جلالةُ السُّلطان: نحن ننشد الحلول، ونؤمن بالدبلوماسية، والحوار، والعمل الدؤوب لتقريب الأمم، فهذا هو إرثنا

رسّخ جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم نهج سلطنة عُمان المستقل القائم على السلام، مؤكدًا عمق العلاقات التاريخية والتعاون المشترك مع المملكة المتحدة.

جلالةُ السُّلطان: نحن ننشد الحلول، ونؤمن بالدبلوماسية، والحوار، والعمل الدؤوب لتقريب الأمم، فهذا هو إرثنا
حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- \gettyimages
أثير - العمانية
أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- عمق العلاقات التاريخية التي تجمع سلطنة عُمان والمملكة المتحدة، وما تقوم عليه من صداقة راسخة واحترام متبادل وتعاون مشترك في مختلف المجالات، مشددًا جلالته على مواصلة سلطنة عُمان نهجها المستقل القائم على الحوار والتفاهم والسلام في التعامل مع الصراعات.
جاء ذلك في الكلمة السامية التي ألقاها جلالته خلال مأدبة عشاء رسمية أقيمت في قلعة ويندسور، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026م، في إطار زيارة الدولة التي يقوم بها جلالته إلى المملكة المتحدة.
وتطرقت الكلمة السامية إلى العلاقات التاريخية بين البلدين، والتعاون العسكري والتعليمي والثقافي والتجاري، إلى جانب إعلان موافقة صاحب السمو الملكي أمير ويلز على الانضمام إلى جانب صاحب السمو السيد ذي يزن في تولي رعاية الجمعية البريطانية العُمانية، والتأكيد على أهمية الدبلوماسية والحوار والقيم المشتركة.

وفيما يأتي نص الكلمة السامية لجلالة السلطان المعظم:

