بـ 3 مليارات دولار: تطوير مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في صلالة

بـ 3 مليارات دولار: تطوير مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في صلالة
تطوير مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في صلالة
خاص- أثير
نجحت شركة مبادرة للاستثمار بقيادة تحالف من شركات عُمانية ودولية لتطوير مجمع متقدم لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في صلالة باستخدام الطاقة الخضراء، باستثمار أولي مخطط يبلغ ثلاث مليارات دولار أمريكي (أي ما يعادل 1,1 مليار ريال عُماني)، وبسعة مستهدفة تصل إلى ٤٠٠ ميجاواط قابلة للتوسع.
وقال ياسر البرعمي الرئيس التنفيذي لمبادرة للاستثمار في حوار خاص لـ ”أثير“، بأن الاتفاقية جرى توقيعها في لندن تزامنًا مع الزيارة السامية، وأن طموحنا أن تصبح سلطنة عُمان مركزًا لإنتاج وتصدير خدمات الحوسبة المتقدمة، بما يدعم تنويع الاقتصاد وتوجهات رؤية عُمان ٢٠٤٠.
وأشار إلى أن اختيار ولاية صلالة جاء استنادًا إلى مجموعة من المقومات التي تتكامل لخدمة هذا النوع من الاستثمار، وأن عائد المشروع على سلطنة عُمان يمتد لعدة مجالات من بينها تصدير خدمات رقمية، وتوفير وظائف في مرحلتين، بالإضافة إلى مهارات ونقل المعرفة، وأخيرًا الاستثمار والأعمال المحلية، مؤكدًا أن الأولوية أن يكون للعُمانيين حضور حقيقي في الأعمال المرتبطة بالمشروع.

انطلاقة من عُمان

أشار البرعمي إلى أن الاتفاقية تمت بالشراكة مع ”سوستوبيا كابيتال“ و”فيلا تك”، موضحًا بأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى قدرات حوسبة ضخمة لتدريب النماذج وتشغيلها، مما يلزم توفير بنية أساسية متخصصة تشمل الكهرباء والتبريد والاتصالات والتشغيل المستمر. وبالتالي فإن هذا المشروع سيستضيف هذه القدرات لشركات وعملاء دوليين انطلاقًا من عُمان، وهو مصمم لتلبية احتياجات كبار مشغّلي الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
وأوضح بأن قيمة الاتفاقية التي تبلغ ثلاث مليارات دولار مخصصة للبنية الأساسية لمركز البيانات؛ أي المباني والأنظمة الكهربائية والتبريد والربط بالشبكة والألياف، أما الخوادم والرقائق المتخصصة، فيجلبها عادةً المستأجر وفق احتياجاته. ولذلك فإن دخول المستأجرين وتجهيزاتهم يضيف استثمارات أخرى داخل الموقع، تتحدد قيمتها بحسب حجم التشغيل ونوع الأجهزة.
وعن استخدام الطاقة الخضراء، أفاد بأنها تُعنى بتقليل الأثر البيئي من خلال كفاءة التشغيل واستخدام الطاقة المتجددة، والخطة تجمع بين كهرباء الشبكة والطاقة المتجددة والتخزين بالبطاريات، وسيتم تطوير هذا الجانب من خلال التحالف وشركائه المتخصصين، مشيرًا إلى أن مراكز البيانات تعمل ليلًا ونهارًا، ولذلك يجب أن تتكامل مصادر الكهرباء والتخزين لضمان استمرارية التشغيل، ونسعى إلى زيادة مساهمة الطاقة النظيفة ضمن منظومة موثوقة وتنافسية تلبي متطلبات العملاء.

