”جائزة بلعرب“ نموذجًا، كيف يجد الشباب مكانهم في المشهد العمراني؟

ينتقل الشباب العُماني من المشاركة في صياغة التوجهات العمرانية إلى قيادة المشروعات وتصميمها، عبر التأهيل المهني والمنافسات المعمارية والمشاركة المجتمعية.

”جائزة بلعرب“ نموذجًا، كيف يجد الشباب مكانهم في المشهد العمراني؟
كيف يجد الشباب مكانهم في المشهد العمراني؟
أثير-جميلة العبرية
على ورقة قد تبدأ فكرة لساحة تطل على البحر، وفي حلقة عمل قد يقترح شاب خدمة لمحافظته، وبين الفكرة والمشروع رحلة تمنح لآراء الشباب طريقًا إلى دراستها واعتمادها وتنفيذها، ويصبح لأصحابها أثر في المدن التي سيعيشون فيها.
وبمناسبة يوم الشباب العُماني، ترصد ”أثير“ مسارات لمشاركة الشباب، من صياغة التوجهات العمرانية والتصميم إلى قيادة المشروعات، عبر الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية وبرنامج ”رافد“ وجائزة بلعرب بن هيثم للتصميم المعماري.

من وضع الاستراتيجية؟

بدأ إعداد الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية ضمن أعمال الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط آنذاك، بالتعاون مع استشاريين متخصصين، وانطلق العمل الفعلي عام 2016، ثم تواصلت الدراسات والورش بمشاركة قطاعات وفئات مجتمعية مختلفة.
وعند إعلانها عام 2021، أوضح وزير الإسكان والتخطيط العمراني أن أكثر من 50 جهة شاركت في صياغتها، عبر أكثر من 900 لقاء وحلقة عمل فنية، فيما تجاوز إجمالي المشاركين في حلقات العمل والمسوحات الفنية 63 ألف مشارك.
ومن أمثلة مساهمة الشباب، حلقة ”الرؤية العمرانية لمحافظة جنوب الباطنة“ التي نظمتها الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط آنذاك في مارس 2019، بمشاركة الشباب وممثلين لقطاعات مختلفة.

كيف يمهّد ”رافد“ للمسؤولية؟

في 29 سبتمبر 2022، أطلقت وزارة الإسكان والتخطيط العمراني البرنامج الوطني لبناء القدرات في التخطيط العمراني ”رافد“، برعاية صاحب السمو السيد بلعرب بن هيثم بن طارق آل سعيد وزير الدّولة ومحافظ مسقط، لتأهيل الكفاءات لقيادة التحول العمراني وتنفيذ الاستراتيجية.
وصُمم بالشراكة مع كلية ثندربيرد للإدارة العالمية بجامعة أريزونا، عبر مساري ”ألفا“ للقادة و”بيتا“ للمتخصصين والممارسين، وشملت محاوره التخطيط العمراني والاقتصادي والمدن الذكية والتحول الرقمي والمشاركة المجتمعية، وجمع التدريب والتطبيق العملي والإرشاد والجولات الدولية.
وشهد عام 2025 تخريج الدفعة الثالثة بمشاركة 40 متدربًا من 20 جهة، بعد تخريج أكثر من 95 كفاءة في الدفعتين السابقتين.
كما شهد عام 2026 تخريج 20 مستفيدًا من البرنامج، ضمن مسار بناء الكفاءات العمرانية بالشراكة مع 10 جهات.

كيف تنتقل الخبرة للميدان؟

اعتبرت المهندسة ماثر بنت سعيد النبهاني، مديرة مشروع بمدينة السلطان هيثم في المكتب التنفيذي لمشاريع المدن المستقبلية بأن برنامج ”رافد“ كان محطة مهمة في مسيرتها المهنية؛ إذ أتاح لها العمل لمدة ثلاثة أشهر مع شركة SOM في المملكة المتحدة على مشروع مدينة السلطان هيثم. حيث أسهمت هذه التجربة في تطوير معرفتها بالتخطيط والتصميم، وفهم آليات العمل على المشاريع الكبرى، من خلال المشاركة المباشرة وتبادل الخبرات مع متخصصين عالميين، مشيرة إلى أن هذه التجربة عزّزت جاهزيتيها لتحمل مسؤوليات فنية وقيادية أكبر.
وأضافت في حديثها لـ ”أثير“ أنها وجدت في بيئة العمل بمدينة السلطان هيثم الثقة والتمكين لتوظيف هذه الخبرات، ضمن فريق شاب وطموح تتاح له فرصة المبادرة والمشاركة في اتخاذ القرار."

