خبير يوضح: كيف نعزز هويتنا الوطنية في ظل الانفتاح الرقمي؟

تتطلب حماية الهوية الوطنية حضورًا رقميًا فاعلًا يوثق التراث وينتج محتوى ثقافيًا موثوقًا، مع تمكين الجمهور من التحقق والتفكير النقدي وفهم تأثير المنصات.

عن الكاتب

جميلة العبري
جميلة العبري

محرر وكاتب صحفي

خبير يوضح: كيف نعزز هويتنا الوطنية في ظل الانفتاح الرقمي؟
أسرة عُمانية
أثير – جميلة العبرية
يمكن لأي شخص اليوم الوصول إلى آلاف الأخبار والمعلومات بضغطة واحدة، ومتابعة الأحداث من مصادر متعددة، والمشاركة في النقاشات العامة، لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة القدرة على فهمها أو التمييز بين الصحيح والمضلل منها، كما أن اتساع استخدام المنصات الرقمية لا يكشف وحده مستوى وعي مستخدميها، فمن يصنع الوعي في عالم تتنافس فيه الخوارزميات والمؤسسات الإعلامية وصنّاع المحتوى على انتباه الإنسان؟
هذه القضية فصلها الدكتور علي بن ضميان العنزي، رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للإعلام والاتصال، في ورقة بعنوان “الإعلام الرقمي وإعادة تشكيل الوعي: من تدفق المعلومات إلى بناء الإنسان الواعي”، قدمها مؤخرًا ضمن ندوة “منصات الإعلام الرقمي بين الحرية والمسؤولية”، التي نظمها مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، التابع لديوان البلاط السلطاني، يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026م.

لماذا أصبحت وفرة المعلومات تحديًا؟

انطلق الدكتور العنزي من التحول الذي شهدته البيئة الإعلامية، حيث لم يعد الإنسان يواجه ندرة المعلومات، وإنما وفرتها، وأصبحت المهمة الأساسية مرتبطة بالتحقق من المصداقية وفهم السياق وتقييم المصادر.
وحدد أربع حقائق مرتبطة بهذا التحول، أولها أن الإعلام أصبح بيئة تتشكل فيها المعرفة والهويات، وثانيها توزع التأثير بين المنصات والخوارزميات وصنّاع المحتوى والمستخدمين، وثالثها قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج نصوص وصور وأصوات تبدو حقيقية وقد تكون مصطنعة، ورابعها أن تطور التقنية لا يعني بالضرورة تطور الوعي.
واستشهد بمؤشرات الاتصال الرقمي عالميًا، التي تتجاوز ست مليارات مستخدم للإنترنت، ونحو 5.66 مليارات هوية على منصات التواصل الاجتماعي.
أما في المملكة العربية السعودية، فأشار إلى أن نحو 34.4 مليون سعودي مستخدما للإنترنت، بنسبة انتشار بلغت 99%، إلى جانب نحو 38.6 مليون هوية على منصات التواصل.
ونبّه إلى أن هذه المؤشرات تقيس حجم الاتصال الرقمي، ولا تعبّر بالضرورة عن مستوى الوعي، كما أن عدد الهويات الرقمية لا يساوي عدد الأفراد، نظرًا إلى إمكانية امتلاك الشخص أكثر من حساب.

من يملك سلطة توجيه انتباه الجمهور؟

تتبّع الدكتور العنزي تطور التأثير الإعلامي عبر ثلاث مراحل، بدأت بالصحافة والإذاعة والتلفزيون التي اعتمدت على جمهور يتلقى الرسائل، ثم الإنترنت والمنصات الرقمية التي أتاحت للجمهور المشاركة وإنتاج المحتوى، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي الذي أصبح قادرًا على إنتاج المعلومات وتخصيصها وتلخيصها.
وأوضح خلال عرضه أن هذا التحول نقل جانبًا من التأثير الإعلامي من نشر المعلومات إلى توجيه الانتباه وترتيب ما يظهر للمستخدمين، وهو ما يثير تساؤلات حول الجهات والأنظمة التي تحدد أولويات المحتوى المتداول.
ولفت إلى أن التحدي المستقبلي لا يتمثل في منع المنصات من التأثير، وإنما في تطوير قدرة الإنسان على فهم هذا التأثير والتعامل معه بوعي واستقلالية.

هل يهدد الانفتاح الرقمي الهوية الوطنية؟

خصص الدكتور العنزي محورًا لعلاقة المنصات الرقمية بالهوية الوطنية والثقافة المحلية، موضحًا أن الانفتاح الرقمي يتيح فرصًا لتقديم الثقافة المحلية إلى العالم، وتوثيق التراث، وتوسيع مشاركة الشباب في إنتاج المحتوى الثقافي.
وفي المقابل، أشار إلى تحديات تتعلق باختزال الثقافات في صور نمطية، وانتشار المحتوى غير الموثق، وما قد يترتب عليه من تقديم تصورات غير دقيقة عن المجتمعات وتاريخها.
واستعان في تفسير هذه العلاقة بنظريتي “الغرس الثقافي” و“الاستخدامات والإشباعات“، اللتين تساعدان على فهم تأثير التعرض المتكرر للمحتوى ودوافع اختيار الجمهور للوسائل الإعلامية.
وطرح تساؤلًا حول ما إذا كان الانفتاح الثقافي يعني ذوبان الهوية، مؤكدًا أن الهوية الحية تتفاعل مع المعرفة، وأن الاعتزاز بها يتطلب معرفة مكوناتها وتاريخها.