جلالة الملك تشارلز، جلالة الملكة، أصحاب السمو الملكي، الحضور الكريم،
يسرّنا في مستهل حديثنا أن نعرب عن تقديرنا الصادق لما تفضّلتم به من كلمات صادقة، ولما لقيناه والوفد المرافق لنا من حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة؛ وما ذلك إلا دليلٌ على ما أستشعره من سموّ النفس وما يجمعنا من روابط صداقة أصيلة نعتزّ بها أيّما اعتزاز، وإنه لمن دواعي سرورنا أن نزور قلعة ويندسور، هذا الصرح الذي يجسّد التاريخ العريق والتقاليد الراسخة للمملكة المتحدة.
وعلى الرغم من البعد المترامي بين بلدينا، فقد وثّقت سلطنة عُمان وبريطانيا أواصر التقارب منذ قرون عديدة عبر أسفار البحّارة العُمانيين والسفن البريطانية، وأسهمت تلك اللقاءات في عرض البحار في نسج عُرى الصداقة المتينة بين بلدينا. واليوم، تُبحر سفينة صداقتنا، لا يثنيها تعاقب الأنواء.
وقد توطّدت هذه العلاقة العريقة في وثيقة رسمية عام 1800، حين أبرمت سلطنة عُمان وبريطانيا العظمى معاهدة على أن “تظل الصداقة بين الدولتين ثابتة مدى الدهر، إلى أن تنقضي الشمس والقمر مسيرة دورتهما”؛ وبالرغم من مضي أكثر من مائتين وعشرين عامًا، ولا تزال الشمس والقمر يدوران في فلكهما، فإن تلك الصداقة ثابتة، راسخة لا تتزعزع.
ومع إدراكنا اختلاف ظروفنا ومسؤولياتنا، فقد ظلّ الاحترام المتبادل الراسخ هو السمة الأبرز لعلاقاتنا، وتجلّى ذلك في العمل المشترك الذي نضطلع به كلتا الدولتين.
ويتجلّى هذا التعاون في أنبل صوره، لاسيما في المجال العسكري؛ فقد تعاقبت أجيال من القوات العُمانية والبريطانية على الخدمة جنبًا إلى جنب وعبر الأجيال التي تتدرّب معًا، وتقف حارسة على الثغور، ويتعلم بعضها من بعض. وقد صقل ضبّاطنا خبراتهم في أرقى الأكاديميات العسكرية البريطانية، وبالمثل قد أدّى ضباط بريطانيون خدمتهم في سلطنة عُمان.
لقد أرسى تبادل المعارف والخبرات ميثاقًا من الجاهزية والثقة لا تستطيع أي معاهدة وحدها أن تحقّقه وتبلغ مداه؛ إنها علاقة نابضة بالحياة، عريقة، مُثبتة، وراسخة.
وتسري الروح ذاتها في منابر العلم ودور الجامعات؛ ففي كل عام، يلتحق شباب من سلطنة عُمان بأرقى صروح العلم البريطانية لينهلوا من شتى العلوم والمعارف، يتتلمذون على أيدي أساتذتكم، ويسيرون في دروبكم العريقة، ويتعارفون مع الشعب البريطاني، لا كضيف بعيد، بل كصديق، وهم يسهمون في بناء وطننا، ويمدّون جسورًا بين شعبي البلدين تزداد رسوخًا مع تعاقب الأجيال.
ولقد كان لي من هذه التجربة الشخصية ما أعتزّ به؛ فحين كنتُ في ريعان الشباب، أَلِفتُ تلك العادة الوطنية المعروفة بـ “التوقيت الإنجليزي”.
وفي هذا السياق، فإن المجلس الثقافي البريطاني، وعدد مدارس اللغة الإنجليزية الآخذ في الازدياد، والآفاق الماثلة لإنشاء المزيد من المؤسسات التعليمية البريطانية في سلطنة عُمان، ستعزّز هذه الروابط المشتركة، وتوثّق هذا التبادل الثقافي عبر السياح البريطانيين الذين يقصدون لاكتشاف سحر عُمان وتاريخها الزاخر وثقافتها الأصيلة النابضة بالحياة.
وإننا لعلى يقين بأن الأجيال المقبلة ستبني على هذا التواصل الحيوي بين شعبينا.
ويطيب لنا في هذا المقام أن نعلن عن الخبر السار بأن صاحب السُّمو الملكي أمير ويلز قد تفضّل بالموافقة على الانضمام إلى جانب صاحب السُّمو السيد ذي يزن لتولي رعاية الجمعية البريطانية العُمانية.
وإلى جانب التعاون العسكري والتعليمي، يظل التبادل التجاري جسرًا وثيقًا بين بلدينا؛ إذ تُعدّ بريطانيا منذ عقود عديدة من أكبر شركاء عُمان التجاريين، بل هي أكبر مساهم منفرد في الاستثمار الأجنبي المباشر.
جلالة الملك
بينما تشهد المنطقة الكثير من الصراعات، تنتهج سلطنة عُمان مسارًا مغايرًا، وطريقًا مستقلًّا؛ إذ تتخذ مواقفنا انطلاقًا من إيماننا بالحوار والتفاهم والسلام؛ فالأمة الحكيمة تختار أن تُصغي. وقد ارتأت سلطنة عُمان أن تُصغي. وفي ذلك الإصغاء، أدركنا قوة لا تُنال بالجيوش.
نحن ننشد الحلول، ونؤمن بالدبلوماسية، والحوار، والعمل الدؤوب لتقريب الأمم، فهذا هو إرثنا. وطالما كانت بريطانيا صديقًا يُعوّل عليه في هذا النهج، ووقفت إلى جانبنا في تحمّل هذه المسؤولية، لا بالجيوش، بل بالحكمة والرأي السديد.
جلالة الملك
إن ما تولونه من عناية بالشباب وحماية البيئة والحوار بين الأديان يعكس إحساسًا عميقًا بالمسؤولية تجاه المجتمع والأجيال المقبلة، وهي القيم ذاتها التي طالما اعتززنا بها في سلطنة عُمان، والمبادئ التي نجعلها نبراسًا لسياساتنا في القيادة وتواصلنا مع العالم.
ويسرّنا أن نختتم حديثنا بالدعاء إلى ربّ العالمين أن ينعم على جلالة الملك بوافر الصحة والعافية والعمر المديد، ويصون علاقات الصداقة بين بلدينا كصداقة الشمس المشرقة والقمر المنير، لا تنقضي أبدًا من فلك دورتهما.

شارك هذا الخبر