من الصين إلى ظفار: كيف وصلت عملة عمرها نحو 900 عام إلى البليد؟

عن الكاتب

ريما الشيخ
ريما الشيخ

محرر وكاتب صحفي

من الصين إلى ظفار: كيف وصلت عملة عمرها نحو 900 عام إلى البليد؟
عملة عمرها نحو 900 عام
أثير - ريما الشيخ
قطعة نحاسية صغيرة، مستديرة الشكل وتتوسطها فتحة مربعة، تبدو للوهلة الأولى عملة عادية من زمن بعيد، لكن مكان العثور عليها يجعل قصتها مختلفة، فقد صُكّت في الصين قبل نحو 900 عام، ثم انتهى بها المطاف في موقع البليد الأثري بمحافظة ظفار، على بُعد آلاف الكيلومترات من موطنها الأصلي.
ولم تكن هذه العملة الأثر الصيني الوحيد الذي كُشف عنه في البليد، فقد عُثر في الموقع نفسه على أوانٍ خزفية تعود إلى عصور مختلفة، من بينها أطباق مزججة باللون الأخضر وأوعية مزخرفة بالأزرق والأبيض، لتقدم هذه المكتشفات شواهد مادية على التواصل بين سواحل عُمان وشرق آسيا قبل قرون.

عملة من عهد أسرة سونغ الصينية

وثّق المتحف الوطني العُماني العملة ضمن مجموعة من المقتنيات الأثرية التي نشر صورها وبياناتها في مجلة “أجنحة عُمان” في أغسطس 2018م، في مادة أعدّها سعادة جمال بن حسن الموسوي الأمين العام للمتحف الوطني، حين كان مديرًا عامًا للمتحف الوطني آنذاك وموزة الوردي، رئيسة وحدة أمناء المقتنيات.
وبحسب التوثيق، صُكّت العملة من النحاس في الصين خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، في عهد أسرة سونغ، وعُثر عليها في موقع البليد بمحافظة ظفار.
وتتميز بشكلها الدائري وثقبها المربع في المنتصف، وهو تصميم عُرفت به العملات النقدية الصينية القديمة، وتظهر على وجهها نقوش صينية، إلا أن المادة المنشورة لم تحدد قراءة هذه النقوش أو اسم الإمبراطور الذي صُكّت في عهده.
وتكمن أهميتها في كونها شاهدًا أثريًا على وصول عملة صينية إلى ميناء عُماني قديم، وإن كانت ظروف انتقالها، والشخص الذي حملها، وموعد وصولها الفعلي إلى البليد غير معروفة.

ثلاث قطع أخرى تكشف فترات زمنية مختلفة

إلى جانب العملة، وثّق المتحف الوطني ثلاثة أوانٍ صينية عُثر عليها في البليد، تختلف في أشكالها وأساليب صناعتها والفترات التي تعود إليها، أولها طبق خزفي مغطى بطلاء أخضر من نوع “السيلادون”، ويعود إلى عهد أسرة مينغ الصينية، بين عامي 1368 و1644م. ويُعرف هذا النوع من الخزف بطلائه الزجاجي الذي تتراوح درجاته بين الأخضر الفاتح والأخضر المائل إلى الأزرق.
أما القطعة الثانية فهي وعاء مزجج يحمل زخارف زرقاء على أرضية بيضاء، ويعود إلى الفترة بين عامي 1500 و1644م، خلال عهد أسرة مينغ أيضًا. وتُظهر الصورة التي نشرها المتحف أن أجزاء من حافته مفقودة، بينما بقيت زخارفه واضحة.
وتتمثل القطعة الثالثة في فنجان صيني من القرن الثامن عشر الميلادي، خلال عهد أسرة تشينغ، ينتمي إلى نوع يُعرف باسم “باتافيان وير” (Batavian Ware)، ويتميز بسطحه الخارجي البني وزخارفه الداخلية الزرقاء.
ويكشف اختلاف تواريخ هذه المقتنيات أن المنتجات الصينية وصلت إلى البليد خلال مراحل تاريخية متعددة، وليس في فترة واحدة.