ثلاث مسارات لحضور الهوية في العالم الرقمي

طرح الدكتور العنزي ثلاث مسارات لتعزيز الهوية الوطنية في البيئة الرقمية، أولها التوثيق الذكي للتراث، من خلال الاستفادة من التقنيات الحديثة في حفظ المواد التاريخية والثقافية وتنظيمها وإتاحتها للأجيال.
أما المسار الثاني، فيتمثل في الإنتاج الثقافي التفاعلي، الذي يتيح تقديم الموروث الثقافي بوسائط رقمية متنوعة، وتطوير أشكال من المحتوى تشجع الجمهور على المشاركة والتعلم.
ويركز المسار الثالث على تعزيز الحضور الثقافي العالمي، عبر توسيع وصول المحتوى المحلي إلى الجمهور الدولي، وتقديم الثقافة الوطنية بمضامين موثوقة ووسائل تناسب المنصات الحديثة.
وشدد على ضرورة التمييز بين المواد التاريخية الموثقة والمواد التوضيحية المصطنعة، خصوصًا مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج الصور والمشاهد التي تحاكي الوقائع التاريخية.
وأكد أن حماية الهوية الوطنية تتحقق بالحضور الفاعل في العالم الرقمي، وإنتاج المعرفة عن الذات، وتوثيق الذاكرة الثقافية، وتمكين الأجيال من فهم ثقافتها والانفتاح على الثقافات الأخرى دون فقدان استقلالية الحكم.

كيف تتغير مسؤولية المؤسسات الإعلامية؟

هنا انتقل الدكتور العنزي إلى دور المؤسسات الإعلامية في مواجهة التدفق المتسارع للمعلومات، موضحًا أن المسؤولية المهنية لم تعد تنتهي عند التحقق من صحة المادة قبل نشرها، وإنما أصبحت عملية مستمرة تشمل التحديث والتصحيح والشفافية والمساءلة.
وتناول أهمية تطوير الممارسات التحريرية بما يتيح مراجعة المعلومات المنشورة، وتحديثها عند ظهور بيانات جديدة، وتصحيح الأخطاء بصورة واضحة للجمهور.
واستحضر توجهات اليونسكو لعام 2024م بشأن تمكين المستخدمين عبر التربية الإعلامية والمعلوماتية، في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وأوضح أن مواجهة التضليل تتطلب تكامل التقنية والتعليم والمسؤولية المهنية، بحيث يفهم الصحفيون وصنّاع المحتوى حدود الأدوات التوليدية، ويتمكن الجمهور من تقييم المحتوى الاصطناعي والتحقق من مصادره، فيما تعتمد المؤسسات سياسات تحافظ على المسؤولية البشرية في اتخاذ القرارات التحريرية.

ما هي العناصر الثلاث لمستقبل الرسالة الإعلامية؟

ربط الدكتور العنزي مستقبل الإعلام بثلاثة عناصر متكاملة، أولها التقنية التي تساعد على التحقق من المعلومات، وثانيها المؤسسات الملتزمة بالمهنية والشفافية، وثالثها الجمهور الذي يمتلك المهارات اللازمة لتقييم الرسائل الإعلامية.
وبيّن أن الرسالة الإعلامية الموثوقة ينبغي أن تكون دقيقة، وواضحة المصدر، وسليمة السياق، وقابلة للمراجعة والمساءلة.
كما أكد أن امتلاك المعلومات أو القدرة على إنتاج المحتوى لا يكفيان لتحقيق الوعي، الذي يرتبط بفهم المعلومات وتحليلها واتخاذ المواقف المسؤولة استنادًا إلى الأدلة.

ما التحولات الخمس لمستقبل الوعي الرقمي؟

اختتم الدكتور العنزي ورقته برؤية استشرافية تضمنت خمس تحولات رئيسية، أولها الانتقال من التركيز على وفرة المعلومات إلى أهمية المصداقية، في ظل تزايد حجم المحتوى وصعوبة التحقق من بعض مصادره.
ويتمثل التحول الثاني في الانتقال من الإعلام الجماهيري إلى الإعلام الشخصي، حيث تتزايد قدرة المنصات على تقديم المحتوى وفق اهتمامات المستخدمين واحتياجاتهم.
أما التحول الثالث، فيتعلق بالانتقال من مكافحة التضليل بعد انتشاره إلى بناء المناعة المعرفية، عبر تمكين الأفراد من مهارات التفكير النقدي والتحقق وفهم أساليب التأثير.
ويركز التحول الرابع على الانتقال من حماية الهوية إلى صناعة الحضور الثقافي، من خلال إنتاج المحتوى الموثوق الذي يعبر عن الثقافة الوطنية ويعزز وصولها إلى الجمهور.
فيما يتمثل التحول الخامس في الانتقال من قياس انتشار المحتوى إلى قياس أثره، بحيث لا يقتصر تقييم الرسالة الإعلامية على عدد المشاهدات والتفاعلات، وإنما يمتد إلى قدرتها على تعزيز المعرفة والفهم والوعي.
كما أكد الدكتور العنزي أن التقنية تتغير، بينما تبقى مسؤولية الإنسان في التعامل معها، وأن الهوية القوية لا تخشى المعرفة، وإنما تحسن الاستفادة منها، مشددًا على أن بناء الإنسان القادر على الفهم والتحليل واتخاذ القرارات المستندة إلى الأدلة يمثل الأساس لمواجهة التحولات الإعلامية المقبلة.

شارك هذا الخبر