من يختار ما نراه على هواتفنا؟ قراءة في تأثير المنصات الرقمية على الوعي والمجتمع

عن الكاتب

جميلة العبري
جميلة العبري

محرر وكاتب صحفي

من يختار ما نراه على هواتفنا؟ قراءة في تأثير المنصات الرقمية على الوعي والمجتمع
قراءة في تأثير المنصات الرقمية على الوعي والمجتمع
أثير-جميلة العبرية
قد يشاهد مستخدم مقطعًا على إحدى المنصات الرقمية، فتقترح عليه مقاطع أخرى تتناول الفكرة نفسها، ومع استمرار التفاعل تتزايد المضامين المتشابهة، وتتراجع فرص وصوله إلى آراء مختلفة، وفي المقابل، قد تنتشر معلومة غير صحيحة بين آلاف المستخدمين قبل التحقق منها، فمن يختار ما نراه؟ وكيف تؤثر المنصات في تشكيل وعينا؟
هذه التساؤلات تناولها المكرم الأستاذ الدكتور عبدالله بن خميس الكندي عضو مجلس الدولة ورئيس قسم الإعلام في جامعة السلطان قابوس، خلال ندوة مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، التابع لديوان البلاط السلطاني " الإعلام الرقمي بين الحرية والمسؤولية“، وحضرتها “أثير”.

كيف أصبحنا نعيش داخل الإعلام الرقمي؟

عرض المكرم أ.د. عبدالله الكندي التحولات التي جعلت الإعلام الرقمي بيئة اتصالية تقوم على التفاعلية وسرعة تداول المعلومات، وتتيح للجمهور المشاركة في إنتاج المحتوى وتوزيعه.
واستحضر رؤية بيل غيتس عام 1996م بشأن أهمية المحتوى، ومفهوم “رأسمالية المراقبة” للباحثة شوشانا زوبوف، الذي يتناول استثمار بيانات المستخدمين في تحليل سلوكهم والتنبؤ به.
ووفق مؤشرات أوردتها الكندي لعام 2026م، بلغ مستخدمو الإنترنت عالميًا 6.04 مليارات، ووصل عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى 5.66 مليارات، مع استخدام يومي يتجاوز ساعتين ونصف الساعة، فيما بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت في سلطنة عُمان 95.3%.

ثلاث تحولات في صناعة الأخبار

حدد الدكتور عبدالله ثلاث تحولات أحدثتها المنصات، أولها انتقال الأخبار إليها، مستشهدًا ببيانات أمريكية لعام 2025م أظهرت وصول الأخبار عبر المنصات بنسبة 54%، مقابل 50% للتلفزيون.
ويتمثل الثاني في تراجع احتكار المؤسسات الإعلامية لدور “حراسة البوابة”، إذ أصبحت الخوارزميات والمؤثرون والمستخدمون يشاركون في تحديد انتشار الأخبار، أما الثالث فهو الانتقال من ندرة المعلومات إلى وفرتها، وما يصاحبه من صعوبة التمييز بين الصحيح والمضلل.

كيف تتشكل غرف الصدى؟

تناولت ورقة الكندي مفهوم “غرف الصدى”، وهي بيئات رقمية تتكرر فيها الآراء المتشابهة بين مستخدمين يتشاركون القناعات، مع محدودية التعرض للآراء المختلفة.
فالمستخدم الذي يتابع حسابات متقاربة ويتفاعل معها باستمرار، قد تتكرر أمامه الأفكار نفسها، حتى يعتقد أن موقفها يمثل رأيًا واسع الانتشار.
أما “فقاعات التصفية”، فترتبط بالخوارزميات التي تخصص المحتوى وفق اهتمامات المستخدم وتفاعلاته السابقة، وقد تحد من تنوع المعلومات المعروضة عليه، ويمكن أن تتداخل الظاهرتان عندما تتزامن العلاقات الرقمية المتشابهة مع توصيات المنصة.

