أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
قد يمضي العامل أكثر من 10 سنوات في شركة واحدة، يؤدي خلالها المهام نفسها وفي الموقع ذاته، قبل أن تتغير المظلة التعاقدية التي تعمل الشركة تحتها. لكن هذا التغيير قد يفتح أمامه أسئلة تتعلق باستمرارية عمله، واحتساب سنوات خدمته، وما يرتبط بها من مزايا وحقوق. وفي حالات أخرى، قد لا تحصل الشركة على عقد جديد، فيجد العامل نفسه أمام التسريح والعودة إلى البحث عن عمل.
المسألة ليست بالضرورة انتقال العامل إلى شركة جديدة؛ فقد تبقى الشركة التي يعمل فيها على حالها، بينما يتغير المقاول الرئيس أو الإطار التعاقدي الذي تعمل من خلاله، وقد ينتقل المشروع نفسه إلى مقاول آخر، في حين يواجه العامل احتمال تغيير شروطه الوظيفية أو فقدان عمله.
كيف ينعكس تغير العقود على سنوات خدمة العامل، وماذا يحدث إذا لم تحصل الشركة على عقد جديد، وهل يوفر قانون العمل حماية لاستمرارية الوظيفة والحقوق المكتسبة؟
”العقود من الباطن“ حين لا تكفي استمرارية العمل
تناول مقال نشرته مجلة ”سواعد نقابية“ التابعة للاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان، في 30 سبتمبر 2025، بعنوان ”الوجه الخفي للعقود من الباطن: بين أرباح الشركات ومعاناة العمال… أين الرقابة؟“، تحديات تواجه العمال في منظومة العقود من الباطن، من بينها ضعف الأمان الوظيفي، وتراجع الأجور والمزايا مقارنة ببعض الجهات الرئيسة، وانتقال العمال بين أصحاب العمل عند انتقال العقود من شركة إلى أخرى.
وأشار المقال إلى أن تحديث العقود المبرمة بين الشركات الكبرى ومقاوليها قد يتزامن مع إنهاء خدمات عاملين وتقليص أعداد القوى العاملة العُمانية، في إطار مساعي بعض الشركات لخفض تكاليفها التشغيلية. كما أورد أن الحالات الواردة إلى الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان سجلت إنهاء خدمات 1,538 عاملًا خلال النصف الأول من عام 2025.
وتكشف هذه المعطيات عن إشكالية تتجاوز انتهاء عقد تجاري بين شركتين؛ إذ قد يتحمل العامل تبعات قرار لا يتعلق بالضرورة بأدائه أو كفاءته، وإنما باستمرار المشروع أو انتقاله إلى مقاول آخر.
ومع ذلك، فإن انتقال العقد لا يعني تلقائيًا ضياع الحقوق، كما أن استمرار العامل في الموقع نفسه لا يعني بالضرورة بقاء جميع شروط عمله دون تغيير. فلكل حالة ظروفها، ويظل تحديد الوضع القانوني مرتبطًا بطبيعة العلاقة بين الأطراف والإجراءات المتخذة.
سنوات الخدمة: هل يبدأ العامل من جديد؟
لا تمثل سنوات الخدمة مجرد مدة زمنية في سجل العامل؛ فقد ترتبط بخبرته وتدرجه الوظيفي وتقييم أدائه، فضلًا عن بعض العلاوات والمزايا التي تحددها عقود العمل أو الأنظمة المعمول بها في المنشأة.
وتظهر الإشكالية عندما ينتقل العامل إلى شركة أخرى، بينما يواصل أداء الوظيفة نفسها وفي المشروع ذاته. فقد يجد نفسه أمام عقد جديد، أو مدة خدمة تبدأ من تاريخ انتقاله، أو شروط مختلفة للحصول على علاوة أو ميزة كانت مرتبطة بمدة خدمته السابقة.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: الحقوق التي استحقها العامل بالفعل، والشروط التي ترتبط باستمرار خدمته لدى صاحب عمل معين. فلا يصح افتراض سقوط الحقوق السابقة لمجرد تغيير المقاول، كما لا يمكن الجزم بأن جميع المزايا ستنتقل تلقائيًا دون النظر في الأساس القانوني والتعاقدي لكل منها.
