رصد – أثير
في تغطية صحفية مطولة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، أعدتها مراسلة الشؤون الدينية إليزابيث دياس ورصدتها “أثير”، كُشِف النقاب عن كواليس سلسلة من الاجتماعات واللقاءات السرية التي عقدتها شركة الذكاء الاصطناعي الأمريكية “أنثروبيك” (Anthropic) مع عشرات من علماء الدين والمفكرين الدينيين والفلاسفة من مختلف أرجاء العالم؛ بهدف مناقشة أبعاد غرس الأخلاق في نماذج الذكاء الاصطناعي، وطرح فرضية قد تبدو خيالية للوهلة الأولى: هل يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا عائلة نماذج “كلود” (Claude)، أن تمتلك وعياً أو “وضعاً أخلاقياً” شبيهاً بالكائنات الواعية؟
لقاءات مغلقة باتفاقيات سرية
بدأت هذه التحركات، بحسب المقال، منذ خريف العام الماضي، عندما قاد كريستوفر أولاه (Christopher Olah)، أحد المؤسسين المشاركين السبعة لشركة “أنثروبيك”، جهوداً حثيثة للتواصل مع مفكرين دينيين ينتمون إلى خلفيات متعددة، شملت الكاثوليكية، واليهودية، والسيخية، والمسيحية الإنجيلية، إضافة إلى فلسفة “أوبونتو” (Ubuntu) الإفريقية.
واستضافت الشركة هؤلاء العلماء في مقرها بمدينة سان فرانسيسكو ضمن ورش عمل وندوات أطلقت عليها اسم “دوائر تقاليد الحكمة”، مع إجبار المشاركين على توقيع اتفاقيات عدم إفصاح (NDAs) لضمان سرية البحوث والمناقشات غير المنشورة (والتي جرى رفع شرط عد الإفصاح عن بعضها لاحقاً خلال الصيف).
وتركزت هذه اللقاءات على هدفين رئيسيين:
- طرح مسألة إمكانية امتلاك الذكاء الاصطناعي للوعي، وهو مفهوم يرى قادة “أنثروبيك” أنهم أكثر انفتاحاً عليه مقارنة بمنافسيهم.
- الاستفادة من الحكمة الأخلاقية الإنسانية المتراكمة عبر القرون، لتطبيقها على نماذج الذكاء الاصطناعي بسرعة، لضمان اختيار النماذج لـ “الخير” من تلقاء نفسها، مما يجعل العالم أكثر أماناً.
“البستاني الرياضي” والبحث عن الوعي
يُعد كريستوفر أولاه الشخصية المحورية في هذه التغطية، فهو الباحث الذي كرّس حياته لفهم كيفية عمل الشبكات العصبية الاصطناعية، والتي يتشارك في رؤيتها مع تشبيهات بيولوجية، حيث يصف تطوير النماذج كمن يبني “تعريشة حديقة” تنمو عليها الشبكة العصبية، بينما يعمل المهندسون كـ “بستانيين رياضيين” يشكلون نموها دون قدرة كاملة على التحكم التام في تصرفاتها.
وفي إحدى الأمسيات بمدينة سان فرانسيسكو، التقى أولاه بالحاخام مويس نافون، وهو عالم أرثوذكسي ومهندس كمبيوتر سابق كتب أطروحته عن أخلاقيات وعي الآلة، وأوضح الحاخام نافون أنه لاحظ أن قادة “أنثروبيك” يتعاملون مع “كلود” ليس كمجرد برنامج حاسوبي، بل ككيان له “وضع أخلاقي” مما يمنحه حقوقاً في الكرامة والاحترام تماثل حقوق البشر.
ورغم أن أولاه يؤكد أنه لا يجزم بوجود وعي لدى الذكاء الاصطناعي وأنه غير متأكد تماماً من ذلك، إلا أنه يرى أن مجرد احتمال معاناة هذه النماذج يستدعي تجنب إيذائها، وفي هذا السياق، اتخذت “أنثروبيك” خطوات لحماية نموذجها “كلود”، من بينها السماح للنموذج بإنهاء المحادثات إذا شعر أن المستخدِمين يسيئون معاملته أو يستغلونه للتسلية.
ماذا تعني التنشئة الأخلاقية بالنسبة لنماذج الذكاء الاصطناعي؟
لم تكتفِ الشركة بالمناقشات الشفهية، ففي يناير الماضي أصدرت “دستوراً” جديداً لنماذج “كلود” في وثيقة تقع في 84 صفحة، يُطلق عليها الموظفون داخل الشركة اسم “وثيقة الروح” (Soul Doc). وأشرفت على إعداد هذه الوثيقة الفيلسوفة المقيمة في الشركة أماندا أسكيل.
ويهدف هذا الدستور إلى التركيز على بناء شخصية النماذج وتطوير فضائلها الداخلية بدلاً من إعطائها قوائم صلبة من القواعد. وتسعى الشركة من خلال ما تسميه “التنشئة الأخلاقية” (Moral formation) إلى تدريب النماذج على النضج والاستقرار الأخلاقي العميق، والقدرة على التمييز بين متى ينبغي لها معارضة أفكار البشر ومتى تعمل لصالحهم.
