أثير – أمين بركة
تبذل عُمان جهودًا حثيثة لرفع الإنتاج المحلي من ثمار المانجو إلى نحو 44 ألفًا و785 طنًا بحلول عام 2030، وذلك عبر حزمة من الإجراءات والمشاريع الاستثمارية التي تستهدف توسيع الرقعة الزراعية وتقليص الفجوة الاستيرادية، بما يتماشى مع خطط تعزيز الأمن الغذائي.
وتبلغ نسبة الاكتفاء الذاتي من ثمار المانجو في عُمان نحو 27%، فيما تظهر بيانات وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في عُمان لعام 2025، أن إنتاج المانجو في عُمان نحو 17 ألف طن، من مساحة مزروعة 3,907 أفدنة، في حين بلغ الاستيراد نحو 46 ألف طن من المانجو، بقيمة تقارب 18.7 مليون ريال عُماني.
وتنظر الوزارة إلى هذه الفجوة باعتبارها مؤشرًا على وجود سوق محلية قائمة، يمكن تحويل جزء أكبر منها إلى إنتاج واستثمار داخل السلطنة، بدل الاقتصار على استيراد المنتج النهائي.
إنتاج ينمو
شهد إنتاج المانجو العُماني نموًا خلال السنوات الأخيرة؛ فبين عامي 2023 و2025 ارتفع الإنتاج من 16,149 طنًا إلى 17,123 طنًا، بزيادة قدرها نحو 974 طنًا، أي حوالي 6%، فيما ارتفعت المساحة المزروعة من 3,649 إلى 3,907 أفدنة، بزيادة نحو 258 فدانًا، أي 7.1%.
وتشير هذه الأرقام إلى أن التوسع الحالي ارتبط بدرجة كبيرة بزيادة المساحة، فيما يمثل رفع إنتاجية الفدان وتحسين الأصناف والممارسات الزراعية أحد المحاور التي تراهن عليها عُمان في المرحلة المقبلة.
وبحساب متوسط الإنتاج على المساحة المزروعة، فإن الإنتاج وصل إلى نحو 4.38 طن للفدان في 2025، مقابل نحو 4.42 طن للفدان في 2023.
وفي مقابلة أجرتها “أثير” مع د. عبد الله الجابري رئيس قسم بحوث التقنية الحيوية في وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، ود. علي العدوي مدير دائرة البحوث الزراعية بمحافظة شمال الباطنة، أوضحا أن تطوير إنتاج المانجو لا يرتبط بزيادة المساحات وحدها، وإنما يتطلب رفع إنتاجية المزارع وتحسين جودة الشتلات والأصناف وربط الإنتاج بمتطلبات السوق.
فجوة استيرادية تتحول إلى فرصة
في الوقت الذي وصل فيه الإنتاج المحلي 17,123 طنًا في 2025، وصلت واردات المانجو إلى نحو 46,211 طنًا، أي ما يعادل حوالي 2.7 ضعف الإنتاج المحلي المسجل في العام نفسه.
وتقدر قيمة هذه الواردات بنحو 18.7 مليون ريال عُماني سنويًا، وهو ما تعتبره وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه فرصة استثمارية يمكن الاستفادة منها عبر مشاريع إنتاجية وتجارية قادرة على توفير جزء أكبر من احتياجات السوق محليًا.
وشهد عام 2026 طرح فرص استثمارية في إنتاج ثمار المانجو، إذ طرحت الوزارة مساحة تصل إلى نحو 2,060 فدانًا، بإنتاج متوقع 8,957 طنًا.
قفزة مستهدفة بحلول 2030
وضعت سلطنة عُمان هدفًا لتوسيع الإنتاج المحلي من المانجو في إطار خطة توطين الواردات للفترة 2026–2030، ويتمثل في رفع الإنتاج إلى نحو 44,785 طنًا سنويًا، ولتحقيق ذلك، تستهدف زيادة المساحة المزروعة إلى حوالي 10,300 فدان، مقارنة بـ3,907 أفدنة في 2025.
