل الذهاب إلى المتجر، ربما يكون من المفيد أن تبحث ما وراء ذلك: لماذا يحتاج الطفل الهاتف؟ هل للاتصال فقط؟ أم يحتاج إلى الإنترنت؟ هل يستطيع الالتزام بوقت محدد للاستخدام؟ وهل يعرف ما الذي لا ينبغي نشره أو مشاركته؟ وهل سيخبر أسرته إذا تلقى رسالة غريبة أو تعرض لموقف أزعجه؟
فالأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال تشير إلى أن الطفل يتعلم من طريقة استخدام والديه للأجهزة، وليس فقط من التعليمات التي يسمعها.
وفي سلطنة عُمان، قالت أسر لجريدة عُمان في أغسطس 2026 إنها تخصص ساعات محددة لاستخدام الأجهزة، وتمنع الهواتف خلال الجلسات العائلية وقبل النوم بساعة، مع متابعة المحتوى الذي يشاهده الأبناء.
لهذا عزيزنا القارئ، عندما يسألك طفلك “متى سيكون لدي هاتف؟” أحرص ألا تكون إجابتك “في عيد ميلادك القادم” أو “عندما تنجح من المرحلة الحالية إلى القادمة”، فالأهم هو: لماذا يحتاجه؟ وما الذي سيسمح له باستخدامه؟ وهل يعرف كيف يتعامل مع ما سيجده خلف شاشة الهاتف؟






