أثير - ريما الشيخ
صندوقان من اللبان العُماني حملهما عالم صيني إلى بلاده عام 1990م، استقر أحدهما في مؤسسة بحثية، فيما وصل الآخر إلى متحف متخصص بالطب الصيني في هونغ كونغ. وبعد 35 عامًا، عاد العالم نفسه إلى سلطنة عُمان على رأس وفد علمي زار جامعة نزوى، قبل أن يشارك في دراسة حديثة تناولت تاريخ اللبان العُماني ومصادره النباتية ومكانته في الطب الصيني التقليدي.
وتعود هذه القصة إلى البروفيسور تشاو تشونغ تشن (Zhao Zhongzhen)، المتخصص في الطب الصيني التقليدي، الذي وثّق تفاصيل زيارته الأولى إلى عُمان في مقال نشرته مجلة New England Journal of Traditional Chinese Medicine في أبريل 2026م، مستعيدًا تجربته مع الموارد الطبية العُمانية، وخصوصًا اللبان.
زيارة عام 1990م.. بداية الاهتمام باللبان العُماني
بدأت القصة عندما استضافت وزارة الصحة العُمانية عام 1990م وفدًا من ثلاثة خبراء صينيين، برئاسة البروفيسور شيويه تشونغ تشنغ، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 71 عامًا، وبمشاركة تشاو والمترجم شينغ هانبينغ.
وتولى تشاو خلال الزيارة دراسة الموارد الطبية المحلية، والتعرف على النباتات والمواد الطبيعية المستخدمة في الممارسات العلاجية التقليدية.
والتقى الوفد وزير الصحة العُماني آنذاك، وقدّم تشاو كتابًا بعنوان «النباتات الطبية في الصين» (Medicinal Plants in China)، شارك في تأليفه مع أستاذه البروفيسور شيه تسونغ وان، ونشرته منظمة الصحة العالمية.
وخلال الرحلة، تلقى الوفد هدية من اللبان العُماني، واحتفظ تشاو بصورة تاريخية جمعته برئيس الوفد ووزير الصحة، نشرها لاحقًا ضمن مقاله.
ويروي الباحث أنه عاد إلى الصين حاملًا صندوقين كبيرين من اللبان، أودع أحدهما في مجموعة العينات التابعة لمعهد المواد الطبية الصينية بالأكاديمية الصينية للعلوم الطبية الصينية، فيما تبرع بالآخر لاحقًا لمتحف الطب الصيني في جامعة هونغ كونغ المعمدانية.
ولا تزال الجامعة تحتفظ بعينة من اللبان تحمل الرقم التعريفي (D00685)، ومسجلة باسمها الصيني «رو شيانغ» (Ru Xiang)، ويشير سجلها الرسمي إلى أنها هدية من سلطان عُمان.
اللبان العُماني في المراجع الطبية الصينية
لم يكن اهتمام تشاو باللبان مصادفة؛ فهذه المادة العطرية معروفة في الطب الصيني التقليدي منذ قرون، وقد ورد ذكرها في مؤلفات طبية قديمة، من بينها كتاب ”مينغ يي بيه لو“.
ويُستخدم اللبان تقليديًا ضمن تركيبات ارتبطت بتخفيف الألم والتورم وتحسين الدورة الدموية وفق المفاهيم الطبية الصينية القديمة، وهي استخدامات لا تعني بالضرورة ثبوت فعاليتها وفق المعايير الطبية الحديثة.
وخلال زيارته إلى عُمان، اطّلع تشاو على أشجار اللبان وطريقة استخراج الراتنج من لحائها، واهتم بالخصائص التي تميز اللبان المنتج في جنوب السلطنة.
العودة إلى عُمان بعد 35 عامًا
في عام 2025م، عاد تشاو إلى السلطنة، وهذه المرة على رأس وفد من مجموعة ”بكين تونغ رن تانغ“ الصينية المتخصصة في الطب التقليدي، ضم باحثين من جامعة تشنغدو للطب الصيني التقليدي وجامعة جينان ومؤسسات بحثية أخرى.
واستضافت جامعة نزوى الوفد في زيارة نشرت تفاصيلها خلال مايو 2025م، وكان في استقباله الأستاذ الدكتور أحمد بن سعيد الحراصي، نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي والعلاقات الخارجية، وعدد من المختصين.
