رصد - أثير
إعداد: جميلة العبرية
تفضل حضرة صاحب الجلالةُ السُّلطان هيثم بن طارق المُعظّم -حفظهُ اللهُ ورعاهُ- فقام بزيارةٍ إلى مركز هير إيست للابتكار والتّكنولوجيا بالعاصمة البريطانيّة لندن.
وعند وصولِ جلالتِه -أيّدهُ اللهُ- إلى المركز، كان في استقباله جافين بوول الرئيسُ التنفيذيُ لمركز هير إيست، وساج حق الرئيسُ التنفيذيُّ لمركز بليكسال للابتكارات.
واستهلّ جلالةُ السُّلطان زيارتَه -وفقًا لوكالة الأنباء العمانية- بتفقّد معرضِ الشّركات والمشروعات الابتكاريّة، الذي يضمّ مجموعةً من التّقنيات والحلول المتقدّمة في مجالات الطّاقة المُتجدّدة والفضاء والدّفاع والتّقنية، حيث اطّلع جلالتُه على أبرز الابتكارات وما تمثِّلُه من فرصٍ واعدة لتطوير التّقنيات الحديثة وتعزيز تطبيقاتها في مختلف القطاعات.
كما قام عاهلُ البلاد المُفدّى بجولةٍ في قاعة المؤتمرات، التقى خلالها بعددٍ من الرؤساء التّنفيذيين للشّركات والمؤسّسات المُتخصّصة، واطّلع على مجالات عملها ومشروعاتِها الابتكاريّة في إطار التّعريف بالخبرات والتجاربِ الرّائدة في القطاعات التّقنية والصّناعيّة المُستقبليّة.
ويقع المجمع في متنزه الملكة إليزابيث الأولمبي بمنطقة ستراتفورد، وجاءت زيارة جلالة السلطان إليه ضمن برنامج زيارة “دولة” التي يقوم بها جلالته إلى المملكة المتحدة، للاطلاع على تجربة إعادة تطوير المنطقة بعد ألعاب لندن 2012، والتعرف إلى شركات تعمل في مجالات الطاقة والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والفضاء والدفاع.
وتفتح الزيارة نافذة على سؤال يتصل بمستقبل المدن: كيف تستمر المنشآت في خدمة الاقتصاد والمجتمع بعد انتهاء المناسبة التي أُنشئت من أجلها؟
البداية
خلال ألعاب لندن 2012، خدم الموقع أعمال الصحافة والبث المرتبطة بتغطية المنافسات؛ فبينما كانت الأنظار تتجه إلى الملاعب، كانت للمجمع وظيفة أخرى تتمثل في مساعدة المؤسسات الإعلامية على نقل ما يجري إلى الجمهور خارجها.
وبعد انتهاء الألعاب، احتاجت المساحات المخصصة للعمل الإعلامي المكثف إلى تجهيزات وتنظيم جديدين، لتستقبل مستخدمين دائمين وتؤدي وظائف مختلفة.
وفي ما نشره موقع المجمع، يستعيد نيك ويكلينغ، مدير المشروع، صورة المركز بهيكله الفولاذي قبل التحول، ويتحدث عن أعمال شملت تجهيز المكاتب والاستوديوهات وتصميم منطقة الاستقبال والأعمال الكهربائية والميكانيكية، موضحًا أن بعض مشروعات التجهيز استغرقت أشهرًا أو سنوات، وهو ما يكشف حجم العمل الذي تطلبته تهيئة المكان لحياته الجديدة.
هل بدأ التفكير في مستقبله بعد مغادرة الزوار؟
يشير التسلسل الزمني الرسمي للمجمع إلى أن مسار الاستخدام اللاحق بدأ في يوليو 2012، عندما اختير مشروع “iCITY” بوصفه مقدم العرض المفضل لتولي الموقع على المدى الطويل.
وفي فبراير 2014، استُكملت ترتيبات عقد إيجار طويل الأجل، وأُقرت خطط تحويل المركز إلى مجمع للتقنية والتعليم والصناعات الإبداعية، ثم ظهر اسم “Here East” في مايو من العام نفسه.
أما الإطلاق الرسمي للمجمع فكان في أكتوبر 2016، بعد أن بدأت أعمال تجارية تعمل داخله، وافتُتحت منطقة “Canalside”. ويُظهر هذا التسلسل أن التحول احتاج إلى جهة تتولى التطوير، وترتيبات طويلة الأجل، وخطة تُنفّذ تدريجيًا حتى يصبح المكان مناسبًا لاستخداماته الجديدة.