وهذا يعني إضافة نحو 6,400 فدان تقريبًا إلى المساحة الحالية، وزيادة الإنتاج بنحو 27,662 طنًا، أي رفع الإنتاج بنحو 162% مقارنة بمستوى 2025، في حين سترتفع المساحة المستهدفة بنحو 164%.
وتقدر القيمة الإنتاجية المستهدفة بنحو 17 مليون ريال عُماني.
لكن الوزارة تؤكد أن الوصول إلى هذا الهدف لا يعتمد على التوسع الأفقي فقط؛ إذ يشمل رفع إنتاجية وحدة المساحة، وتحسين جودة الثمار، ورفع كفاءة استخدام المياه، واختيار الأصناف ذات الجدوى الاقتصادية، إلى جانب استخدام تقنيات الري الحديثة وتحسين إدارة المزارع.
أصناف محلية.. والاختيار وفق السوق
توجد زراعة المانجو في عدد من محافظات سلطنة عُمان، وتتركز مساحات مهمة منها في شمال الباطنة وجنوب الباطنة، إلى جانب وجودها في شمال الشرقية وظفار ومسندم وقريات، وهو ما يجعل اختيار الأصناف الملائمة للظروف البيئية لكل منطقة عاملًا مهمًا في التوسع.
ويشير الجابري والعدوي إلى عدد من الأصناف المحلية المعروفة، من بينها الحلقوم، والعرش، والخضراء، والبطيخة، والعشبية، وأم الروب، والفليج، وصحاري، والزنجباري الأحمر.
لكن تحديد الصنف الأفضل تجاريًا -بحسبهما- يرتبط بعدة عوامل، منها انتظام الإنتاج، وجودة الثمار، وموعد النضج، ومدى قبول المستهلك، استنادًا إلى تقييمات محلية تمتد عبر مواسم متعددة.
252 صنفًا في بنك الموارد الوراثية
تمتلك عُمان قاعدة بحثية في مجال المانجو؛ ففي محطة البحوث الزراعية في صحار يوجد بنك الموارد الوراثية للمانجو، ويضم 252 صنفًا موزعة على 708 أشجار، جُمعت من مختلف محافظات عُمان ومن 23 دولة معروفة بإنتاج المانجو.
ومن بين هذه الأصناف 62 صنفًا عُمانيًا محليًا، بما يمثل قاعدة وراثية يمكن استخدامها في البحث والتطوير واختيار الأصناف الأكثر ملاءمة للظروف المحلية.
وبحسب الجابري والعدوي، تخضع الأشجار في البنك لبرامج تقييم مستمرة لدراسة الإنتاجية وجودة الثمار ومدى ملاءمة الأصناف للظروف البيئية المختلفة.
وقد أسفرت التقييمات الزراعية عن اختيار أكثر من 30 صنفًا واعدًا من حيث الإنتاجية والجودة، بما يساعد على توجيه التوسع التجاري نحو أصناف ذات جدوى اقتصادية وتلبي متطلبات السوق.
ويضيف الباحثان أن بحثًا مشتركًا أُجري لدراسة 126 مدخلًا وراثيًا باستخدام 64 واسمًا جزيئيًا، وأظهر وجود تنوع وراثي واسع يمكن أن يدعم جهود الحفظ والتحسين الوراثي للمانجو.
ويؤكدان أن هذه النتائج لا تثبت بمفردها تحمل الأصناف للملوحة أو الأمراض، وإنما توفر قاعدة علمية يمكن البناء عليها في برامج الحفظ والاختيار والتحسين.
جنوب الباطنة.. قاعدة رئيسية للإنتاج
تظهر محافظة جنوب الباطنة كإحدى المناطق المهمة في إنتاج المانجو وتوسيع زراعته، ففي ولاية بركاء، تجاوزت المساحة المزروعة بالمانجو 4 آلاف فدان، وتضم أكثر من 40 ألف شجرة، وفق بيانات مديرية الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية وموارد المياه بالمحافظة.
