أثير - محمد الدغيشي
شهدت الأوساط الدبلوماسية اليوم لقطة لافتة حين التقت أميرة ويلز “كاثرين” بجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-؛ إذ جمعت الأميرة في تحيتها بين الانحناءة الخفيفة التقليدية (Curtsy) والمصافحة بالأيدي، وهي إيماءة بروتوكولية دقيقة تختزل في تفاصيلها السريعة تاريخاً طويلاً من تطور الإتيكيت الإنساني وأساليب التواصل بين البشر عبر القرون.
تلك اللحظة، التي مزجت بين الرسمية الملكية والدفء الدبلوماسي، تعيد إلى الأذهان كيف كانت “تحية المرأة” تحديداً، ولا تزال، مساحةً معقدة لتعبير المجتمعات عن احترامها، وتدرجها الطبقي، ومدى تحررها من صرامة التقاليد إلى مرونة العصر.
كيف تحولت تحية المرأة من “الانحناءة العميقة” إلى المصافحة المباشرة؟
في القرون الماضية، وتحديداً خلال القرن الثامن عشر، لم تكن تحية المرأة مجرد حركة عابرة، بل كانت خاضعة لقواعد صارمة تعكس مكانتها وهويتها الاجتماعية. كانت النساء مطالبات بتقديم الانحناءة العميقة (Curtsey)، وهي حركة تتطلب خفض الجسد بالكامل إجلالاً وتوقيراً للطرف الآخر، خصوصاً في الحفلات الرسمية وأمام الطبقات الأرستقراطية.
وتستمد هذه الحركة اسمها من كلمة “courtesy” (المجاملة أو اللباقة)، وحتى القرن السابع عشر في بريطانيا، كانت حركات الانحناء النسائية والرجالية متشابهة إلى حد كبير، قبل أن يصبح التمييز بين الجنسين أكثر وضوحاً. وفي العصر الفيكتوري، ونظراً للتنانير الطويلة التي تصل إلى الأرض، كانت حركة “البلييه” الشبيهة بالباليه، المعروفة أيضاً بـ“الوضع الثاني“، هي الطريقة الشائعة للانحناء، بحيث تشير القدمان والركبتان إلى الخارج ويبقى الظهر مستقيماً.
أما اليوم، وكما أظهرت تحية أميرة ويلز، فقد تبسطت هذه التقاليد المعقدة بمرور الزمن؛ إذ تراجعت الانحناءات الشديدة لتتحول إلى “إمالة خفيفة وسريعة” للرأس أو الجسد، مدمجةً بالمصافحة بالأيدي التي باتت رمزاً عالمياً للتواصل المتساوي والود المتبادل بين الأشخاص والدول.
كيف تُؤدّى الانحناءة في صورتها الحديثة؟
في الانحناء الحديث، يُنقل الوزن إلى قدم واحدة، وعادة ما تكون اليسرى، بينما توضع مقدمة القدم الأخرى خلف القدم الثابتة وخارجها قليلاً. ويُحافظ على التواصل البصري أثناء ثني الركبة الأمامية، ويظل الجذع مستقيماً واليدان على الجانبين. وبحسب شركة الآداب والسلوك البريطانية “ديبريتس” (Debrett’s)، يُفضَّل أن يُبقي الضيوف أيديهم فارغة بعد وضع أي مشروبات أو حقائب جانباً، على أن تنحني النساء ويميل الرجال بالرقبة.
لمن تنحني النساء الملكيات ومتى؟
على الرغم من أن الانحناء يُنظر إليه كعلامة احترام، فإنه يُوجَّه تقليدياً إلى التاج ككل وليس إلى الشخص الفرد. ولا يُطلب من الشخصيات الأجنبية البارزة، مثل قادة العالم، ولا من عامة الشعب البريطاني، الانحناء، وإن اختار بعضهم ذلك.
أما داخل العائلة المالكة فالقواعد معقدة وتعتمد على الإطار العام وعلى من هو حاضر:
- كانت كيت ملزمة بالانحناء لكل فرد من أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم الأميرتان بياتريس وأوجيني اللتان تفوقانها رتبة باعتبارهما “أميرتين بالدم”.