ما أهمية البليد في تاريخ الملاحة؟

يقع موقع البليد الأثري في مدينة صلالة بمحافظة ظفار، ويُعرف تاريخيًا بمدينة ظفار القديمة، التي كانت مركزًا بحريًا مهمًا على طرق الملاحة في المحيط الهندي، وتوضح منظمة اليونسكو أن البليد كان ميناءً يرتبط بتصدير اللبان، وأن المكتشفات القادمة من الصين وبلدان أخرى تؤكد مكانته ضمن شبكة الطرق البحرية القديمة.
وقد شهدت المدينة فترات من الازدهار والتوسع، خصوصًا بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر الميلاديين، عندما أدّت دورًا مهمًا في حركة الملاحة والتواصل بين شبه الجزيرة العربية والهند وشرق أفريقيا وآسيا.
ولا تقتصر المكتشفات في الموقع على الخزف، إذ أسفرت التنقيبات الأثرية عن العثور على عملات وقطع زجاجية ومباخر وأدوات مختلفة، إلى جانب أخشاب سفن استُخدمت لاحقًا في بعض المنشآت المعمارية.

ماذا كشفت الدراسات الأثرية الحديثة؟

في عام 2020م، نشرت الباحثتان أليكسيا بافان وكيارا فيسكونتي دراسة بعنوان “التجارة والاتصالات بين جنوب شبه الجزيرة العربية وشرق آسيا: الأدلة من البليد”، في المجلد الخمسين من دورية “Proceedings of the Seminar for Arabian Studies“.
واعتمدت الدراسة على المكتشفات الأثرية من البليد، خصوصًا الخزف المستورد من شرق آسيا والعملات، إلى جانب المصادر التاريخية التي تناولت حركة الملاحة في المحيط الهندي.
وأوضحت الباحثتان أن معظم المواد التي كانت تنتقل بين المنطقتين قابلة للتلف، ولذلك بقيت القطع الخزفية والعملات من أبرز الأدلة المادية التي يمكن دراستها اليوم، ومن خلال تحليل المقتنيات المكتشفة في حصن البليد ومقارنتها بالمصادر المكتوبة، حددت الدراسة مرحلتين رئيسيتين من التواصل بين جنوب شبه الجزيرة العربية وشرق آسيا.
كما أشارت إلى تنوع المواد التي انتقلت عبر هذه الطرق، ومنها اللبان والحرير والخزف والأواني الحجرية والمواد الراتنجية والأصباغ الطبيعية، إلى جانب الحيوانات التي كانت تُنقل عبر الرحلات البحرية.

هل وصلت هذه المقتنيات مع أساطيل تشنغ خه؟

من أبرز الشخصيات الصينية التي ارتبطت بتاريخ الملاحة في المحيط الهندي البحّار تشنغ خه، الذي قاد سبع رحلات بحرية بين عامي 1405 و1433م، خلال عهد أسرة مينغ.
ووفقًا للمادة التي نشرها المتحف الوطني العُماني، وصلت الأساطيل الصينية إلى مسقط وظفار خلال الفترة بين عامي 1413 و1415م، كما رست في البليد عامي 1421 و1431م.
لكن لا توجد أدلة في التوثيق المنشور تثبت أن العملة أو الأواني المكتشفة وصلت على متن سفن تشنغ خه، فالعملة أقدم من رحلاته بعدة قرون، بينما يعود الفنجان إلى فترة لاحقة لها.
وتقدم هذه الشواهد مجتمعة صورة أوسع عن علاقات بحرية امتدت عبر أزمنة متعاقبة، وبقيت آثارها محفوظة في موقع البليد ومقتنيات المتحف الوطني العُماني.

شارك هذا الخبر