حكاية القصر السلطاني الذي أكلته النيران وبقيت شواهده تروي التاريخ

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

حكاية القصر السلطاني الذي أكلته النيران وبقيت شواهده تروي التاريخ
بيت المرهوبي
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
على الساحل الغربي لجزيرة زنجبار، تقف أطلال قصر المرهوبي شاهدة على مرحلة من تاريخ الحكم العُماني في شرق إفريقيا، حين كانت زنجبار مركزًا سياسيًا وتجاريًا وحضاريًا مهمًا، وشهدت في عهد سلاطين أسرة البوسعيد نهضة عمرانية تجلّت في تشييد القصور والمباني والمنشآت التي جمعت بين فنون العمارة العربية والتأثيرات المحلية والأجنبية.
ومن بين تلك المنشآت يبرز قصر المرهوبي (Maruhubi Palace)، الذي يعد من أبرز المعالم العمرانية خلال عهد السلطان برغش بن سعيد بن سلطان خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي؛ ليكون مقرًا لإقامة عدد من زوجاته، محاطًا بالحدائق والأشجار والمرافق المائية، قبل أن يتعرض لحريق كبير في عام 1899م، لم يُبقِ من بنائه إلا أجزاءً ما تزال قائمة حتى اليوم.
وتكشف زيارة “أثير” للموقع، وما تضمه أطلاله من أعمدة حجرية وجدران قديمة وبقايا الحمامات وأحواض المياه، جانبًا من المستوى المعماري والهندسي الذي بلغته زنجبار في تلك الحقبة، فيما تقدم المصادر التاريخية أوصافًا تفصيلية للقصر وحدائقه ونظام إمداده بالمياه.
قصر شُيّد في عهد السلطان برغش بن سعيد
يرتبط تاريخ قصر المرهوبي بالسلطان برغش بن سعيد بن سلطان البوسعيدي، الذي تولى حكم زنجبار بين عامي 1870 و1888م، وشهد عهده تنفيذ عدد من المشروعات العمرانية والخدمية التي أسهمت في تطوير المدينة وتعزيز مكانتها.
وتشير اللوحة التعريفية المثبتة في الموقع الأثري إلى أن القصر شُيّد خلال الفترة من 1880م إلى 1882م، لاستخدامه مقرًا لإقامة عدد من زوجات السلطان برغش، وذلك على أرض كانت مملوكة سابقًا لأحد أفراد أسرة المرهوبي، التي ارتبط اسم القصر بها.
وكان اختيار الموقع الساحلي جزءًا من الطابع العام للقصور السلطانية التي أُقيمت خارج مركز مدينة زنجبار، حيث وفرت المساحات الواسعة المحيطة بها إمكانية إنشاء الحدائق والمرافق الخاصة، بعيدًا عن ازدحام المدينة الحجرية.
قصر تحيط به أشجار المانجو وأسوار الحجر
لم يكن قصر المرهوبي مجرد مبنى لإقامة أفراد الأسرة السلطانية، بل كان مجمعًا عمرانيًا تحيط به حدائق واسعة، أُدخلت إليها أنواع من الأشجار والنباتات، وأُنشئت فيها مرافق للراحة والاستجمام.
وتذكر بعض المصادر التاريخية التي أرّخت للمبنى كجهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، أن السلطان برغش أحاط القصر بأشجار المانجو المستوردة من الهند، وبنى حوله سورًا من الحجر، كما أوصل إليه المياه بواسطة الأنابيب، وزُيّنت جدرانه بأنواع مختلفة من الزخارف.
وتكتسب هذه التفاصيل أهميتها من كونها تكشف عن عناية السلطان بتنسيق الحدائق وإدخال النباتات والأشجار من مناطق أخرى، إلى جانب الاهتمام بتوفير المياه بصورة منتظمة.
وما تزال أشجار المانجو الكبيرة تنتشر في المنطقة المحيطة بالأطلال، وتُظهر الصور الحديثة أشجارًا ضخمة ذات جذوع متفرعة وأغصان ممتدة، تشكل غطاءً نباتيًا كثيفًا حول الموقع، ورغم صعوبة الجزم بأعمار الأشجار الموجودة حاليًا، فإن حضورها يعكس استمرار الطابع الزراعي الذي اشتهرت به حدائق القصر.
أعمدة رخامية وشرفات واسعة
يذكر الباحث الزنجباري شريف، المُشار إليه في الموسوعة العمانية إلى أن من أبرز معالم قصر المرهوبي درجًا مبنيًا من الرخام الأسود والأبيض، كان يؤدي إلى شرفة كبيرة قائمة على أعمدة صخرية دائرية.