وتزداد أهمية هذا التمييز إذا طُلب من العامل توقيع عقد جديد بشروط تختلف عن عقده السابق؛ إذ ينبغي أن يكون على دراية بما يترتب على ذلك، ولا سيما ما يتعلق بالأجر والمزايا ومدة الخدمة وطبيعة العلاقة التعاقدية.
إذا لم تحصل الشركة على عقد جديد؛ من يتحمل النتيجة؟
قد تكون النتيجة أكثر صعوبة عندما لا تفوز الشركة بعقد جديد، أو لا تتمكن من مواصلة العمل في المشروع. ففي هذه الحالة، قد يفقد العامل وظيفته رغم امتلاكه سنوات طويلة من الخبرة في المجال نفسه.
وفي مقال نشرته مجلة ”سواعد نقابية“ في 19 يونيو 2023، بعنوان ”التسريح العمالي بين أروقة الإعلام ومعاناة العمال“، استعرض حالات رصدها الاتحاد العام لعمال سلطنة عُمان خلال الفترة من 2016 إلى 2019.
وبحسب الأرقام التي أوردها المقال، بلغ مجموع الحالات 12,986 حالة، منها 4,000 حالة في عام 2016 وما قبله، و5,000 في عام 2017، و1,334 في عام 2018، و2,652 في عام 2019.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع الحالات ارتبطت بانتهاء العقود من الباطن، لكنها تضع قضية التسريح في سياق أوسع، يتعلق بمصير العامل عندما تتوقف الأعمال أو تتغير احتياجات الشركات.
فخسارة الوظيفة لا تعني انقطاع الراتب فحسب، بل قد تمتد آثارها إلى الالتزامات الأسرية والقروض والنفقات اليومية، خصوصًا إذا طالت فترة البحث عن فرصة بديلة، أو اضطر العامل إلى خوض نزاع للمطالبة بحقوقه.
المادة 50: ماذا تقول للعامل عند انتقال المشروع؟
ينص قانون العمل الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 53/2023، في المادة (50)، على أن صاحب العمل يلتزم بتشغيل القوى العاملة العُمانية التي كانت تعمل في المشروع ذاته الذي آل إليه كليًا أو جزئيًا، مع منحهم الأجر والمزايا والحوافز المالية المتفق عليها في اتفاقية الأيلولة.
وبلغة أبسط، إذا انتقل المشروع نفسه، أو جزء منه، إلى صاحب عمل آخر، فإن النص يلزم صاحب العمل الذي آل إليه المشروع بتشغيل العُمانيين الذين كانوا يعملون فيه، وبمنحهم الأجر والمزايا والحوافز المالية المتفق عليها في اتفاقية انتقال المشروع.
لكن المادة لا تعني أن كل شركة تخسر عقدًا ملزمة تلقائيًا بنقل عمالها إلى الشركة التي تفوز به؛ إذ يتوقف ذلك على ما إذا كانت الحالة تمثل انتقالًا للمشروع كليًا أو جزئيًا بالمعنى المقصود في النص، وعلى طبيعة الترتيبات والاتفاقية ذات الصلة.
كذلك، فإن المادة تحدد التزامًا بالتشغيل والأجر والمزايا والحوافز المتفق عليها في اتفاقية الأيلولة، لكنها لا تنص صراحةً على أن كل تفاصيل سنوات الخدمة السابقة تُحتسب تلقائيًا بالطريقة نفسها في جميع الحالات. ولذلك، يتطلب تحديد أثر الانتقال في مدة الخدمة والحقوق المرتبطة بها فحص الاتفاقية والعقود والوقائع ذات الصلة.