كما يجري تنفيذ مشروع لزيادة إنتاج المانجو في الولاية على ثلاث قطع زراعية، مع الاعتماد على شتلات توفرها مراكز البحوث الزراعية، إلى جانب أصناف مختارة مستوردة من الخارج.
ومن المتوقع أن يبدأ أول حصاد للمشروع في 2027، مع الاعتماد على أنظمة ري حديثة بهدف رفع كفاءة استخدام المياه وزيادة الإنتاجية.
وفي بركاء والمصنعة أيضًا، تعمل مشاريع أخرى ضمن محفظة الأمن الغذائي لزراعة أكثر من 35 ألف شتلة مانجو على مساحة 373 فدانًا، مع توقع وصول الطاقة الإنتاجية عند اكتمال المشاريع وبدء الإنتاج التجاري إلى نحو 3,382 طنًا سنويًا.
وتعكس هذه المشاريع توجهًا نحو الانتقال من زراعة المانجو في نطاقات تقليدية إلى مشاريع أكثر تنظيمًا من حيث المساحة والأصناف والري والإنتاج التجاري.
وفي سبيل تعزيز قطاع زراعة محصول المانجو في محافظة شمال الباطنة، عقدت وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه خلال الفترة من 23 إلى 25 يونيو 2026 مهرجان فاكهة المانجو الأول، بمشاركة عدد من الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في ولايات المحافظة.
وشاركت في المهرجان 45 جهة، مثلت 45 جناحًا وركنًا، وسجل المهرجان أكثر من 6 آلاف زائر، ووصلت قيمة مبيعات المانجو أكثر من 10 آلاف ريال عُماني، في حين وصلت القيمة الإجمالية لمبيعات شتلات أشجار المانجو إلى أكثر من 500 ريال عُماني.
وفيما يخص الأصناف المعروضة من المانجو في المهرجان، جاء صنف الزعفراني في الصدارة، يليه صنف الصحاري، ثم أصناف المحلي، وتنورا، وبرماسي، والهندية، والزبدة، بالترتيب.
وهدف المهرجان إلى تعزيز قطاع زراعة المانجو في المحافظة، باعتباره منصة استثمارية واقتصادية تجمع المزارعين والمستثمرين والمهتمين، بما يسهم في تبادل الخبرات، وتعزيز الاستثمارات الزراعية النوعية، ودعم وتسويق المنتج العُماني وتعزيز تنافسيته، وفتح قنوات تسويقية جديدة، وتبادل الخبرات في زراعة المانجو.
المياه والآفات.. تحديات التوسع
على الرغم من الجهود التي تبذلها الوزارة لرفع المساحة المزروعة بالمانجو، إلا أن هناك تحديات تواجه التوسع، وأبرزها المياه؛ إذ يشير الجابري والعدوي إلى أن أبرز التحديات التي تواجه القطاع تشمل ندرة المياه وملوحتها، والآفات والأمراض، إضافة إلى مشكلة التدهور المفاجئ لأشجار المانجو.
ويستدركان “أن البحوث الزراعية ساعدت في فهم مسببات التدهور المفاجئ قبل حصاد المحصول، وتحديد أصناف ذات مقاومة نسبية، مع استمرار الحاجة إلى الوقاية والمتابعة واختيار الأصول المناسبة وتحسين إدارة الري”.
ولهذا تركز خطط تطوير القطاع على رفع كفاءة استخدام المياه، بما يحقق أفضل إنتاج ممكن من كل وحدة مياه مستخدمة، بما ينسجم مع خطط عُمان للتوسع في الزراعة ضمن بيئة تتطلب إدارة دقيقة للموارد الطبيعية.