وتناول اللقاء فرص التعاون في دراسة النباتات الطبية والمنتجات الطبيعية، واستعرضت الجامعة إمكاناتها البحثية والمشروعات التي ينفذها مركز أبحاث العلوم الطبيعية والطبية، كما تبادل الجانبان منشورات علمية، وبحثا مجالات التدريب وتبادل الخبرات، قبل أن يجري الوفد جولة في مختبرات الجامعة للاطلاع على مشروعاتها البحثية.
وأشار تشاو خلال اللقاء إلى أنها زيارته الثانية لعُمان، بعد رحلته الأولى عام 1990م، ولم يتضمن الخبر الذي نشرته الجامعة إعلانًا عن توقيع اتفاقية أو تنفيذ مشروع بحثي مشترك.
دراسة صينية جديدة عن اللبان العُماني
وفي أبريل 2026م، شارك تشاو مع خمسة باحثين آخرين في إعداد دراسة بعنوان ”دراسة ميدانية للبان العُماني وتطوره التاريخي“، نُشرت في دورية Chinese Archives of Traditional Chinese Medicine، بالمجلد 44، العدد الرابع، في الصفحات من 28 إلى 33.
وتناولت الدراسة تاريخ اللبان العُماني ومصادره النباتية، اعتمادًا على بحوث ميدانية في السلطنة، ومراجعة عينات محفوظة في الحدائق النباتية الملكية البريطانية “كيو”، إلى جانب دراسة المراجع الطبية والتاريخية الصينية وأسواق المواد الطبية.
وركز الباحثون على مناطق انتشار أشجار اللبان، وطرق جمع الراتنج وتصنيفه، والأسماء العلمية لأنواعه، فضلًا عن تتبع وصوله إلى الصين عبر الطرق البرية والبحرية، ولم يحدد الملخص المنشور موعد إجراء البحث الميداني في عُمان، أو ما إذا كان مرتبطًا بزيارة تشاو إلى جامعة نزوى عام 2025م.
ماذا كشفت الدراسة عن اللبان العُماني؟
خلص الباحثون إلى أن اللبان المستخرج من شجرة Boswellia sacra، المنتشرة في سلطنة عُمان، يُعد أحد المصادر التاريخية الأساسية للبان العربي الذي وصل إلى الصين، مشيرين إلى أن دخوله يعود إلى عهد أسرة هان، قبل أن يتوسع انتقاله عبر الطرق البحرية في فترات لاحقة.
ووثّقت الدراسة الطريقة التقليدية لجمع اللبان باستخدام أداة محلية تُعرف باسم ”المنجف“، التي تُستخدم لإحداث شقوق في لحاء الأشجار وجمع الراتنج بعد جفافه، كما تناولت تصنيف اللبان العُماني إلى أربعة أنواع بحسب مناطق إنتاجه، مشيرة إلى تميز الأصناف المنتجة في المناطق الداخلية الأكثر حرارة وجفافًا وفق معايير الجودة التي تناولتها.
ومن النتائج اللافتة رصد اختلافات بين الأسماء العلمية لبعض أنواع اللبان المدرجة في دستور الأدوية الصيني والتصنيفات النباتية الحديثة، إذ اعتبر الباحثون أن اسمين علميين واردين في الدستور يشيران إلى شجرة اللبان العربي Boswellia sacra.
وتعزز هذه النتائج مكانة عُمان التاريخية بوصفها مصدرًا مهمًا للبان الذي عرفته الممارسات الطبية الصينية، وتقدم معلومات علمية يمكن الاستفادة منها في مراجعة تصنيفه.
هل يتغير تصنيف اللبان في الصين؟
أشارت الدراسة إلى أن بعض أنواع اللبان المتداولة حاليًا في الأسواق الصينية تختلف عن المصادر التاريخية المعروفة، مع اتساع مناطق إنتاجه لتشمل بلدانًا أخرى في شرق أفريقيا والهند.
ورأى الباحثون أن النتائج قد تسهم في مراجعة الأسماء العلمية للبان وأنواعه في الإصدارات المقبلة من دستور الأدوية الصيني، إلى جانب تحديث البيانات المتعلقة بمصادر استيراده.
ولا تعني هذه التوصيات أن الجهات الصينية اعتمدت تعديلًا رسميًا حتى الآن، وإنما تمثل نتائج علمية مقترحة لتطوير المعلومات المرجعية عن اللبان ومصادره النباتية.