أين دور الشباب في المدن الذكية؟

أشار إسماعيل بن إبراهيم العبدلي مدير مشروع في المدن الذكية مدينة السلطان هيثم في حديثه لـ ”أثير“، بأنه ومن خلال عمله ضمن فريق المدن الذكية في وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، أتيحت له الفرصة للمساهمة في مشروع مدينة السلطان هيثم، وهو أحد المشاريع التي تعكس التوجه نحو بناء مدن أكثر ذكاءً واستدامة. موضحًا بأن دور الشباب تركز على الجوانب التقنية والبنية الأساسية الذكية للمدينة، والتنسيق مع مختلف الجهات لضمان تكامل الأنظمة والتقنيات، بما يخدم احتياجات السكان ويواكب التطورات المستقبلية
واعتبر أن أهم استفادة متحققة من برنامج ”رافد“ تتمثل في أهمية النظر إلى المشاريع من منظور أشمل، وكيفية تحويل الأفكار إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.
وتربط هاتان التجربتان بين التأهيل وإتاحة المسؤولية، فالمعرفة المكتسبة تجد مجالها في متابعة المشروعات وتنسيق الجهات وتكامل الأنظمة، فيما تقدم الجائزة مسارًا للمنافسة على تصميم المكان، وتتطلب هذه المسارات متابعة مستمرة للأفكار والكفاءات، وتمكين أصحابها من المشاركة في مراحل التنفيذ والتقييم، حتى يستطيع الشباب رؤية أثر عملهم في الخدمات والمرافق والحياة اليومية للسكان، وتصبح المدينة مساحة لتطبيق الخبرات وتطويرها وتبادلها بين الأجيال، مع الحفاظ على هويتها والاستجابة لاحتياجات مجتمعها المتغيرة ومواكبة تطلعات سكانها مستقبلًا.

متى يصبح التصميم مشروعًا؟

تتيح جائزة ”بلعرب بن هيثم للتصميم المعماري“ للمواهب العُمانية تقديم تصورات لمشروعات محددة، وربط التصميم الفائز بجهة تتولى تطويره وتنفيذه.
ومن أمثلتها ”ميدان مطرح“، الفائز بالمركز الأول في الدورة الأولى، تصميم أحمد بن محمد الجهضمي وأميمة بنت محمود الهنائية وعبدالله بن صالح البحري، وفي ديسمبر 2025 أعلنت بلدية مسقط إسناد أعماله الإنشائية، ثم أعلنت في يونيو 2026 انطلاق الأعمال.
وفي الدورة الثانية، فاز محمد بن صلاح البلوشي بتصميم متحف التاريخ البحري بصور، مستلهمًا تجمع السفن في خور البطح، ومتضمنًا مسارات ومرافق ترتبط بمحيطه، ووقعت وزارة التراث والسياحة عام 2024 اتفاقيتين بقيمة 12 مليون ريال لتمويل مراحله الأولى مع العُمانية للغاز الطبيعي المسال والعُمانية الهندية للسماد.

كيف تتسع المشاركة؟

يحمل سكان المدن معرفة عن التنقل والخدمات والفضاءات العامة، وتتيح وزارة الإسكان والتخطيط العمراني استبيانات للمشاركة المجتمعية، كما تضمنت ”رحلة المدينة السعيدة ـ مسقط“ في أكتوبر الجاري مختبرات لمناقشة احتياجات المجتمع. وتتعمق المشاركة بإعلان نتائج المشاورات وإشراك الشباب في تقييم المشروعات.

واختصرت مآثر تطلعها بقولها:

”طموحي أن أترجم هذه الثقة إلى إنجاز ملموس يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان ٢٠٤٠، وأن يكون لي أثر في بناء مدينة ترتقي بجودة الحياة، وتفتح آفاقًا أوسع للأجيال القادمة.“

شارك هذا الخبر