التقنيات الحديثة.. دور في رفع الإنتاج
ينبه الجابري والعدوي إلى أن التقنيات الزراعية الحديثة يمكن أن تلعب دورًا مباشرًا في رفع إنتاجية المانجو، بدءًا من استخدام شتلات سليمة ومعروفة الصنف، مرورًا بجدولة الري وفق احتياجات النبات والتربة، وتحسين التغذية والتقليم، ومتابعة الآفات والأمراض، وصولًا إلى الحصاد والتداول السليم للثمار.
ويُقاس نجاح هذه الممارسات، بحسبهما، بزيادة الثمار القابلة للتسويق، وكفاءة استخدام المياه، وتحسين عائد المزارع، ويربطان ذلك بالبحث العلمي، بحيث تكون زيادة المساحة المزروعة جزءًا من منظومة تعتمد على اختيار الصنف المناسب والموقع المناسب والإدارة الزراعية الملائمة.
من الثمرة إلى التصنيع.. قيمة متكاملة
يمتلك محصول المانجو سلسلة قيمة اقتصادية متكاملة تبدأ من إنتاج الشتلات والمدخلات مرورًا بالزراعة والري والخدمات الزراعية، ومن ثم الفرز والتدريج، فالتعبئة والتبريد والتخزين والنقل والتسويق، وصولًا إلى التصنيع الغذائي.
ويؤكد الجابري والعدوي أهمية تعزيز تنافسية المحصول عبر ربط الإنتاج بخدمات الفرز والتعبئة والتخزين والتسويق، إلى جانب دعم تجمعات المنتجين والتدريب التطبيقي وتطوير منتجات مصنعة ذات جدوى اقتصادية.
وهذا يفتح المجال أمام منتجات متعددة إلى جانب المانجو الطازج، مثل العصائر والمركزات والمنتجات الغذائية المصنعة، إضافة إلى خدمات التعبئة والتخزين والنقل وسلاسل التبريد.
ويشيران إلى أن تطوير هذه الأنشطة يمكن أن يرفع القيمة المحلية المتحققة من المحصول، ويفتح فرصًا أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال، فضلًا عن الأنشطة المرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية والتصنيع.
المانجو ضمن استراتيجية تنويع الإنتاج الزراعي
يأتي التوسع في المانجو ضمن توجه أوسع لُعمان لزيادة إنتاج محاصيل الفاكهة وتقليل الفجوات في بعض المنتجات الغذائية.
وأعلنت وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه أن الخطة الخمسية الحادية عشرة 2026–2030 تستهدف التوسع في إنتاج محاصيل الفاكهة، ومن بينها المانجو والعنب والنارجيل والتين، إلى جانب العمل على رفع إنتاج محاصيل أخرى.
ويتزامن ذلك مع استثمارات واسعة في قطاعات الأمن الغذائي؛ إذ وصل إجمالي الاستثمارات المنفذة في هذه القطاعات خلال الخطة الخمسية العاشرة نحو 1.9 مليار ريال عُماني.
كما تعمل عُمان خلال الخطة الحالية على تعزيز استدامة القطاع الزراعي وكفاءة سلاسل القيمة وإدارة الموارد الطبيعية، ضمن برنامج التعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة للفترة 2026–2030.
الخلاصة
مما سبق نستنج أن عُمان تواصل جهودها في تعزيز إنتاجية ثمار المانجو وتقليل الاعتماد على استيرادها من خلال استراتيجية طموحة تستهدف رفع الإنتاجية إلى 44.7 ألف طن بحلول عام 2030، وذلك عبر التوسع الممنهج في الرقعة الزراعية.
إضافة إلى ذلك، ترتكز الجهود على إدخال تقنيات الري الحديثة، ونشر الأصناف عالية الجودة ومقاومة الآفات، إلى جانب تعزيز الاستثمار والشراكات مع القطاع الخاص؛ مما يضمن إحلال المنتج المحلي بكفاءة، ورفع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي وفق مستهدفات رؤية عُمان 2040.