ويكشف هذا الوصف عن استخدام مواد بناء وزخرفة متنوعة، إلى جانب توظيف الأعمدة في حمل الشرفات الواسعة، وهو ما يعكس طبيعة التصميم المعماري للقصر.
وتتطابق هذه الأوصاف في خطوطها العامة مع ما تظهره الصور الحديثة من أعمدة أسطوانية ضخمة، ما تزال قائمة في صفوف متوازية، تعلو بعضها تيجان حجرية مربعة، بينما اختفت الأجزاء الخشبية التي كانت تحملها.
وتشير اللوحة التعريفية بالموقع إلى أن تلك الأعمدة كانت تحمل شرفة خشبية كبيرة تحيط بالطابق العلوي للقصر، وهو ما يوضح جانبًا من ضخامة المبنى الأصلي واتساع مرافقه، وتُعد هذه الأعمدة اليوم من أبرز العناصر الباقية التي يستطيع الزائر من خلالها تصور الهيئة التي كان عليها القصر قبل تعرضه للحريق.
حمامات سلطانية بتصميم هندسي مميز
من أبرز المعالم التي اشتهر بها قصر المرهوبي الحمامات السلطانية التي أُنشئت في جانبه الجنوبي، وتُعد من أهم الأجزاء التي نجت من الحريق الذي دمر معظم القصر، وتذكر المصادر التاريخية أن القصر كان يحتوي على عدة حمامات مقسمة إلى قسمين؛ قسم خاص بالسلطان يتألف من ثلاث حجرات متصلة، وقسم آخر يضم سبع حمامات منفردة، يفصل بين القسمين سور تتوسطه فتحة.
كما تشير المصادر إلى وجود ثلاث نافورات مستديرة واستراحة ضمن مرافق القصر، وهو ما يبرز العناية بتوفير وسائل الراحة والاستجمام.
وتؤكد دراسة Maruhubi Royal Hammam 1882، التي تتضمن مخططًا معماريًا للحمامات الملكية ومن بينها حمامات (بيت المرهوبي) أن المجمع ضم حمامًا على الطراز الفارسي، وأحواضًا للمياه الباردة والساخنة، ومرافق للاستراحة والاستحمام، إلى جانب الحمامات الخاصة المنفصلة.
وتُظهر الصور الحديثة التي التُقطت في الموقع أجزاءً من مباني الحمامات ذات القباب، وبعض الجدران والفتحات المعمارية التي بقيت قائمة رغم مرور أكثر من قرن على الحريق.
شبكة مياه متطورة وحدائق وأحواض دائرية
من الجوانب اللافتة في قصر المرهوبي نظام إمداده بالمياه، الذي كان يمثل عنصرًا أساسيًا في تشغيل الحمامات والنافورات وري الحدائق.
وتوضح اللوحة التعريفية بالموقع أن القصر كان مزودًا بقناة مائية مرتفعة وضخمة، تنقل المياه إلى مباني القصر ومجمع الحمامات، فضلًا عن قنوات سطحية وأحواض دائرية خُصصت للاستجمام.
ويعكس هذا النظام اهتمام السلطان برغش بإنشاء بنية خدمية متكاملة، لا تقتصر على تزويد المبنى بالمياه، بل تشمل المرافق الترفيهية والحدائق المحيطة به.
وتظهر في الصور الحديثة بقايا أحواض حجرية، بعضها دائري وبعضها مستطيل، وسط الأشجار والمساحات الخضراء، وتمثل هذه البقايا شواهد مادية على الاستخدام الواسع للمياه داخل المجمع السلطاني، وإن كان تحديد الوظيفة الأصلية لكل حوض يتطلب الرجوع إلى المخططات الأثرية التفصيلية.
وتشير المصادر السياحية والتاريخية إلى أن بقايا القنوات المائية والخزانات من العناصر التي تكشف عن الحجم الأصلي للقصر وتطور منشآته.
حريق عام 1899م ينهي حياة القصر
لم يستمر قصر المرهوبي طويلًا بعد وفاة السلطان برغش بن سعيد عام 1888م؛ إذ تعرض في عام 1899م لحريق كبير أدى إلى تدمير معظم أجزائه، وتتفق المصادر التاريخية واللوحة التعريفية الموجودة بالموقع على أن الحريق وقع في ذلك العام، بينما تشير اللوحة إلى أنه كان حادثًا عرضيًا.