- إذا كان الأمير وليام حاضراً، كانت أميرتا يورك تنحنيان لكيت لأنها كانت حينها تفوقهما رتبة.
- منذ تغيير لقبها من دوقة كامبريدج إلى أميرة ويلز، لم تعد كيت تنحني لبياتريس وأوجيني.
وقد وُثِّقت هذه القواعد رسمياً في وثيقة “ترتيب أسبقية العائلة المالكة الواجب مراعاتها في البلاط”، التي وضعها السكرتير الخاص للملكة عام 2005 إثر زواج الأمير تشارلز آنذاك من كاميلا، لتحديد من ينحني لها. وبحسب صحيفة “التلغراف”، حُدِّثت الوثيقة عام 2012 إثر زواج الأمير وليام وكيت، لتوضيح أنه يجب عليها الانحناء لبنات الأمير أندرو.
“لغة الأيدي”.. حين تصنع الطبقة الوسطى سلوكًا يفرضه التاريخ
يؤكد مؤرخو الحياة اليومية أن ظهور “المصافحة بالأيدي” لم يأتِ من القصور الملكية ليفرضه الملوك على عامة الشعب، بل نبع من قلب المراكز الحضرية والطبقة الوسطى والتجارية في بلاد كبريطانيا خلال القرن الثامن عشر. فبينما كانت القصور تتمسك بالانحناءات الستاتيكية الصارمة، كان التجار والمواطنون في الأسواق يعززون صفقاتهم بـ“تلاقٍ مباشر للأكف“.
ومع مرور العقود، تسربت هذه التحية الحضرية السريعة صعوداً لتفرض نفسها حتى على أكثر البروتوكولات الملكية والدبلوماسية عراقة، لتصبح المصافحة الرمز الأبرز للتبسيط والانسيابية والتواصل الإنساني الراقي الذي يتجاوز الشكليات الثقيلة دون أن يفقد احترامه.
بين عراقة التقاليد ومرونة العصر
إن المشهد الذي أطلت فيه أميرة ويلز وهي تحيي جلالة السلطان يبرهن على أن السلوكيات البشرية في أوقات اللقاء والترحيب ليست مجرد شكليات جافة، بل هي كائن حي يتطور ويستوعب التنوع الثقافي.
فالانحناءة الممزوجة بالمصافحة اليوم تقف شاهدةً على القدرة على الجمع بين أصالة التقاليد التاريخية وعصر المباشرة والتبسيط، حيث تتلاقى الأيدي وتلتقي الأعين في رسالة احترام واضحة تعبر القارات والطقوس.
أزياء تعبر القارات.. رسائل الدبلوماسية الناعمة في استقبال ويندسور
لم تتوقف تفاصيل التحية والدبلوماسية عند الإيماءات والمصافحة، بل امتدت إلى اللمسات البصرية الدقيقة؛ إذ ظهرت أميرة ويلز كاثرين، خلال استقبال جلالة السلطان هيثم بن طارق في قصر ويندسور، بإطلالة باللون الأخضر، وهو أحد ألوان العلم العماني، في لفتة رمزية متعارف عليها في الدبلوماسية الملكية للتعبير عن الترحيب والتقدير للبلد الضيف. وتُعد هذه الممارسة امتداداً حديثاً لتقاليد قديمة تعتمد فيها القمم الرسمية على الألوان والرموز لتمرير رسائل الود والاحترام المتبادل بين الدول دون الحاجة للكلمات.
عراقة المكان ودلالة الزيارة الدبلوماسية
جاءت هذه التحية اللافتة في زيارة الدولة التي يقوم بها جلالة السلطان هيثم بن طارق إلى المملكة المتحدة بدعوة رسمية من الملك تشارلز الثالث. وتكتسب اللحظة أهميتها التاريخية من كونها تجمع بين أساليب التواصل الحضرية الحديثة وعمق العلاقات التاريخية بين سلطنة عُمان والمملكة المتحدة، وتسلط الضوء على كيف تحافظ البروتوكولات الملكية اليوم على هيبتها العريقة مع استيعاب المرونة العصرية والتواصل المباشر في اللقاءات الدولية رفيعة المستوى.





