أثير - الركابي حسن يعقوب
آخر العلاج الكي، مثلٌ عربي قديم ورد في معاجم الأمثال مثل كتاب “المستقصى في أمثال العرب” للزمخشري، وقد كان العرب قديمًا يلجؤون إلى كيّ الجرح أو العضو بالنار كآخر مرحلة عندما تفشل جميع الأدوية والعقاقير في شفاء الداء العضال.
ولهذا المثل معنى مجازي، وهو ضرورة اتخاذ قرارات حازمة، صارمة، أو قاسية، أو استخدام أدوات ووسائل مؤلمة بعد استنفاد كل الحلول الأخرى التي لم تُجدِ نفعًا، ولم تمكّن من الوصول إلى الأهداف أو تحقيق مصالح معينة.
والمشكلة في هذا النوع من العلاج أنه يمثل آخر الفرص للاستشفاء وليس بعده علاج، لذلك يتم اللجوء إليه أخيرًا كطوق نجاة.
مناسبة هذا الكلام هو ما نقلته شبكة سي إن إن الأمريكية عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن الجيش الأمريكي وضع خططًا لشن ضربات إضافية (قد) تشمل استخدام “أم القنابل” لضرب البنية التحتية للطاقة في إيران والمواقع النووية فيها، في حال اتخاذ الرئيس ترامب قرارًا باستئناف العمليات العسكرية ضد إيران.
وحسب موقع “وايرد” الأمريكي، فإن قنبلة “جي بي يو 43” الملقبة بـ”أم القنابل” هي أقوى قنبلة تقليدية غير نووية يمتلكها الجيش الأمريكي، وتحتوي على 8482 كيلوغرامًا من مادة H6 شديدة الانفجار، ويتم توجيهها بواسطة الأقمار الصناعية، وهي قنبلة ارتجاجية تم تصميمها لتنفجر قبل ارتطامها بالأرض بقوة عصف وموجة صدم تصل إلى 150 مترًا.
ورغم أن ما نقلته شبكة سي إن إن بشأن احتمال لجوء الجيش الأمريكي إلى استخدام هذه القنبلة يعد حتى الآن في عداد التسريبات التي لم يتم تأكيدها رسميًا، إلا أن العادة قد جرت على أن التسريبات هي في حقيقتها قرارات استوفت النقاش واكتمل التداول حولها، وينتظر فقط اتخاذها والإعلان عنها.
وواقع الحال على الأرض يعضد ويؤيد إمكانية أن تتحول هذه التسريبات إلى قرارات نافذة في القريب العاجل، هذا الواقع يقول إن أمريكا قد استخدمت القوة العسكرية ضد إيران لتحقيق الأهداف التي أعلنتها، ولكن لم تفلح هذه القوة في تحقيق الأهداف، مما اضطرها إلى اللجوء إلى التفاوض، وهو الآخر لم يُجدِ نفعًا، فلجأت إلى استخدام العقوبات الاقتصادية المشددة والشاملة، والتي أسمتها “المنبوذ الاقتصادي”، وهي الأخرى ما أثنت طهران عن التمسك بموقفها ومطالبها وشروطها، ولم تحملها على الإذعان والاستسلام رغم شدة الألم وسوء الأثر في الاقتصاد وتدهور قيمة العملة المحلية.
فلم يبقَ في الجعبة والكنانة الأمريكية التقليدية سوى رمح واحد، وهو “أم القنابل”، عسى أن يكون في ثنايا ارتجاجاتها وفي شواظها ولظاها وشررها قبيل الارتطام وبعده العلاج الذي انتظرته واشنطن كثيرًا، لتنفض يديها عن الأزمة وتغسلهما بعد ذلك وتعود تمشي مرحًا وفرحًا بالنصر حتى وإن كان بالكي.
وبلغة كرة القدم، فإن واشنطن أمامها ركلة جزاء واحدة إذا نجحت في إحرازها في المرمى الإيراني سيمحو ذلك الهدف سوء أداءها طيلة شوطي المباراة وتتوج بالنصر، أما إذا أفلح حارس المرمى الإيراني في صدها، أو “ارتطمت” بالعارضة أو القائم، فإن ذلك يعني خسارة “المباراة”.
ولهذا السبب، فإن العالم والمنطقة بإزاء أكبر تحدٍّ، وعلى وشك أن يشهدا أعلى تصعيد عملياتي عسكري منذ أن بدأت هذه الحرب. العالم سيحبس أنفاسه في انتظار هذه اللحظة الأخيرة، وطرفا الحرب سيكونان في أعلى درجات التأهب والترقب والاستعداد. طهران سيكون تركيزها منصبًا تحديدًا على كيفية صد الركلة الأمريكية وتضييع الفرصة على واشنطن، وهذه الأخيرة ستركز بشكل أساسي ورئيسي على إحراز الهدف “بطريقة أو بأخرى”، أو كما قال ترامب بالأمس.
كلا الجانبين يرتفع لديه الأدرينالين إلى حده الأقصى، لحساسية الموقف. واشنطن لا تريد إضاعة الفرصة الأخيرة حتى تنهي الأمر وتخرج من عنق الزجاجة بسلام، وطهران تسعى جاهدة وهي تستجمع قواها وتستنفر كل ما عندها من وسائل دفاع لإحراق آخر أوراق واشنطن، ليسجل ذلك في كتاب التاريخ كمفارقة نادرة مثيرة للتعجب والاندهاش.
لكن، وحتى يكون التحليل مكتمل الجوانب ويوافق مقتضيات الحياد والموضوعية، لا بد من الإجابة على سؤالين متضادين:
الأول: ماذا لو نجحت “أم القنابل” في تحقيق الهدف الأمريكي؟
الثاني: ماذا لو نجحت طهران في صد الهجمة وامتصاص الضربة؟
نقول ابتداءً إن الاحتمالين واردان بنفس القدر، فإذا نجحت واشنطن في تحقيق هدفها باستخدام أم القنابل، فإن ذلك سيكون بداية لعربدة إسرائيلية واسعة وغير مسبوقة في المنطقة.
وإذا نجحت طهران في امتصاص الضربة الأمريكية، فإن هذا سيدفع واشنطن إلى المزيد من استخدام القوة، ولكن عبر اللجوء إلى استخدام قنابل تكتيكية غير تقليدية، وهو، وإن كان احتمالًا مرعبًا وكارثيًا، إلا أنه غير مستبعد، وقد لجأت إليه واشنطن من قبل خلال الحرب العالمية الثانية قبل ثمانية عقود، ومن المؤكد أنها قد استغلت هذا الفاصل الزمني في تطوير نوع أكثر ذكاءً بحيث يقتصر أثره التدميري على أهداف معينة وفي نطاق معين ومحدود.
الصورة مولدة بأدوات الذكاء الاصطناعي






