تاريخ عُمانحريم السلطان وصدمة وفاة السيد سعيد بن سلطان
استعاد نص نشر عام 2015 شهادة السيدة سالمة عن انتظار أسطول والدها في زنجبار، ثم ظهور أعلام الحداد ووصول خبر وفاة السيد سعيد بن سلطان في البحر عام 1856.
أثير – تاربخ عمان
حينما وافى الأجل المحتوم السيد سعيد بن سلطان، وهو في عرض البحر قادما من مسقط، ومتجها إلى زنجبار عاصمة إمبراطوريته العمانية بعد مسقط ، مثّل هذا الحدث صدمة للأمة العمانية والأفريقية على السواء وبالأخص على حريم السلطان وابنائه وبناته بقصره حينما كان الجميع متلهفا لعودة السيد سعيد كعادته من سفراته التي يقضّيها بين مسقط وزنجبار ليشرف بنفسه على شؤون القسم الآسيوي من سلطنته التي كان يشرف عليها في مسقط ابنه ثويني .
ولا شك أن السيدة سالمة ابنة السيد سعيد صاحبة كتاب “مذكرات أميرة عربية” ، تعتبر من أكثر المصادر ثقة في نقل تفاصيل ذلك المشهد عبر مذكراتها ،فوصفت حالة الهلع الذي كان يسود العائلة وحريم السلطان بشكل عام في أروقة القصر بزنجبار ، أن المشاعر التي كتبت من خلالها تلك المذكرات في وصف هذا الحدث الجلل كانت حقيقية ولا سيما وهي الأبنة الأكثر دلالا عند أبيها السلطان ، ولذا فإن شهادتها كانت هي الأمثل بنقل تفاصيل ذلك المشهد الحزين بتلك الفترة الزمنية التي عاصرت فيها وقع هذا الخبر ،فأوردته كالآتي :
” ترك السلطان – بسفره إلى مسقط – وبغيابه عنا فراغا موحشا أحسّ به كل فرد من أفراد أسرتنا الكبيرة ، فقد فقدت الأسرة حيويّتها الفعالة، وبهجتها المشرقة، وران على البيت بغياب سيده جوّ كئيب من السكون، والجمود وشعور مبهم بالوحدة والضياع، وقد أناب السلطان عنه في حكم الجزيرة أخي خالدا، الذي دأب على التردد على بيتنا ،بين يوم وآخر، يتفقد أحوالنا، ويلبّي حاجاتنا كما دأب على زيارة بيت المتوني مرتين في الأسبوع، ليتفقد سكانه، ويحيي سيدته الكبيرة “عزة بنت سيف” ويسألها الرأي والمشورة، وكان خالد حاكما صارما، وقاسيا، وكنا نطيعه، ونجلّه ،ولكنه لم يحظ بحبنا، وودادنا، وكان لنا من الأسباب ما يبرّر ذلك .
ولقد قبض الله إليه روح أخي خالد بعد فترة وجيزة من سفر أبي ورحل عنا إلى الأبد مأسوفا عليه وانتقلت وصاية الحكم إلى أخي ماجد – ( عام 1856م ) – الذي استطاع بخلقه الطيب وطبعه الحبيب أن يكسب إليه كلّ القلوب .
وأخيرا جاءنا البشير من عمان بأسعد الأنباء، والبشائر، وهي قرب عودة السلطان إلى زنجبار ، فانتشرت البشرى السعيدة في أنحاء البلاد، وعمّ الفرح والإبتهاج جميع السكان ، فقد طالت غيبة السلطان عنّا ،وعن رعيته أكثر من سنتين، وما من امريء إلا ويشعر بتعاظم الفراغ لغيبته، وينتظر عودته بفارغ الصبر إن لم يكن عن حب وإخلاص له، فانتظارا لما سيناله من هدايا السلطان، وعطاياه التي يعرف الجميع إنه يخصّ بها كل فرد من أبناء الجزيرة صغارا، وكبارا.
مرّت الأيام، وتبعتها الاسابيع، ولم يظهر لأسطول السلطان أثر، ولم يرد إلينا عنه خبر ، ولم يكن لدينا ما نداري به القلق المتعاظم، والإضطراب المتفاقم غير الإستماع إلى أقوال العرّافات، والتشبث بتصديق أخبارهن الموضوعة .
وفي ظهيرة يوم ما ، وحين كان الناس يؤدّون صلاة الظهر سرت الأنباء بأن أحد صيادي السمك لمح في عرض البحر أسطولاً من السفن يرفع فوق صواريه علم أبي ، ولكن الصياد لاشتداد الريح، وهياج البحر ، لم يتمكن من الإقتراب من الأسطول .
إذن هذا هو السلطان الوالد والحبيب عائد إلينا ..
فاخفقي يا قلوب، واطربي يا نفوس، وانطلقي يا أفراح ..
