رصد – أثير
لم يعد الرياضي بحاجة إلى أن يكون حاضراً كي يظهر في إعلان تجاري، فنسخته المولَّدة بالذكاء الاصطناعي باتت تؤدي الدور عنه. ظاهرةٌ جديدة تناولها مقال في صحيفة الغارديان، رصدتها ”أثير“، حيث ظهر نجم منتخب استراليا كريستيان فولباتو بخطى واثقة يعبر بهواً فسيحاً، وعيناه مثبتتان على الكاميرا، ووقع حذائه يتردد على الخرسانة المصقولة، ثم في لحظة ينقسم إلى أربعة: أربع نسخ رقمية تتلاشى، لتعود فتظهر في أماكن متفرقة من العالم.
غير أن هذا المشهد، المقتطع من مقطع متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، ليس حقيقياً، بل مُولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي. لكنه مرخَّص من صاحبه الحقيقي: كريستيان فولباتو، ابن الثانية والعشرين، المولود في سيدني، وهو اليوم أحدث رياضي محترف يمنح ترخيصاً لنسخته الرقمية ويستثمرها تجارياً.
التوائم الرقمية
في منتصف سبتمبر الماضي، أبرم فولباتو، الذي يلعب لنادي ساسولو الإيطالي في دوري الدرجة الأولى (سيريا آ)، اتفاقية مع شركة «كالاندور (Callandor) ومقرها كاليفورنيا لترخيص صورته المُولّدة بالذكاء الاصطناعي.
كجزء من الصفقة، مُنحت شركة ”كالاندور“ حقوقاً حصرية لشبيه فولباتو الرقمي، وصوته، وملفاته البيومترية، وبيانات أدائه. وسوف تستثمر الشركة صورته المُولّدة بالذكاء الاصطناعي من خلال عقد صفقات مع العلامات التجارية، واقتطاع نسبة مئوية، والمساعدة في تقييد المحتوى الذي لا يحظى بموافقته.
تأسست شركة ”كالاندور“ في فبراير، وتضم مجموعة صغيرة من الرياضيين، من بينهم لاعب كرة القدم البرازيلي جورجينيو والبحار الأمريكي كريس بول. وحملاتها لا تزال في مرحلة تجريبية فقط، لكن الشركة تسعى وراء مجموعة من الفرص تتجاوز الإعلانات التقليدية.
وأشار فيسك الشريك المؤسس لشركة ”كالاندور“ عن إنشاء تعليقات صوتية للكتب مُولّدة بالذكاء الاصطناعي بإصدارات بلغات أجنبية. كما يخطط فريقه لتطبيقات توفر للجماهير علاقة شخصية مع التوأم الاصطناعي. وأضاف بأن الهدف الأسمى للرياضي هو الحصول على هذا التفاعل الفردي وجهاً لوجه مع المشجعين، ويمكن لما أسماه بـ ”التوأم الاصطناعي“ أن يُحاوره ويخبره بما يفعل، وهو الأمر الذي لن لن يتمكن فولباتو أبداً من فعله ذلك بشكل فردي معهم.
تُعد صفقة فولباتو مع ”كالاندور“ في طليعة صفقات حقوق الذكاء الاصطناعي، لكنه ليس الأول الذي يتبنى هذه التكنولوجيا. ففي يونيو، رخص النجم البرازيلي نيمار شبيهه المُولّد بالذكاء الاصطناعي لمنصة ترفيهية مملوكة للصين والتي أنشأت مقاطع فيديو قصيرة نُشرت خلال بطولة كأس العالم FIFA.
يتم إطلاق هذه المشاريع بينما تدرس حكومات حول العالم وضع تنظيم أساسي للذكاء الاصطناعي. في الوقت الحالي، لا تتضمن عقود اللاعبين مع دوريات الرياضة الأسترالية الكبرى أي ذكر للذكاء الاصطناعي. لكن التكنولوجيا لا تنتظر اللوائح حتى تحظى باللحاق بالركب، ويقول فيسك إن عملائه من التوائم الاصطناعية يطمسون الخطوط الفاصلة بين الحقيقي والمزيف.