لماذا صلالة؟

جاء اختيار ولاية صلالة استنادًا إلى مجموعة من المقومات التي تتكامل لخدمة هذا النوع من الاستثمار، مشيرًا البرعمي إلى أن أولها هو الموقع والاتصال بالعالم. فصلالة تطل على بحر العرب وتقع على مسارات مهمة للاتصالات الدولية، ولديها بنية قائمة للربط بالكابلات البحرية وشبكات الألياف، بما يدعم الوصول إلى أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا وغيرها.
وهذه الكابلات هي الطرق التي تنتقل عبرها البيانات بين القارات. والعميل الدولي يحتاج إلى اتصال عالي السعة والاعتمادية لنقل بياناته والوصول إلى خدماته. وجود هذه البنية في صلالة يمنح المشروع أساسًا مهمًا لبناء اتصالات تنافسية مع الأسواق العالمية. موضحًا بأن الفرصة الاقتصادية تتمثل في إضافة خدمات الحوسبة والتخزين والتشغيل إلى هذا الاتصال الدولي. فكما يدعم الميناء نمو التجارة والخدمات والصناعات المرتبطة بها، يمكن للكابلات البحرية أن تدعم نمو منظومة من الأعمال الرقمية حولها.
أما العنصر الثاني فهو المناخ. إذ تتميز صلالة باعتدال درجات الحرارة خصوصا خلال الخريف، في وقت تشهد فيه مناطق كثيرة في المنطقة حرارة صيفية مرتفعة. وهذه الظروف يمكن أن تساعد على تحسين كفاءة بعض أنظمة التبريد. لكن التقييم الهندسي يأخذ الرطوبة وظروف التشغيل على مدار السنة في الاعتبار، حتى نختار الحل الذي يحقق أفضل كفاءة واعتمادية.
وبالنسبة للبحر، يشهد ساحل ظفار ظاهرة صعود مياه أبرد من الأعماق، وهذا يجعل الاستفادة من مياه البحر -وفقًا للبرعمي- في التبريد خيارًا يستحق الدراسة. فالفكرة هي استخدام مبادلات حرارية ودوائر منفصلة لنقل الحرارة، وأي اعتماد لهذا الخيار يتطلب تقييمًا لحرارة المياه طوال السنة، واستهلاك الضخ، والتكلفة، وحماية البيئة البحرية.
كذلك تتوافر في صلالة مقومات الميناء والمطار والمنطقة الحرة والبنية اللوجستية، إلى جانب فرص تطوير الطاقة المتجددة في ظفار. وتمتلك عُمان موارد شمسية ورياحًا ذات قدرة تنافسية عالمية. وأكد البرعمي في حواره لـ ”أثير“ بأن هناك بُعد تنموي نعتز به، إذ نريد أن تضيف الاستثمارات التقنية الكبرى فرصًا اقتصادية ومهنية إلى المحافظة، وأن يستفيد أبناء ظفار من قطاع متقدم يعمل طوال العام ويخدم أسواقًا دولية.

ماذا تعني المشاركة الدولية؟

يرى البرعمي بأن مشاركة شركات استثمارية وتقنية دولية في التحالف تعبيرًا عن الثقة بمقومات سلطنة عُمان وقدرتها على استقطاب استثمارات متقدمة وطويلة الأجل، فالتحالف تقوده مبادرة للاستثمار، بمشاركة سوستوبيا كابيتال وفيلا تك وأو تو غلوبال إنرجي. وتكامل هذه الشركات يجمع الخبرة الاستثمارية مع قدرات تصميم وتطوير مراكز البيانات والطاقة.
وأوضح بأن دور ”مبادرة“ هو قيادة هذا التكامل، وصياغة المشروع تجاريًا، وجمع رأس المال والخبرات والطلب من العملاء حول فرصة استثمارية واضحة في عُمان، بينما تُتيح الشراكة الدولية الوصول إلى خبرات وأسواق وعلاقات تجارية واسعة، مشيرًا إلى أن الهدف أن تتحول هذه المشاركة إلى معرفة تتراكم داخل سلطنة عُمان من خلال تدريب الكوادر، والعمل المشترك، وتطوير قدرات الشركات المحلية.
إذ نريد أن يتعلم المهندس والفني العُماني من هذه الخبرات، وأن تتأهل الشركات العُمانية لتقديم خدمات تلبي متطلبات المشغّلين العالميين. ومع تطور هذه القدرات، تصبح عُمان أكثر استعدادًا لاستقطاب مشاريع أخرى في القطاع، كما أن تنفيذ مشروع ناجح يبعث رسالة عملية للمستثمرين: أن هناك فرصًا قابلة للتطوير، وشركاء محليين قادرين على القيادة، وإمكانات لخدمة العملاء الدوليين. ونقيس نجاح الشراكة بما تبنيه داخل عُمان من أعمال وكفاءات وخبرات، وبما تفتحه من فرص لاستثمارات جديدة في التقنية والطاقة والخدمات المرتبطة بهما.

