العمانية - أثير
تكريمًا لحضرةِ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم -حفظهُ اللهُ ورعاهُ-، أقام جلالةُ الملكِ تشارلز الثّالث، ملكُ المملكة المُتّحدة، اليوم مأدُبةَ عشاءٍ رسميّةً بقلعة ويندسور، بحضورِ جلالةِ الملكةِ كاميلا احتفاءً بزيارةِ “دولةٍ” يقومُ بها جلالتُه للمملكة المُتّحدة .
وقد ألقى جلالةُ الملكِ تشارلز خلال حفل العشاء المُقام على شرف جلالةِ السُّلطان أثناء زيارة “دولةٍ” للمملكة المُتّحدة قال فيها:
//إنها لمناسبة عزيزة أن نستقبل أصدقاء قدامى أعزّاء في زيارة كهذه مع إدراكنا التام بأنكم تألفون هذه الدّيار، وإنه لمن دواعي سروري البالغ - أنا وزوجتي - أن نرحّب بعودتكم إلى قلعة وندسور هذا المساء.
وتُعدّ عُمان من أقدم حلفاء بريطانيا، وآمل -بعد كل هذه السنوات- أن تكون أيضًا واحدة من أقرب الأصدقاء.
ومن هذا الموقع المرموق ندرك أنه، قبل ألف عام من أول لقاء جمع بين أبناء بلديْنا- بل قبل ألف عام من تأسيس المملكة المتحدة ذاتها- كان البحّارة العُمانيون يمتهنون التجارة عبر المحيط الهندي، موسّعين بذلك آفاق تجارة البخور العُماني.
ولقد كانت مسارات التّجارة تمتد بالفعل عبر بلاد الرافدين ومنطقة البحر الأبيض المتوسط قبل ذلك بألف عام، بل وقبل ذلك بألف عام أخرى! ولا يسعني هنا إلا القول إن هذا يضع ادعاءاتنا بشأن افتخارنا بأننا بارعون في الملاحة البحرية -نحن البريطانيين- على المحكّ.
وهكذا، فمنذ اللقاءات الأولى التي جمعت بريطانيا بهؤلاء التجار العُمانيين المرموقين نشأت صداقتنا، انطلاقاً من البحر؛ فقد كنا شركاء في الملاحة البحرية خلال القرن السابع عشر، وشركاء بموجب معاهدات في القرن الثامن عشر، وشركاء استراتيجيين في القرن التاسع عشر، ورفاق سلاح في القرن العشرين. أما اليوم، في القرن الحادي والعشرين، فقد توطدت علاقتنا عبر الدبلوماسيّة، والدّفاع، والتّجارة، والثّقة المتبادلة.
أما بالنسبة لي، فقد كنت محظوظاً للغاية بأن تعرّفت على عُمان على مدى سنوات عديدة ومن خلال زيارات كثيرة قضيت خلالها لحظات جميلة-حيث أذكر أنني كنت أحظى فيها أحيانا بصحبة جلالتِكم- محاولًا رسم معالم طبيعة عُمان الخلابة؛ تلك الطبيعة التي وصفها الرّحالة الكبير ابن بطوطة في القرن الرابع عشربأنها “في غاية الجمال والروعة” كما قال الشاعر العُماني الكبير أبو مسلم البهلاني:
ولا بَرِحَتْ تلكَ الرِّياضُ نَواضِرًا
تُضَمِّخُها طِيبَ السَّلامِ النَّسائِمُ.
وعلى مدى هذه العقود، حظيتُ بشرف معرفة سلفكم صديقي وأخي العزيز المغفور له جلالةِ السُّلطان قابوس، الذي نجح في إحداث تحوّل في عُمان مع الحفاظ في الوقت ذاته على ثقافتكم العريقة، وانتهج سياسة خارجيّة قائمة على الانفتاح والحوار بحكمة بالغة.
ونحن في بريطانيا ندين بالكثير لقيادته المُلهمة، كما أحتفظُ بمشاعر المودّة العميقة وذكريات اللقاءات العديدة التي جمعتني به، منذ زيارتي الأولى لبلادكم قبل ستة وأربعين عامًا.
فعلى الصّعيد الدّاخلي في سلطنة عُمان، عملتم /يا جلالةَ السُّلطان/ على تعزيز مؤسسات الدولة، وأطلقتم رؤية جديدة لتنويع الاقتصاد العُماني وخفض انبعاثات الكربون من خلال “رؤية عُمان 2040”.
وبفضل قيادتكم المُفعمة بالحيوية وبعد النظر، وضعت النهضة المُتجددة المهارات والتعليم في صميم مسيرتكم التنموية. ومن خلال ذلك، فقد جعلتم -بكل حكمة وبعد نظر- شباب عُمان قوة دافعة ومحورية في مسيرة الابتكار والنمو والتقدم في مستقبل البلاد.
ويسرّني أن أقول، يا جلالةَ السُّلطان، إنه، في وقتٍ عادت فيه النزاعات لتلقي بظلالها المؤلمة على المنطقة، أن أشيد بشكل خاصّ بالتزام عُمان الرّاسخ بالوساطة باعتبارها جهة تحظى بثقة جميع الأطراف.