لماذا تنتشر الأخبار الكاذبة أسرع؟

استعرض المكرم الكندي دراسة منشورة في مجلة “Science” عام 2018م، أظهرت أن الأخبار الكاذبة كانت أكثر قابلية لإعادة النشر بنسبة 70% ضمن البيانات المدروسة، وأن وصولها إلى 1500 شخص كان أسرع بنحو ست مرات من الأخبار الصحيحة.
وتضمن العرض العلمي دراسة منشورة عام 2017م في دورية “PNAS”، ربطت كل كلمة إضافية ذات شحنة أخلاقية وعاطفية بزيادة تقارب 20% في انتشار التغريدات ضمن نطاقها البحثي.
كما أورد المكرم أ.د. عبدالله نتائج مسح أجرته اليونسكو وإيبسوس عام 2023م، شمل نحو 8 آلاف شخص في 16 دولة، أعرب 85% منهم عن قلقهم من التضليل وخطاب الكراهية.

خمس تحديات وثلاثة أركان للمسؤولية

حدد الدكتور الكندي خمس تحديات، هي الأخبار المضللة، والشائعات، وخطاب الكراهية، والتنمر الإلكتروني، وانتهاك الخصوصية، مشيرًا إلى تصنيف المعلومات المضللة والمزيفة ثانيًا ضمن المخاطر العالمية لعام 2026م.
وربط المسؤولية الرقمية بثلاثة أركان، الوعي بأثر المنشورات، والمعرفة بمهارات التحقق، والمساءلة القانونية، مستشهدًا بقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا”، مؤكدًا أهمية التحقق قبل تداول المعلومات.

أين تلتقي الحرية والمسؤولية؟

أكد المكرم أن حرية التعبير أساس للحوار وتبادل المعرفة، وأن الحرية والمسؤولية وجهان لعملة واحدة، فالحرية دون مسؤولية قد تضعف الثقة المجتمعية، والمسؤولية دون مراعاة الحرية قد تقيد الإبداع والنقاش.
وتضمن عرضه العلمي إطارًا قانونيًا لم يتسع الوقت لاستعراضه شفهيًا، تناول النظام الأساسي للدولة وقانون الإعلام العُماني، ومعايير الشرعية والضرورة والتناسب عند تقييد التعبير، مراعاةً للخصوصية والكرامة والسمعة والسلم الاجتماعي.

هل يمكن تحسين سلوك المستخدمين؟

أشار العرض العلمي للدكتور الكندي إلى دراسة منشورة في “Nature” عام 2021م، أظهرت أن تذكير المستخدم بدقة الخبر يحسن جودة ما يشاركه، وأخرى في “Science Advances” عام 2022م، تناولت فاعلية المقاطع التوعوية في كشف أساليب التضليل.
وطرح الدكتور عبدالله ثلاثة أسئلة قبل النشر، هل المعلومة صحيحة؟ وهل هي مفيدة؟ وهل نشرها ضروري ومناسب للسياق؟
كما تناول ثقافة الحوار المسؤول القائمة على مناقشة الأفكار، ورفض التشهير والتحريض، والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.

خمس توصيات لمستقبل الإعلام الرقمي

اختتم الدكتور الكندي ورقته بخمسة مقترحات، أولها إدماج التربية الإعلامية والمعلوماتية في المناهج من المدرسة إلى الجامعة، وثانيها إعداد ميثاق وطني للسلوك الرقمي بمشاركة الجامعات والمؤسسات الإعلامية وصنّاع المحتوى.
وتناول المقترح الثالث تعزيز منصات التحقق المستقلة وتسريع الإفصاح الرسمي للحد من الشائعات، فيما دعا الرابع إلى ضوابط للإفصاح عن المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، بالاستفادة من التجارب الدولية.
وركز الخامس على دعم البحث العلمي المحلي لدراسة تأثير المنصات في المجتمع العُماني، مع توزيع مسؤولية البيئة الرقمية بين الدولة والمؤسسات الإعلامية والجامعات والأفراد.

شارك هذا الخبر