رصد - أثير
حظيت زيارة “دولة” التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى المملكة المتحدة، تلبيةً لدعوة جلالة الملك تشارلز الثالث، باهتمام واسع في الصحافة البريطانية والدولية. ولم يقتصر هذا الاهتمام على مراسم الاستقبال الملكي، بل امتد إلى دلالات زيارة تأتي في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، وهي الأولى من نوعها منذ أن استضافت الملكة إليزابيث الثانية السلطان الراحل قابوس بن سعيد، طيّب الله ثراه، في مارس 1982.
كلمة جلالة السلطان: ”قوة لا تُنال بالجيوش“
في كلمته، استحضر جلالة السلطان المعظم - أيده الله- المعاهدة المبرمة بين البلدين عام 1800، التي نصّت على أن تظل الصداقة بينهما ثابتة ”إلى أن تقضي الشمس والقمر مسيرة دورتهما“. وأكد جلالته أنه ”بالرغم من مضي أكثر من مائتين وعشرين عامًا، ولا تزال الشمس والقمر يدوران في فلكهما، فإن تلك الصداقة ثابتة، راسخة لا تتزعزع“.
وفي رسالة سياسية واضحة، قال جلالته: ”بينما تشهد المنطقة الكثير من الصراعات، تنتهج سلطنة عُمان مسارًا مغايرًا، وطريقًا مستقلًا، إذ نتخذ مواقفنا انطلاقًا من إيماننا بالحوار والتفاهم والسلام، فالأمة الحكيمة تختار أن تُصغي. وقد ارتأت سلطنة عُمان أن تُصغي. وفي ذلك الإصغاء، أدركنا قوة لا تُنال بالجيوش“. وأضاف أن بريطانيا ”لطالما كانت صديقًا يُعوّل عليه في هذا النهج، ووقفت إلى جانبنا في تحمّل هذه المسؤولية، لا بالجيوش، بل بالحكمة والرأي السديد“.
وأعلن جلالته موافقة صاحب السمو الملكي أمير ويلز على الانضمام إلى صاحب السمو السيد ذي يزن في رعاية الجمعية البريطانية العُمانية. واستعاد بلمسة شخصية سنوات شبابه في بريطانيا، قائلًا: ”حين كنتُ في ريعان الشباب، ألِفتُ تلك العادة الوطنية المعروفة بـ“التوقيت الإنجليزي”.
الملك يرحّب بضيفه بالعربية
توقفت صحيفة ”ذا تايمز“ البريطانية عند مشهد لافت في المأدبة الرسمية بقلعة ويندسور. فقد استهلّ الملك تشارلز الثالث كلمته بعبارات عربية، فقابلها جلالة السلطان بالابتسام وإيماءات الاستحسان. وأُقيمت المأدبة في قاعة القديس جورج بحضور مئة وستين ضيفًا، وثمانية من أفراد العائلة المالكة ممن يضطلعون بمهام رسمية. وارتدى الملك خلالها وسام آل سعيد الذي قلّده إياه جلالة السلطان في وقت سابق من يوم أمس.
واستحضر الملك في كلمته الموروث الأدبي والروحي العُماني، فاستشهد بوصف الرحالة ابن بطوطة لطبيعة عُمان، وببيت الشاعر أبي مسلم البهلاني: ”ولا بَرِحَتْ تلكَ الرِّياضُ نَواضِراً، تُضَمِّخُها طِيبَ السَّلامِ النَّسائِمُ“. واستشهد كذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في أهل عُمان: ”لو أنّ أهل عمان أتيت ما سبّوك ولا ضربوك“. وختم كلمته بإهداء جلالة السلطان أبياتًا لشيخ البيان: ”عش في كمال مستمدًا نعمةً، من ربك الوهاب لا متناهيهْ“.
وفي الشق السياسي، أشاد الملك بالتزام عُمان الراسخ بالوساطة، ”باعتبارها جهة تحظى بثقة جميع الأطراف“، مؤكدًا أن ”جهود عُمان النبيلة للحفاظ على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم قدّمت خدمة جليلة للمجتمع الدولي بأسره“. وأضاف أن دور السلطنة في الخليج، وما تتبعه من ”حياد بنّاء“، على حد تعبير جلالة السلطان، ”ليحمل أهمية تتجاوز بكثير نطاق مضيق هرمز“.