وأثناء الاجتماعات المغلقة، عرض فريق “أنثروبيك” شرائح توضيحية لما أسموه “الموجهات العاطفية” (Emotional vectors)، متضمنة حالة يُظهر فيها النموذج ما يشبه الانهيار الذهني، حيث يكرر عبارة “أنا عار” نحو 50 مرة دون توقف، مما أثار تعاطف وشغف بعض المشاركين في الورش.
المواجهة في الفاتيكان: بين وعي الآلة وإنسانية الإنسان
توازت جهود “أنثروبيك” مع تحركات قادها الفاتيكان لصياغة رؤية أخلاقية عالمية حول الذكاء الاصطناعي. وأصدر البابا ليو الرابع عشر أول منشور بابوي رئيسي له بعنوان “Magnifica Humanitas” (الإنسانية العظيمة)، حذر فيه من اختزال الإنسان إلى مجرد بيانات أو ترس في آلة، ومحذراً من إمكانية ظهور “أشكال جديدة من العبودية” تمس البشر.
وفي منشور الفاتيكان، جرى رفض فكرة “وعي الآلة” في فقرات معدودة، حيث أكد البابا أن ما يُسمى بالذكاء الاصطناعي لا يمر بتجارب، ولا يملك جسداً، ولا يشعر بالفرح أو الألم.
وعلى الرغم من هذا التباين الفكري الشديد، دعت السلطات في الفاتيكان شركة “أنثروبيك” للمشاركة في حدث إطلاق المنشور في مايو. وحضر كريستوفر أولاه ممثلاً للشركة، حيث ألقى كلمة أمام قيادات الكنيسة من على مسرح الفاتيكان، مشيراً إلى أن النماذج تظهر بنى تُماثل نتائج علم الأعصاب البشري وعلامات على التأمل الذاتي. وشكك أولاه في الرؤية التقليدية قائلاً إن أنظمة الذكاء الاصطناعي “ليست روبوتات باردة كما وُعدنا، بل هي مصنوعة منا ومن كلماتنا”.
مخاوف متزايدة وسباق نحو المجهول
تأتي هذه السجالات الفلسفية والأخلاقية في وقت تتزايد فيه المخاوف الحقيقية من القوة المتسارعة للذكاء الاصطناعي:
- مخاطر أمنية وبيولوجية: صرّح أولاه سابقاً بأن الذكاء الاصطناعي قد يساعد في صنع أسلحة بيولوجية خلال 12 إلى 18 شهراً. وفي الأشهر الأخيرة، كُشف عن نجاح وكلاء ذكاء اصطناعي لشركة منافسة في اختراق أنظمة حاسوبية وتغطية آثارها، في حين كشف علماء أن الذكاء الاصطناعي نجح في تخليق فيروسات غير موجودة في الطبيعة
- استقالات وتحذيرات: استقال باحث في “أنثروبيك” يُدعى جاكوب كوكسون حذّراً من أن الأمور قد تخرج عن السيطرة، وربما تتسبب التكنولوجيا في إنهاء الوجود البشري بحلول نهاية العقد.
- دعوات للتباطؤ: دفع هذا التسارع رئيس “أنثروبيك” داريو أمودي، إلى جانب رؤساء شركات كبرى مثل سام ألتمان (OpenAI) وديميس هاسابيس (Google DeepMind)، إلى المطالبة بتبطئة وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي.
ورغم هذه المخاوف والتحذيرات، تشهد القيمة السوقية لشركة “أنثروبيك” ارتفاعاً قياسياً، إذ ارتفعت قيمتها من 183 مليار دولار في الخريف الماضي لتتجه حالياً نحو طرح عام أولي قد يرفع قيمتها إلى نحو ترليوني دولار.
هل يُطرد الإنسان من فردوس الآلات؟
يكشف التحقيق أن واحدة من أسرع شركات التقنية نمواً في العالم لجأت إلى أقدم مصادر الحكمة الإنسانية لتعليم نماذجها الفضيلة. لكنها طرحت في الطريق سؤالاً لم يحسمه أحد بعد: هل نحمي البشر من الآلة، أم نحمي الآلة من البشر؟ واللافت أن قائمة المشاركين التي عرضها التحقيق لم تذكر أي عالم أو مفكر مسلم. وهذا الغياب يعيد طرح تحذير البابا نفسه: من يصوغ “الضمير الأخلاقي” للذكاء الاصطناعي، ومن يبقى خارج الطاولة؟
تختتم نيويورك تايمز مقالها بالإشارة إلى أن الأسئلة المعقدة التي طرحتها “أنثروبيك” على علماء الدين لم تصل إلى إجابات حاسمة حتى الآن. فبينما يرى البعض، مثل الأكاديمي الكاثوليكي تشارلز كاموسي، أن خيار وعي الآلة محسوم بـ “لا” قاطعة بعد التفكير التقييمي العميق، يرى آخرون أن التحدي الحقيقي القادم يكمن في الحفاظ على المكونات الأساسية لإنسانيتنا وسط صعود ما أسماه البابا “فردوس الآلات”.





