قرى الصيادين: هل يكفي السكن لصناعة الاستقرار؟

بلغ إنجاز قرية الصيادين النموذجية برأس مدركة 60%، لكن استقرار الصيادين ورفع إنتاجيتهم يرتبطان بتوافر مرافق الإنزال والحفظ والتسويق والخدمات اليومية.

عن الكاتب

مازن المقبالي
مازن المقبالي

محرر وكاتب صحفي

قرى الصيادين: هل يكفي السكن لصناعة الاستقرار؟
قرية الصيادين النموذجية برأس مدركة
أثير - مازن المقبالي
وصلت نسبة الإنجاز الفعلي في قرية الصيادين النموذجية برأس مدركة في ولاية الدقم إلى 60%، متقدمة على النسبة المخططة البالغة 47.98%. لكن هل يكفي توفير المسكن لتحقيق هذا الهدف؟ يرى أحد المستفيدين من المشروع أن القرية رغم أهميتها تحتاج إلى تطوير مرافقها.

من السكن إلى مجتمع صيد متكامل

تضم قرية رأس مدركة 19 فيلا سكنية، تتكون كل منها من 3 غرف، إلى جانب مسجد و3 محلات تجارية ومكتب للموظفين ومرافق خدمية، بطاقة استيعابية مستهدفة تصل إلى 228 صيادًا.
وأكد أسعد بن سالم العامري، مدير دائرة الثروة السمكية بمحافظة الوسطى في حديث سابق، أن فكرة قرى الصيادين تتجاوز توفير السكن، إذ تهدف إلى إيجاد مجتمعات صيد متكاملة تتوافر فيها الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها الصياد في حياته اليومية وممارسة مهنته، بما يعزز استقراره ويهيئ الظروف المناسبة لاستمرار نشاطه ورفع إنتاجيته.
وتكتسب هذه الفكرة أهميتها من ارتباط الصيد الحرفي بموقع ممارسة النشاط، إذ تتأثر ظروف الصياد بتكاليف التنقل، والمسافة بين مسكنه وموقع الإنزال، ومدى توفر الخدمات التي يحتاج إليها لحفظ المصيد ونقله وتسويقه.
غير أن تحقيق الاستقرار يتطلب، إلى جانب المسكن، أن تكون الخدمات المقدمة ملائمة لاحتياجات الصيادين اليومية، وأن تحقق لهم فائدة ملموسة مقارنة بالبدائل المتاحة.

لماذا رأس مدركة؟

لم يكن اختيار رأس مدركة بمعزل عن طبيعة النشاط السمكي في محافظة الوسطى، التي تتميز بسواحل واسعة على بحر العرب وتنوع في الموارد والمواسم.
وبحسب بيانات عام 2024، تصدرت المحافظة محافظات سلطنة عمان في الإنتاج السمكي، بنحو 226 ألف طن، بما يعادل 25% من إجمالي الإنتاج، وبقيمة تجاوزت 100 مليون ريال عُماني.
وتجاوز عدد الصيادين المسجلين في المحافظة 4,670 صيادًا، إلى جانب 2,357 قارب صيد و124 سفينة صيد حرفي، ما يعكس حجم النشاط الاقتصادي المرتبط بالقطاع.
وتتعدد المواسم والأنواع التي يعتمد عليها الصيادون، من بينها الروبيان والصفيلح والشارخة والكنعد والسردين، ما يجعل القرب من مناطق الصيد والإنزال عاملًا مهمًا في تقليل الوقت والتكاليف والمحافظة على جودة المصيد.

هل يجد الصياد في القرية ما يحتاج إليه؟

“أثير” تواصلت مع راشد الساعدي، أحد المستفيدين من المشروع، وقال بأن إنشاء القرية تعتبر مبادرة إيجابية من وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، تستهدف خدمة فئة من الصيادين، ولا سيما أن الموقع يبعد عن مركز ولاية الدقم نحو 15 كيلومترًا.
وأضاف الساعدي إلى أن بعض الصيادين الذين جربوا السكن في القرية لم يجدوا فيها الجدوى والراحة والاستقرار المأمول، موضحًا أن تكلفة السكن فيها تقارب تكلفة استئجار منزل في مركز الولاية.
وأشار إلى أن القرية تحتاج إلى تطوير مرافقها، مقترحًا إنشاء ميناء مصغر يخدم الصيادين ويساعدهم في ممارسة نشاطهم.
ويرى بأن أهمية عقد اجتماع مفتوح مع الصيادين، للاستماع إلى آرائهم وتحديد احتياجاتهم الفعلية، بما يساعد على تطوير القرية وفقًا للتحديات التي يواجهونها.