ونوّه الملك بتولّي ابنه أمير ويلز وصاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم الرعاية الفخرية المشتركة لرحلة ”سلطنة عُمان جوهرة العرب“ الاستكشافية، معتبرًا أنه ”لا يمكن للمرء أن يجد رمزًا للنجاح أبهج من استمرار علاقة حية تنتقل من جيل إلى جيل“. وبعد أن عدّد تحديات المستقبل، من التغير المناخي إلى الذكاء الاصطناعي والتنافس على الموارد، خلص إلى القول: ”لكننا نعلم أمرًا واحدًا على الأقل، وهو أن من سيخلفوننا سيعتمدون على أصدقاء موثوقين“.
حضور عُماني على مائدة الملك
عكست قائمة الضيوف، وفق صحيفة ”ذا تايمز“ البريطانية، حرصًا على إبراز الوجه الثقافي والإنساني للعلاقة. فقد جلس رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، في أول مأدبة رسمية يحضرها بصفته رئيسًا للحكومة، إلى جوار الروائية العُمانية جوخة الحارثي، الحائزة جائزة مان بوكر الدولية، ومعالي الفريق أول سلطان بن محمد النعماني، وزير المكتب السلطاني. وضمّت القائمة العدّاءة الأولمبية مزون العلوي، والبحّار الأولمبي محسن البوسعيدي، أول عربي يبحر حول العالم دون توقف عام 2009، إلى جانب الرؤساء التنفيذيين لشركات ”شل“ و”بي بي“ و”إيرباص”.
وامتدت مراعاة الخصوصية العُمانية إلى تفاصيل الضيافة، إذ استُعيض عن مشروبات ما بعد العشاء بتشكيلة من أنواع الشاي تمزج التقاليد البريطانية بتقاليد القهوة العُمانية، من بينها شاي إيرل غراي المثلج بالتمر، ومزيج دافئ بالهيل محلّى بعسل ويندسور.
وفي وقت سابق من يوم أمس، اطّلع جلالة السلطان على معروضات من المجموعة الملكية تتصل بتاريخ العلاقات بين البلدين، من بينها:
- لوحتان مائيتان لمناظر طبيعية رسمهما الملك خلال زيارته إلى عُمان عام 1995، حين كان أميرًا لويلز.
- كتاب الرحالة أبراهام بارسونز عن مسقط عام 1775.
- تاج أهدته عُمان إلى الملكة فيكتوريا بمناسبة تتويجها عام 1838.
وفي تبادل الهدايا، قدّم جلالة السلطان إلى الملك لوحة فنية وسيفًا عُمانيًا تقليديًا وصورة مؤطّرة من زيارة الملك إلى السلطنة عام 2016، وأهدى الملكة مزهرية.
القراءة التحليلية: شراكة تعزّز الوساطة ولا تقيّدها
وما وراء البروتوكول كان محور القراءات التحليلية. فقد رأى موقع ”ميدل إيست أونلاين“ أن الرهان الأساسي للزيارة هو تعميق الشراكة مع لندن، مع صون الاستقلالية الدبلوماسية التي أتاحت للسلطنة الحفاظ على علاقات عمل مع أطراف تتباين مصالحها، وهي ميزة وصفها الموقع بأنها ظلّت رصيدًا لعُمان.
ويرى الموقع أن تحركات جلالة السلطان الخارجية منذ توليه مقاليد الحكم عام 2020 تعكس سعيًا إلى تنويع الشراكات وجعلها أكثر إنتاجية، دون التخلي عن الثوابت التي قامت عليها السياسة الخارجية العُمانية: الحوار والتفاوض والنأي عن الاستقطاب. وفي هذا الصدد، تمثّل بريطانيا شريكًا راسخًا تمتد علاقته بالسلطنة لأكثر من قرنين، وتوفّر إطارًا متكاملًا للتعاون:
- في الشق الدفاعي: اتفاقية الدفاع المشتركة الموقّعة عام 2019، والتعاون العملياتي في الدقم.