وحين كنا نستعيد قصّة الصياد مرات، ومرات، وهو يعيدها، ويقسم لنا بأغلظ الإيمان على صحّتها سرت البشائر بالأنباء إلى أنحاء البلاد وأرسلنا عبداً من أسرع عدائينا إلى السيدة عزة في بيت المتوني نزف إليها البشرى السارة ، وعمّت الفرحة سكان بيت الساحل بعد وجوم، ودبّت فيهم الحياة بعد ركود، فأسرعت النساء إلى أحسن لباسهن، وأحلى زينتهن، وأجمل عطورهن يتبرّجن بها بعد أن هجرنها نيفا وسنتين، وانطلق الطهاة يذبحون، ويعجنون، ويطبخون، ويخبزون، وانطلق الخدم يعطّرون الغرف بالبخور، وبالعطور الأوربية الفاخرة ، واتخذ كلّ من في القصر أقصى ما يستطيع ليظهر فرحته باستقبال العائد العظيم القائد، والوالد، والزعيم، والحبيب إلى كل فرد وقلب .
وقد قرّر أخي ماجد أن يخرج إلى عرض البحر ليستقبل سلطانه وأباه، ويعود معه على ظهر سفينته، وإذ لم يتبق على موعد وصول السلطان، حسب رواية الصياد، وتقديره إلا ساعتان، أو ثلاث فقد أسرع ماجد واستقلّ هو وحرسه مركبين صغيرين لم يتيسر غيرهما في غمرة العجلة، وساروا بهما يشقّان عباب الماء في وجه عاصفة عاتية هوجاء كانت تهدد مركبيهما بالتدمير التام ، على أمل أن يلحقوا بسفن السلطان، ويعودوا معه قبل حلول الظلام في الساعة السابعة .
ولكنّ الشمس غابت، وحلّ الظلام ومضى هزيع من المساء، ولم تظهر السفن للعيان .
وبدأت الوساوس والشكوك تملأ القلوب، والألباب، وما لبث أن صار الشك قلقاً استبد بأبناء المدينة عامة وأفراد أسرتنا خاصة ، ثم صار القلق جزعا، وذعراً يرتسم في النفوس الواجمة، والوجوه الشاحبة ،والعيون الذابلة ، وذهبت بنا الظنون والهواجس كل مذهب، فمن قائل إنّ العاصفة قضت على ماجد ورفاقه فابتلعتهم الأمواج، ومن قائل بل إنها أودت بأسطول السلطان كّله إلى قاع المحيط، وظللنا على هذا الحال حتى تقدّم بنا الليل، ولم يفكر بطبيعة الحال أحد منا حتى الأطفال بالنوم ما لم نعرف مصير السفن من عليها .
وفجأة انطلقت في البيت إشاعة لم نصدقها أول الأمر ، وهي أن الجنود المسلحين حاصروا القصر، وسدوا منافذه ومداخله وأسرعت النساء إلى الشبابيك تستطلع جلية الأمر ، ومع أن الليل حالك الظلام، فقد استطعنا أن نتبين أفواه البنادق تلمع في حلك الظلام، وأشباح الجنود تحيط بالبيت ، ولم يكن هذا الإكتشاف بالأمر السار طبعاً للنسوة الهلعات، والأطفال المذعورين ، ولكن المهم الآن أن نعرف ماذا جرى من أحداث استوجبت هذا الحصار المحكم حول البيت، ومنع الخروج والدخول منه وإليه ، والأهم من هذا أن نعرف مصدر هذه الإجراءات والآمر بها ، فماجد وهو نائب السلطان لم يعد من عرض البحر، فمن غيره أصدر هذه الأوامر ؟!
وفي وسط هذه التساؤلات تسربت إلينا الأنباء إن حصارا مماثلاً قد ضرب حول بيت ماجد فزادنا هذا الخبر حيرة وجزعا.
ولم يكن في البيت أحد غير النساء، فالعادة أن ينسحب الخصيان والعبيد عند المساء ليلتحقوا بعائلاتهم خارج القصر ، لهذا استبدت بينا الحيرة، والذعر، والفوضى، ومضت كل جماعة تتصرّف بما يوحى إليها الموقف، ومتانة أعصابها، فنزلت بعض النسوة الجريئات إلى الطابق الأرضي، وأخذن يكلّمن الجنود من نوافذ القصر يسألنهم بعض المعلومات عما يجري خارج القصر، ولكن الجنود كانوا غلاظ القلوب فلم يكتفوا بتجاهل الاسئلة الموجهة إليهم، وإنما هددوا النساء بإطلاق النار عليهن إن لم يضعن حدا لفضولهن، وضوضائهن، وانصرفت نسوة آخريات إلى النحيب، وهن يلعن الشيطان الرجيم على سوء فعلته هذه ، وارتفع صراخ الأطفال، وبكاؤهم، ولم يكن إلى إسكاتهم من سبيل ، ومضت فئة من النساء إلى الصلاة، وطلب الرحمة، والعون من الله تعالى ، وامتزجت مشاعر الخوف على مصيرنا بمشاعر القلق على السلطان، وماجد، وأخذ منا الإضطراب كلّ مأخذ ،فكان منظرنا لا يوصف اختلطت فيه المشاعر وضاعت المقايس ولو هبط علينا أحد من خارج القصر، ورأى وضعنا المزري، وفوضانا المفزعة في تلك الليلة المرعبة لظن إنه في مستشفى المجانين، وليس في حريم السلطان .