وقد أدى الحريق إلى انهيار أجزاء واسعة من المبنى، خصوصًا العناصر الخشبية والشرفات التي كانت تستند إلى الأعمدة الحجرية، في حين نجت بعض الجدران والحمامات والمرافق المائية.
وتذكر المصادر أن بقايا القصر الحالية تشمل الأعمدة الضخمة، والأقواس والجدران، وأجزاء من شبكة المياه والحمامات التي احتفظت بمعالمها الأساسية.
وهكذا انتهت الحياة العمرانية للقصر بعد أقل من عقدين تقريبًا من اكتمال بنائه، لكن آثاره بقيت شاهدة على واحدة من المنشآت السلطانية التي أُقيمت في عهد برغش.
المرهوبي اليوم.. أطلال تروي تاريخًا
خلال زيارة موقع قصر المرهوبي، تكشف المشاهدات الميدانية عن مساحة واسعة تنتشر فيها بقايا الجدران والأعمدة والمرافق الحجرية، وسط أشجار كبيرة ومساحات خضراء حافظت على شيء من الطابع الطبيعي للمكان.
وتبرز الأعمدة الحجرية بوصفها أكثر العناصر المعمارية حضورًا، حيث تقف في صفوف متتابعة، بينما تظهر خلفها بقايا الجدران والحمامات ذات القباب.
وفي مواضع أخرى، تنتشر كتل حجرية كبيرة وأجزاء منهارة من البناء، إلى جانب أحواض المياه التي كانت جزءًا من منظومة الخدمات داخل القصر.
أما الأشجار الضخمة المحيطة بالموقع، فتمنحه طابعًا مختلفًا عن كثير من المواقع الأثرية، إذ تمتزج بقايا العمارة القديمة بالغطاء النباتي الكثيف، في مشهد يستحضر صورة الحدائق التي كانت تحيط بالقصر في أوج ازدهاره.
وتوجد عند الموقع لوحات تعريفية باللغتين الإنجليزية والسواحيلية، تتناول تاريخ البناء، والسلطان الذي أمر بإنشائه، ووظائفه الأصلية، ومرافقه، والحريق الذي تعرض له.
ويقع القصر على مسافة تقارب أربع كيلومترات شمال المدينة الحجرية في زنجبار، بالقرب من الطريق المؤدي إلى بوبوبو، ويُعد من المواقع التي يقصدها المهتمون بتاريخ العمارة والتراث في الجزيرة.
شاهد على العمارة العُمانية في شرق إفريقيا
تتجاوز أهمية قصر المرهوبي كونه مقرًا سلطانيًا قديمًا؛ فهو يمثل جانبًا من التاريخ العمراني لزنجبار خلال عهد أسرة البوسعيد، ويكشف عن الصلات التي ربطت الجزيرة بمناطق مختلفة من العالم عبر التجارة وتبادل الخبرات والمواد والطرز المعمارية.
فأشجار المانجو المستوردة من الهند، والحمامات ذات التأثير الفارسي، والأعمدة والشرفات الواسعة، ونظام القنوات المائية، جميعها عناصر تعكس التداخل الحضاري الذي عرفته زنجبار في القرن التاسع عشر.
كما يتيح القصر فرصة لفهم جانب من الحياة داخل المساكن السلطانية خارج المدينة الحجرية، وما ارتبط بها من حدائق ومرافق خدمية وأماكن للراحة والاستجمام.
وإذا كان الحريق قد قضى على معظم معالم القصر، فإن ما بقي من أعمدته وحماماته وأحواضه وجدرانه ما يزال قادرًا على رواية جانب مهم من تاريخه.
وهكذا يظل قصر المرهوبي، بعد أكثر من 125 عامًا على الحريق الذي دمره، واحدًا من الشواهد العمرانية على الحضور العُماني في زنجبار، وعلى مرحلة ازدهرت فيها العمارة السلطانية، وامتزجت فيها المؤثرات الحضارية القادمة من ضفاف المحيط الهندي.
المراجع
- العيساوي، مصلح محمد. حكم البوسعيد في زنجبار، دار ومكتبة عدنان، بغداد، 2018.
- مجموعة مؤلفين. الموسوعة العمانية، المجلد التاسع، حرف الميم، وزارة التراث والثقافة، 2013، ص 3294-3295
- المغيري، سعيد بن علي. جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، ط4، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2001.
- https://publications.lib.chalmers.se/records/fulltext/240898/240898.pdf
- https://www.travelozanzibar.com/places-to-visit/maruhubi/
- http://www.zanzibar-travel-guide.com/bradt_guide.asp?bradt=1910

شارك هذا الخبر