أما المادة (49) من القانون نفسه، فتتناول التزامات صاحب العمل عند وقوع تصرفات مثل البيع أو التأجير أو التنازل أو الإدماج وغيرها، وتقرر في الحالات التي حددتها استمرار عقد العمل ومسؤولية الخلف بالتضامن مع أصحاب الأعمال السابقين عن تنفيذ الالتزامات القانونية، مع استثناء حالات التصفية والإفلاس والإغلاق الكلي المرخص به من حكم استمرار العقد.
وهذا التمييز مهم؛ فانتقال المشروع ليس بالضرورة هو نفسه انتقال ملكية الشركة أو إدماجها، كما أن تغير المقاول الرئيس وحده لا يكفي للجزم بانطباق المادة (50) دون دراسة الحالة.
حين يتحول فقدان الوظيفة إلى نزاع طويل
لا تنتهي معاناة العامل دائمًا عند فقدان الوظيفة؛ فقد تبدأ بعدها رحلة المطالبة بحقوقه؛ وفي مقال نشرته مجلة ”سواعد نقابية“ في 11 مارس 2024 بعنوان ”سير إجراءات القضايا العمالية، وسرعة البت فيها“، عرضت المجلة حالة عامل استغرقت قضيته أكثر من 14 جلسة، وامتدت لأكثر من عام ونصف، وسط معاناة شملت انقطاع الراتب وتكاليف التنقل بين الجهات المعنية.
وتبرز هذه الحالة الأعباء التي قد يتحملها العامل أثناء سعيه للحصول على حقوقه، في وقت يواجه فيه أصلًا تحديات مالية ومهنية.
وينظم قانون العمل إجراءات المطالبة بالحقوق العمالية؛ إذ تنص المادة (9) على تقديم طلب التسوية إلى الجهة المختصة في وزارة العمل قبل رفع الدعوى إلى المحكمة، مع تحديد مدد للإجراءات. كما تنص المادة (10) على جواز تقدم العامل المفصول بشكواه خلال 30 يومًا من تاريخ إخطاره بقرار الفصل.
وتؤكد هذه الأحكام أهمية معرفة العامل بالإجراءات والمواعيد القانونية، وعدم ترك المطالبة بالحقوق دون متابعة.
كيف يمكن الحد من الأثر؟
من بين المقترحات التي تبرز في النقاش حول العقود من الباطن تعزيز الرقابة على تطبيق أحكام قانون العمل، ورفع مستوى الشفافية عند انتقال المشاريع بين المقاولين، وتوضيح الالتزامات المتعلقة بالعمال قبل إتمام الانتقال.
كما أن وجود بيانات دقيقة عن خبرات العاملين ومؤهلاتهم قد يساعد في تسهيل إعادة توزيعهم على مشاريع أخرى، والاستفادة من الكفاءات التي تفقد وظائفها بسبب انتهاء الأعمال، بدلًا من أن تتحول سنوات الخبرة إلى فترة انتظار طويلة في سوق العمل.
وتظل الحاجة قائمة إلى توضيح وضع العامل عند تغير المظلة التعاقدية، وتحديد ما إذا كانت الحالة تخضع لأحكام انتقال المشروع، وما يترتب عليها من التزامات، مع ضمان معرفة العامل بحقوقه وإتاحة سبل فعالة للمطالبة بها.
فحين تتغير المظلة وتبقى الشركة، لا يتعلق السؤال بمجرد استمرار العامل في موقعه، بل بما يحدث لحقوقه وخبرته وشروط عمله، وحين لا يستمر العقد، يصبح السؤال الأهم: هل يمكن أن ينتقل العامل إلى فرصة أخرى تحفظ ما اكتسبه من خبرة، بدلًا من أن يبدأ رحلة البحث عن عمل من جديد؟