وبعد طول عناء، وألم ممض بدأت دياجير الدجى تنزاح عن ليلة الفزع هذه، وأنوار الفجر تنتشر، وتنبثق عن نهار لم يستطع ضياؤه أن يزحزح ما كنا فيه من ظلام الجهل عما يجري في البلد من أحداث، وعن أسباب هذا الحصار المفروض علينا ،كما ولم يسمعنا النهار شيئاً عن أخبار السلطان، أو ماجد، ولكننا في طريقنا إلى أداء الصلاة لمحت أحدانا الأسطول راسياً في الميناء، وقد أفرحنا هذا الخبر، وهدّأ من روعنا ، ولكن سرعان ما عاودنا الذعر، والروع حين شاهدنا صواري الأسطول ترفع أعلام الحداد ، ثم وصل إلينا أخوتنا ،ولكن السلطان لم يصل .. وعند هذا فهمنا ما تعنيه أعلام الحداد فوق سفن الأسطول ووا اسفاه ..
إذن فقد رحل عن هذه الدنيا الأب الحبيب، والسلطان العزيز، وربّ البيت وسيد الحمى ،ولبى العبد المؤمن سعيد بن سلطان نداء ربه تعالى، ورجعت نفسه المؤمنة إلى جنات ربها راضية مطمئنة ، فقد توفي السلطان أثناء عودته من عمان إلى زنجبار، إذ هاجت عليه عقابيل جرح خلّفته شظية مدفع استقرت في فخذه في أحد حروبه ،وظل بحياته يعاني منها الألم حتى قضت عليه.
– كانت وفاة السلطان سعيد بن سلطان في 19 اكتوبر 1856م، وقد اصيب في 18 سبتمبر من نفس العام بورم والتهاب في ساقه من أثر الجرح القديم في فخذه وفي 13 اكتوبر أصيب بالديزانتريا الحادة التي تسببت بوفاته” –
وتواصل السيدة سالمة قولها :
“أي خسارة جسيمة لا تعوض قد منينا بها ومني بها شعبنا فلم يكن السيد سعيد الأب العطوف لأهله وشعبه، فحسب، بل كان خير الحكام، وأعدلهم، وانقاهم ضميراً، وأقربهم إلى قلوب رعيته الذين رفعوا الأعلام السوداء على كلّ بيت من بيوت زنجبار تعبيراً عن حب الشعب لحاكمه، وحزنه، ووفاته .
وقد أدلى لنا بتفاصيل الوفاة أخي “برغش” الذي كان برفقة أبي في رحلته الأخيرة ، ونحن ندين بالشكر إلى برغش الذي استطاع أن يحتفظ بالجثمان العزيز بدلاً من إلقائه في البحر، كما تقتضي بذلك تعاليم الإسلام، وأن يصرّ على نقله إلى زنجبار ليدفن بها ، وقد أمر بصنع تابوت لحفظ الجثمان فيه ، وكان برغش مدفوعاً بعمله هذا بحبه إلى والده ،والرغبة في إكرامه، وإن خالف في الواقع بعمله هذا تعاليم الدين وتقاليده ، فنحن لا نعترف بإستخدام التوابيت، بل نعتقد إن المرء يجب أن يعود بكل بساطة إلى التراب الذي خلق منه .
ثم بدأت أسرار الأحداث الغامضة والحصار المحكم تنكشف لنا بالتدريج مع طلوع النهار ، في الوقت الذي ضيّع فيه السيد ماجد أسطول أبيه بسبب الظلام، والعاصفة التي ألمت بهم بتلك الليلة ، ولذا استمر برغش قائداً عاماً للأسطول بعد وفاة السلطان باعتباره أكبر أبنائه الموجودين على ظهر الأسطول آنئذ ولما هدأت العاصفة، ولاحت الأرض لبرغش أدخل الأسطول إلى الميناء خلسة ،وأنزل منه الجثمان سراً وأمر بدفنه في مقبرة العائلة في زنجبار .
ـ المصدر : مذكرات أميرة عربية ، بقلم السيدة سالمة بنت سعيد بن سلطان سلطان مسقط وزنجبار ، ترجمة عبدالمجيد حسيب القيسي ،الطبعة التاسعة 2007م,