ما الذي يحدد الأثر الاقتصادي للقرية؟

قال خالد المحروقي، أخصائي التنمية السمكية بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه لـ“أثير” أن قرى الصيادين تمثل أحد النماذج التنموية التي تستهدف دعم استقرار المجتمعات الساحلية، ولا سيما الصيادين الحرفيين الذين يرتبط نشاطهم ومصدر دخلهم مباشرة بالبحر ومواقع الإنزال السمكي.
وأوضح أن الفكرة تقوم على توفير تجمعات سكنية مستقرة وقريبة من مناطق ممارسة النشاط، إلى جانب الخدمات الأساسية والمرافق التي تساعد الصياد على الاستمرار في مهنته ورفع كفاءتها الاقتصادية.
وبحسب المحروقي، لا يقتصر أثر هذه القرى على توفير المسكن، بل يمتد إلى المحافظة على مهنة الصيد، ونقل الخبرات البحرية بين الأجيال، ودعم الأنشطة المساندة مثل نقل الأسماك وتسويقها وحفظها، وصيانة القوارب والمعدات، وتوفير مستلزمات الصيد.
وأشار إلى أن قرى الصيادين يمكن أن تسهم في تحسين دخل الصياد من خلال مسارين رئيسيين؛ أولهما خفض بعض تكاليف التنقل والإقامة والوصول إلى مواقع العمل، وثانيهما زيادة انتظام ممارسة النشاط وتحسين وصول الإنتاج إلى خدمات الإنزال والحفظ والنقل والتسويق.
وأكد المحروقي على أهمية عدم ربط أي زيادة في دخل الصياد بالسكن وحده، إذ يتأثر الدخل بعوامل أخرى، منها مواسم الصيد، وحالة المخزون السمكي، وأسعار الأسماك، والظروف البحرية، وتكاليف الوقود ومستلزمات الإنتاج.

أين تذهب القيمة المضافة؟

تقوم الفكرة الاقتصادية لقرى الصيادين على تقصير المسافة بين الصياد والخدمات المرتبطة بعمله. فالسكن بالقرب من مناطق الصيد والإنزال قد يقلل تكاليف التنقل والوقت، فيما تساعد مرافق الثلج والتبريد على المحافظة على جودة الأسماك وتقليل الفاقد.
ويتضاعف هذا الأثر عندما ترتبط القرية بمواقع إنزال منظمة، ومصانع للثلج، ومخازن للتبريد، ونقاط لتجميع الأسماك وتسويقها، وورش لصيانة القوارب والمحركات، ومحال توفر مستلزمات الصيد.
وكلما تقلص الوقت بين إنزال الأسماك وحفظها وتسويقها، تحسنت فرص المحافظة على جودة المنتج وتقليل الفاقد. لكن ذلك لا يضمن وحده حصول الصياد على سعر أفضل، إذ تظل هناك مسائل تتعلق بآليات البيع، ودور الوسطاء، وقدرة الصياد على التفاوض والوصول إلى الأسواق.

مدركة ومصيرة: تجربتان تستحقان التقييم

لا تقتصر تجربة قرى الصيادين في سلطنة عمان على رأس مدركة؛ إذ تمتد إلى ساحل الخلف في ولاية الدقم، وإلى جزيرة مصيرة بمحافظة جنوب الشرقية.
وبحسب صالح بن سالم السنيدي، رئيس قسم تنمية الموارد السمكية والإرشاد بمحافظة الوسطى، استفاد مشروع قرية رأس مدركة من 50 صيادًا محليًا و250 صيادًا من محافظات أخرى، إلى جانب 25 شركة للنقل والتسويق و5 شركات عاملة في القطاع السمكي.
أما في ساحل الخلف، فبلغ عدد المستفيدين 80 صيادًا محليًا و220 صيادًا من المحافظات الأخرى، إلى جانب 60 شركة للنقل والتسويق و7 شركات عاملة في المجال السمكي.
وتشير هذه الأرقام إلى امتداد النشاط المرتبط بقرى الصيادين إلى شركات النقل والتسويق والأنشطة التجارية والخدمية، وإن كانت لا تكفي وحدها لإثبات حجم الأثر الاقتصادي المتحقق للصيادين.
وفي جزيرة مصيرة، بدأت المرحلة الأولى من القرية بخمس وحدات سكنية على مساحة 34 ألف متر مربع، وبتكلفة بلغت 140 ألف ريال عُماني، وبطاقة استيعابية مستهدفة تبلغ 60 صيادًا.
وتضمنت المرحلة الثانية طرح المشروع للقطاع الخاص، مع 4 وحدات إضافية ومصنع للثلج وورش لصيانة القوارب ومحطة للوقود.