كيف أصبحت المساحات الكبيرة مناسبة للعمل والدراسة؟
يوضح مكتب “Hawkins\Brown”، الذي عمل على تحويل الموقع، في وصفه للمشروع المعماري، أن المعالجة قامت على تقسيم حجمه الكبير إلى مساحات أقرب إلى احتياجات مستخدميه؛ بعضها مخصص للشركات الكبيرة والجامعات، وأخرى أصغر للأفراد والمشروعات الناشئة، إلى جانب مناطق مشتركة تشجع اللقاء وتبادل الأفكار.
ومن التفاصيل اللافتة إنشاء ثلاث وحدات اجتماعات معلّقة داخل الفراغات الواسعة لمركز البث، استُلهمت تصاميمها من صناعات ومواد تشمل الفولاذ والنسيج والخشب.
وتوضح هذه المعالجة أن تغيير وظيفة المبنى يرتبط بطريقة استخدامه يوميًا: أين يجتمع العاملون؟ وكيف تتجاور مؤسسة كبيرة ومشروع صغير؟ وما المساحات التي تساعد مستخدمي المكان على التواصل؟
مَن يستخدم المكان الآن؟
يعرض سجل المجمع لعام 2025 حضور مؤسسات تعليمية تشمل كلية لندن الجامعية (UCL)، وجامعة لوبورو لندن، وجامعة ستافوردشاير لندن، وجامعة تيسايد، ومؤسسة “LMA”.
وإلى جانب التعليم، افتُتحت مساحة الابتكار “Plexal” في يونيو 2017، لتستقبل رواد الأعمال والشركات الناشئة والمؤسسات، وتوفر بيئة لتطوير الأفكار والمشروعات، وفق التسلسل الزمني للمجمع.
وتمنح هذه الاستخدامات الموقع أسبابًا متجددة للحركة؛ فالطالب يعود إلى دراسته، والعامل إلى مكتبه، وصاحب المشروع إلى فريقه، وبذلك يرتبط استمرار النشاط باحتياجات يومية تتجاوز مدة الفعالية الرياضية.
ماذا حدث للهيكل الفولاذي خلف مركز البث؟
امتدت إعادة الاستخدام إلى أجزاء أخرى من الموقع؛ فخلف مركز البث السابق، أُعيد توظيف هيكل فولاذي ضخم يُعرف باسم “The Gantry”، ليضم 21 استوديو للمبدعين، وفق وصف المشروع لدى المكتب المعماري، الذي سجّل اكتماله عام 2018. ووُزّعت الاستوديوهات داخل الهيكل وربطتها ممرات، لتقدم مثالًا ملموسًا على إيجاد وظيفة جديدة لعناصر قائمة وتهيئتها لاستقبال أعمال وأنشطة مختلفة.
كيف وجدت المقتنيات المتحفية مكانًا لها فيه؟
اكتسب المجمع وظيفة ثقافية أيضًا، إذ يشغل “V&A East Storehouse” جزءًا من المركز الإعلامي الأولمبي السابق، ويتيح للجمهور التعرف إلى مجموعات متحف فيكتوريا وألبرت وكواليس حفظها والعناية بها.
وبحسب الصفحة التعريفية للمتحف، تمتد المساحة عبر أربعة مستويات، وتحتضن أكثر من 250 ألف قطعة و350 ألف كتاب وألف مجموعة أرشيفية، وتتيح للزوار اكتشاف كيفية جمع المقتنيات وحفظها والقصص التي تحملها. وهكذا، أصبح المكان يستقبل جمهورًا يأتي للتعلم والاستكشاف، إلى جانب مستخدميه من الطلبة والعاملين.
ما السؤال الذي تطرحه التجربة على السلطنة؟
تفتح هذه الحكاية سؤالًا يمكن طرحه عند التخطيط لمنشآت المعارض والبطولات والفعاليات في سلطنة عُمان: كيف تُصمَّم حياة المنشأة بعد انتهاء المناسبة التي بُنيت من أجلها؟
وتقترح قراءة التجربة البدء بتحديد المستخدمين المحتملين، والجهة التي ستدير المكان، وكلفة تشغيله، وإمكانية تقسيم مساحاته وتعديل تجهيزاته، إلى جانب علاقته بالجامعات والشركات والسكان المحيطين به.
فبعد مغادرة الزوار، يصبح استمرار الاستخدام مقياسًا يستحق المتابعة: مَن يعود إلى المنشأة؟ وماذا يُنتج داخلها؟ وهل تستطيع استيعاب احتياجات جديدة بعد سنوات من افتتاحها؟