إن جهود عُمان النبيلة للحفاظ على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم قد قدمت خدمة جليلة للمجتمع الدولي بأسره، لا سيما للفئات الأكثر تضررًا وضعفًا.
ووقفت المملكة المتحدة إلى جانب أطراف أخرى من المنطقة مع عُمان خلال صراعٍ دار قبل أكثر من خمسين عامًا، وقد ساعدتنا تلك التجربة، وما تلاها من سنوات، على إدراك عمق العلاقات وتعقيدات قضايا المنطقة. كما أتاحت لنا -من خلال رؤيتكم- تبصّرًا حول مواضع التوافق الممكنة.
إن دور سلطنة عُمان في منطقة الخليج وما تتبعه بلادكم من “حيادٍ بنّاء” -على حدّ تعبيركم- ليحمل أهميةً تتجاوز بكثير نطاق مضيق هرمز، وهو أمرٌ يستحق منّا كل التقدير والاحترام كما قال النبي محمد عن طباع أهل عُمان: “لو أنّ أهل عمان أتيت ما سبّوك ولا ضربوك”.
إن العلاقة الفريدة والمميزة التي تجمعنا تسهم في تعزيز الأمن للعالم ولشعبيْنا. ونحن نشعر بفخر بالغ تجاه ضباط الخدمة المُعارين الذين يعملون في كلا بلدينا، كما نعرب عن عميق امتناننا لكرم الضيافة الذي تبديه سلطنة عُمان تجاه قواتنا المسلحة؛ بما في ذلك ما تقدمه قوات جلالتكم المسلحة للمحاربين القدامى البريطانيين.
إن علاقاتنا تحظى بأهمية بالغة، وفي هذا الصدد، غمرتني سعادة بالغة لرؤية ابنينا -صاحب السُّمو الملكي أمير ويلز، وصاحب السُّمو السّيد ذي يزن- يتوليان معًا الرعاية الفخرية للرحلة الاستكشافية “سلطنة عمان جوهرة العرب” ولا يمكن للمرء أن يجد رمزًا للنجاح أبهج من استمرار علاقة حية تنتقل من جيل إلى جيل.
إن التنوع الغني للمؤسسات الثقافية التي تربط بين بلدينا لهو خير دليل على أن طلابنا وأبناءنا، وعلماءنا وجنودنا، ومستثمرينا وبحارتنا، وتجارنا وكُتّابنا، يسيرون على خطى بيرترام توماس وبن كلوت في توثيق الروابط بين بريطانيا وعُمان، بينما نواصل معًا استكشاف “الربع الخالي” الشاسع في عالمنا المعاصر.
جلالة السُّلطان،
لا يمكن لأي منّا أن يجزم بطبيعة التحدّيات التي سيواجهها من سيخلفوننا.
فعلى الرغم من جهودنا المستمرة، سيؤدي التغير المناخي للأسف إلى تغيير معالم الأراضي والبحار التي سيرثونها. كما يحمل الذكاء الاصطناعي في طياته وعودًا ومخاطر في آن واحد، ما لم يُدر بحكمة بالغة وبعد نظر.وسيشكل التنافس على الموارد اختبارًا للنظام الدّولي بطرق لا يمكننا التنبؤ بها حاليًّا.
لكننا نعلم أمرًا واحدًا على الأقل: وهو أن من سيخلفوننا سيعتمدون على أصدقاء موثوقين. سيحتاجون إلى حلفاء مستعدين للعمل معًا رغم الاختلافات؛ للدفاع عن السلام والقانون الدولي؛ وللجمع بين الابتكار والمسؤولية في إدارة الموارد؛ وللتفكير ليس فقط في العام القادم، بل في الأجيال القادمة.
لقد دأبت عُمان وبريطانيا على القيام بذلك بالضبط على مدى قرون. ففي المعاهدة التي وقّعنا عليها عام 1800، أعرب أسلافنا عن أملهم في أن تظل الصداقة بين دولتينا “راسخة لا تتزعزع مدى الدهر”، لقد كان وعدًا طموحًا، ولكن بعد مرور أكثر من مائتي عام، ثبت أنه وعدٌ قد تحقق بالفعل من خلال الروابط الحيّة بين بريطانيا وعُمان، والتي تجسدت في علاقات امتدت عبر الأجيال، لتصنع صداقةً راسخةً لا تزعزع بيننا.
جلالة السلطان،
آمل أن تعكس هذه الزيارة الرّسمية الأهميّة التي توليها المملكة المتحدة لعُمان، ولنظام الحكم فيها ومؤسّساتها، ولصداقتنا مع جلالتكم شخصيًّا.
يسرنا في هذا المقام أن نهديكم أبياتًا قد صاغها الشاعر العماني الكبير شيخ البيان:
عش في كمال مستمدًا نعمةً
من ربك الوهاب لا متناهيهْ//