كيف نقيس النجاح؟

يرى المحروقي أن تقييم أثر قرى الصيادين ينبغي أن يبدأ بإعداد خط أساس يوضح أوضاع المستفيدين قبل الانتقال إليها، ثم مقارنة النتائج بعد الاستقرار فيها، مع الجمع بين المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والتشغيلية.
ومن أبرز المؤشرات التي يمكن الاستناد إليها:
  1. الاستقرار السكني: عدد الأسر والصيادين الذين استقروا في القرية بصورة دائمة، ومدى استمرارهم في السكن فيها.
  2. استمرار ممارسة المهنة: نسبة المستفيدين الذين يواصلون الصيد بانتظام، وعدد رحلات الصيد وأيام العمل الفعلية خلال العام.
  3. دخل الصياد: مقارنة متوسط دخل الأسرة من الصيد والأنشطة المرتبطة به قبل الانتقال إلى القرية وبعده.
  4. تكاليف التشغيل: قياس التغير في نفقات التنقل والإقامة ونقل الأسماك والوقود ومستلزمات الصيد.
  5. الفاقد السمكي: رصد حجم الأسماك التي تتعرض للتلف قبل توفير خدمات الحفظ والتبريد وبعدها.
  6. النشاط الاقتصادي: متابعة فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ونمو الأنشطة المرتبطة بالنقل والتسويق والصيانة.
  7. جودة الخدمات: قياس مدى توفر الخدمات الأساسية ورضا الأسر المستفيدة عنها.
  8. استدامة المهنة: رصد مشاركة أبناء الصيادين والمرأة في الأنشطة الاقتصادية المساندة، ومدى الالتزام بتنظيمات الصيد والمحافظة على الموارد البحرية.
ويشدد هذا النهج على ضرورة الاعتماد على بيانات فعلية، تربط بين أوضاع المستفيدين قبل المشروع وبعده، مع مراعاة العوامل الخارجية التي تؤثر في الدخل والإنتاج.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال مسح ميداني دوري، وربط نتائجه ببيانات التراخيص والإنزال والتسويق، إلى جانب الاستماع إلى الصيادين أنفسهم لمعرفة مدى ملاءمة الخدمات لاحتياجاتهم اليومية.

هل يصلح النموذج للتوسع في محافظات أخرى؟

يتيح النموذج القائم في مدركة ومصيرة أساسًا لدراسة إمكانية تطبيق تجارب مماثلة في تجمعات ساحلية أخرى، لكن المحروقي يرى أن التوسع ينبغي ألا يعتمد نموذجًا موحدًا لجميع المناطق.
فقد تحتاج بعض المناطق إلى قرية متكاملة تضم مساكن وخدمات ومرافق للإنزال والتسويق، بينما يكون الأنسب في مناطق أخرى تطوير التجمعات السكنية القائمة، أو توفير مرافق اقتصادية وخدمية بالقرب منها دون إنشاء تجمع سكني جديد.
ويتطلب اختيار المواقع إجراء دراسة اجتماعية واقتصادية وفنية تشمل أعداد الصيادين النشطين، والمسافة بين مساكنهم ومواقع العمل، وحجم الإنزال السمكي، ومدى توفر الخدمات، والحاجة الفعلية إلى السكن، والجدوى الاقتصادية، والأثر البيئي، وقدرة الموارد السمكية على استيعاب النشاط.
ويمكن وفق هذه المعايير، دراسة احتياجات التجمعات الساحلية في محافظات الوسطى وجنوب الشرقية وظفار ومسندم، بالتنسيق مع المحافظات والجهات المختصة والمجتمع المحلي.
مصدر الصورة: وكالة الأنباء العمانية

شارك هذا الخبر