- في الشق الاقتصادي: الشراكة الاستثمارية السيادية الموقّعة عام 2022، والمتمحورة حول الطاقة النظيفة والتكنولوجيا، وهما قطاعان في صميم رؤية ”عُمان 2040“ للتنويع الاقتصادي.
وعلاوة على ذلك، يرى الموقع أن تعدّد الشركاء في الاستثمار والدفاع يعزّز قدرة السلطنة على التعامل مع الضغوط الخارجية دون الارتهان لأي علاقة بعينها. وفي المحصلة، يخلص إلى أن الشراكة الأوسع مع بريطانيا لا تتطلب من السلطنة التخلي عن نهج الحوار، بل قد تتيح لها ممارسة دبلوماسيتها من موقع أكثر صلابة، ما دام التعاون يكمّل قنوات التواصل القائمة ولا يحلّ محلها.
وفي السياق ذاته، أبرزت وكالة أسوشيتد برس الدور المحوري الذي تضطلع به السلطنة في ملف مضيق هرمز، مشيرةً إلى سعي بريطانيا لتعزيز علاقتها بحليف استراتيجي مهم.
داونينغ ستريت: استثمارات تتجاوز المليار جنيه وتعاون في الأمن البحري
انتقل البرنامج أمس إلى لندن، حيث عُقد لقاء بين جلالة السلطان ورئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في داونينغ ستريت. واستباقًا للقاء، أعلنت الحكومة البريطانية، في بيان صادر عن وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية، أن أكثر من مليار جنيه إسترليني من الاستثمارات الجديدة ستولّد وظائف وفرصًا في المملكة المتحدة وعُمان.
ما أعلنه البيان:
- اتفاقية لتسريع الاستثمار المتبادل: تستند إلى الشراكة الاستثمارية السيادية القائمة منذ عام 2022، وتشمل الطاقة المتجددة والتكنولوجيا والمعادن الحيوية والفضاء والرعاية الصحية والخدمات المالية. ويشير البيان إلى أن عُمان استثمرت 1.7 مليار جنيه إسترليني في بريطانيا منذ إطلاق هذه الشراكة.
- تمويل الصادرات: ترفع وكالة تمويل الصادرات البريطانية قدرتها التمويلية إلى سبعة مليارات جنيه إسترليني للصادرات البريطانية إلى عُمان.
- مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في صلالة: تعتزم شركة ”يامنا“ البريطانية إنشاءه بالتعاون مع السلطنة، ويُتوقع أن تتجاوز كلفة مرحلته الأولى مليار جنيه إسترليني.
- مذكرة تفاهم للتعاون البحري: تهدف إلى تعزيز تبادل المعلومات والخبرات مع مركز الأمن البحري العُماني.
- اتفاقيات في التعليم والفضاء: تتعلق بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في التعليم ودعم تعلّم اللغة الإنجليزية، وبالتعاون بين وكالة الفضاء البريطانية والحكومة العُمانية.
- منح ”تشيفنينغ“: عودة البرنامج التعليمي إلى عُمان، مع فتح باب التقديم اعتبارًا من أغسطس 2027.
- مسار شراكة دبلوماسية: بين كلية الخدمة الدبلوماسية البريطانية والأكاديمية الدبلوماسية العُمانية.
ونقل البيان عن بيرنهام قوله إن النمو الاقتصادي والأمن والدفاع والتعليم ”ليست سوى بعض الأولويات التي نتشاركها ونحن نرسم مسارنا في عالم يزداد تعقيدًا“. فيما قال وزير الخارجية إد ميليباند إن العلاقة بين البلدين ”تمتد قرابة أربعة قرون، وتقوم على الثقة والتعاون“، مضيفًا أن عُمان ”تواصل الاضطلاع بدور دبلوماسي مقدّر في دعم الحوار اللازم لتمهيد طريق نحو السلام والاستقرار الإقليمي“.