كيف يتحقق الدخل من المشروع؟

أوضح ياسر البرعمي بأن نموذج الدخل يقوم أساسًا على توفير سعات مجهزة للمستأجرين، فنحن نطوّر البنية الأساسية ونوفّر بيئة التشغيل والخدمات المتفق عليها، ويضع المستأجر تجهيزاته ويستخدمها لتقديم خدماته لعملائه. ويكون العائد من عقود تأجير السعة والاستضافة والخدمات المرتبطة بها، بما يتيح إيرادات متكررة طوال مدة العقود. ويتحدد العائد الفعلي بحسب حجم السعات المتعاقد عليها، والأسعار، وتكاليف التمويل والطاقة والتشغيل.
أما على مستوى سلطنة عُمان، فالعائد يمتد إلى عدة مجالات، فهناك استقطاب الاستثمار وما يصاحبه من أعمال الإنشاء والتجهيز والتوريد. ثم تأتي مرحلة التشغيل، بما تخلقه من طلب مستمر على الكهرباء والاتصالات والصيانة والتبريد والخدمات المحلية. بالإضافة إلى هناك عوائد للمستثمرين المحليين، ورواتب للعاملين، وأعمال للموردين، وما يستحق من ضرائب ورسوم وفق الترتيبات المطبقة. كما يمكن أن تنشأ حول المشروع فرص لشركات البرمجيات والأمن السيبراني والخدمات التقنية.
وأشار البرعمي إلى أنه من الناحية الاستراتيجية، يمكن أن يستخدم عميل خارج السلطنة قدرات حوسبة موجودة في صلالة، بينما تُقدَّم الاستضافة والخدمات المرتبطة بها من داخل عُمان. وهذا يفتح مجالًا لتصدير خدمات رقمية عالية القيمة، وهنا تتحول مزايا الموقع والاتصال والطاقة إلى نشاط اقتصادي متكرر، وتتوسع حصة الاقتصاد العُماني منه كلما زادت المشاركة المحلية في الملكية والتشغيل والتوريد والخدمات.
وعن فرص العمل المتوقعة، أوضح بأن هناك فرص خلال الإنشاء في الأعمال المدنية والكهربائية والميكانيكية والتبريد واللوجستيات، ثم وظائف مستمرة في التشغيل والهندسة والشبكات والأمن السيبراني وأنظمة الطاقة والتبريد، إلى جانب فرص لدى الموردين والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. كما يضيف مشروع الطاقة المتجددة والتخزين احتياجات أخرى للإنشاء والتشغيل والصيانة. وستتحدد الأعداد الدقيقة للوظائف مع استكمال الدراسات وخطط التنفيذ لكل مرحلة، مع التمييز بين أعمال الإنشاء المؤقتة والوظائف التشغيلية المستمرة.
وأكد البرعمي أن الأولوية أن يكون للعُمانيين حضور حقيقي في هذه الأعمال، لذلك نستهدف التدريب والتأهيل والتعلم العملي مع الخبرات الدولية، والعمل مع المؤسسات التعليمية والتدريبية، وتأهيل الشركات المحلية للمشاركة في العقود والخدمات، مؤكدًا أننا نريد أن يمتلك الشباب العُماني المهارات التي تؤهله لتولّي مسؤوليات فنية وإدارية متقدمة، وأن تصبح الخبرة المكتسبة أساسًا لمشاريع تقنية أخرى داخل السلطنة.
وختم ياسر البرعمي الرئيس التنفيذي لمبادرة للاستثمار حواره مع ”أثير“، بالتأكيد على أن طموحنا أن تتحول مقومات صلالة إلى خدمات يحتاج إليها العالم، وأن تتحول هذه الخدمات إلى دخل ومعرفة وفرص مستدامة لعُمان وأبنائها.

شارك هذا الخبر