نحن نشاهد سباقاً
يقود ويليام سوندرز شركة ناشئة صغيرة مقرها سيدني تُدعى هايبيرنون (Hyperknown)، والتي تحاول إبرام صفقات مماثلة. ويقول إن الرياضيين بدأوا يدركون أنه إذا لم يقوموا باستثمار صورتهم المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، فسيفعل الآخرون ذلك.
في وقت سابق من هذا الشهر، طلب دوري كرة القدم الأسترالي (AFL) من شريكه في مجال المقامرة ”سبورتسبيت“ التوقف عن استخدام صور اللاعبين المُولّدة بالذكاء الاصطناعي دون موافقتهم، بناءً على شكوى من نقابة اللاعبين، التي تبحث ما إذا كان ينبغي التفاوض على قواعد أكثر صارمة.
وأشار المقال إلى أن الكثير في قطاع الرياضة الأسترالي، بما في ذلك صانعو المحتوى، وشركات المراهنات، وجهات البث، والرياضيون أنفسهم، في تبني هذه التكنولوجيا. وفي وقت سابق من هذا الشهر، ظهر لاعب الكريكيت الأسترالي ترافيس هيد شخصياً في إعلان لشبكة البث كايو (Kayo)، ومزح قائلاً إن نسخته المستنسخة بالذكاء الاصطناعي قد انتهت بالفعل من تصوير الإعلان، قبل الانتقال إلى مشهد يظهر فيه وهو يركب طائر كوكابورا.
وأصبحت صفقات العلامات التجارية والتأييدات مصادر رئيسية للأموال بالنسبة للرياضيين، حيث حصل بعضهم على عقود بقيمة ملايين الدولارات. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت العلامات التجارية ستكون مستعدة لدفع مبالغ ضخمة مقابل نسخة ذكاء اصطناعي، مقارنة بالشخصية الحقيقية.
تشابك المصالح
قال جوناثان هارلين، خبير قانون الملكية الفكرية في جامعة ساوثرن كروس، إن صعود وسطاء الذكاء الاصطناعي هو ”الخطوة التالية الواضحة“ في ”سوق عالمية فائقة النشاط“، فمن منظور قانوني، تفرض الصناعة الجديدة ”تشابكاً بين المصالح والحقوق المختلفة“ التي يجب التفاوض بشأنها بعناية.
واعتبر هارلين أنه في حين أن حقوق النشر والطباعة موجودة بالفعل في التسجيلات الصوتية، والأعمال الفنية، والصور السينمائية، إلا أنه لا يُعترف بها إلا عندما يكون هناك تأليف بشري، فضلاً عن قدر من الجهد البشري المستقل أو الإبداعي المشارك في إنجاز العمل، وهذا لا ينطبق على النسخ المستنسخة بواسطة الذكاء الاصطناعي.
ويتمتع المشاهير والرياضيون ببعض الحماية ضد المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي الذي يستخدم صورهم وأصواتهم دون موافقة. لكن قوانين ”التمرير الخادع“ (passing off) هذه لا تُطبق إلا عندما يثبت الشخصيات العامة أنهم تكبدوا خسارة اقتصادية. ولم يؤدِ هذا إلى إبطاء انتشار مقاطع الفيديو المزيفة العميقة (deepfakes) التي تنتجها برمجيات جاهزة تزداد تطوراً.
وفي المملكة المتحدة الشهر الماضي، أُطلقت حملة من قِبل بعض أبرز لاعبي كرة القدم في العالم، من بينهم كول بالمر ولوسي برونز، والتي سلطت الضوء على مخاوفهم بشأن الفيديوهات المزيفة وعجز التنظيم عن إبطاء انتشارها. وحظيت هذه الحملة بدعم النقابة العالمية للاعبي كرة القدم.
مع ذلك، لن تكون جميع الفيديوهات المزيفة غير المرخصة مرفوضة بالضرورة. يقول فيسك إن الحملة القمعية الشديدة ضد ”فنون المشجعين“ باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي قد تكون نتائجها عكسية.





