المبادرة العُمانية لحل الأزمة اليمنية.. الأهداف والمحاور والمبادئ

ناقش الكاتب دوافع الوساطة العمانية ومحوري الهدنة والحوار، وسرد سبعة مبادئ قال إنها من تصورات محللين وليست نقلا عن أوساط سياسية، في سياق أزمة اليمن عام 2015.

المبادرة العُمانية لحل الأزمة اليمنية.. الأهداف والمحاور والمبادئ
Atheer - أثير

ناصر أبو عون
Nasser_oon@yahoo.com


 

تتوالى الأيام وتتابع الأزمات الدولية على منطقة الشرق الأوسط وتؤكد تقاطعات الأحداث أنه لا بد للعرب من (استراحة) لالتقاط الأنفاس والتفكير جديا بإسقاط شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) من حساباتهم والتوجه نحو (استراتيجية السلام) ليست كخيار وحيد وإنما (سلام الأقوياء) والإيمان بأن (قوة العرب في وحدتهم)، وأنّ (الدين واللغة والجغرافيا) وسائل للتعاون والوحدة وليست دافعا لفرض الوصاية، وأنَّ (التنمية) صارت السلاح الأمضى والأقوى في نشر السلام. وفي ظل الأوضاع المتردية للجمهورية اليمنية والتي أصبحت (مسرحًا) للصراع الدولي والإقليمي و(ساحة) للاستقطاب السياسي دفع ثمنها (الشعب اليمني بأطيافه كافة) فاتورتها مقدما مما دفع الأمم المتحدة للمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار في اليمن حيث أوقعت المعارك بين أنصار وخصوم الرئيس اليمني وحملة الغارات الجوية العربية ضد المتمردين مئات القتلى وتسببت بأزمة إنسانية خطيرة دعت المنظمات الإنسانية إلى توجيه نداء عاجل للحصول على مساعدة إنسانية بقيمة 274 مليون دولار لتلبية حاجات 7,5 مليون نسمة تأثروا جراء تأجيج النزاع.

 

ومن هذه المعطيات الواقعية بدأت سلطنة عُمان مساعي الوساطة وتقديم مبادرة كاملة الأركان تستهدف إنقاذ اليمن وإخراجها من حالة الانسداد السياسي، وتحقيق السلام الداخلي، ووقف (الاقتتال الدائر) هناك بدافع ذاتي وإنساني ينطلق من ثلاثة أهداف رئيسة هي:
أولا – تنطلق عُمان في وساطتها العادلة في إطار دورها الإقليمي والعالمي النشط والدينامي في فرض إرادة السلام ودعم الشعوب.
ثانيا – تحركت عمان كوسيط نزيه في إطار الاستجابة لدعوة (أطراف إقليمية) تشارك في الحرب بصورة (معلنة) أو (خفية داعمة) كفرصة لإخراجها من المأزق اليمني الذي قد يطول أمده ويمتد تأثيره إلى داخل أراضيها.
ثالثًا – تأتي الوساطة العمانية تلبية لدعوات عديدة من المنظمات الدولية والقوى الكبرى انطلاقا من الحفاظ على الأمن والسلام العالمي وتأمين الملاحة العالمية في الخليج ومضيق باب المندب.
رابعًا- يأتي التحرك العُماني للوساطة في حل الأزمة من دافع (الحفاظ على الأمن القومي العُماني).



 

ولكن لماذا تتجه الأنظار إلى سلطنة عُمان وتتطلع إلى قيامها بهذا الدور الاستراتيجي؟! ولماذا دعت أطراف إقليمية ودولية سلطنة عُمان للقيام بدور الوساطة لوقف الحرب الدائرة في اليمن وعلى اليمن بين جميع (الأطراف الداخلية)، و(الداعمين الخارجيين)، و(اللاعبين الدوليين) على مسرح العمليات في الجمهورية اليمنية؟ هل تمتلك عُمان قوة لإخضاع الأطراف كافة؟ هل تمتلك نفوذا لدى جميع الأطراف المتصارعة؟ هل تربطها علاقات جيوسياسية مع اللاعبين في الساحة اليمنية؟!
في الحقيقة سلطنة عمان تملك ما هو أكثر من ذلك كله؛ تملك (الوساطة النزيهة) وإن ذهب العديد من المحللين السياسيين إلى أسباب عديدة أهلّت السلطنة للقيام بهذه المهمة يأتي في مقدمتها:
أولا – رفض سلطنة عُمان المشاركة في (عاصفة الحزم العربية) التي لم تزل تراوح مكانها ولم تحقق أية نتائج واقعية أو مُرْضية لأسباب 10 منطقية أشارنا إليها في مقالة سابقة.
ثانيا – تتبع سلطنة عمان دائما سياسة خارجية، وتحتفظ بعلاقات ودية ومرنة في علاقاتها الدولية والإقليمية، وهي تجسيد وترجمة واقعية لمرتكزات ومبادئ السياسة الخارجية التي وضعها السلطان قابوس المفدّى في بداية السبعينيات من القرن العشرين وفي إطار مبادئ (الحق والعدل والمساواة ودعم حق الشعوب في السلام والتنمية).



 

ثالثا – ترتبط سلطنة عُمان بعلاقات وثيقة مع إيران، وترجع قوة العلاقة بين طهران ومسقط إلى مجموعة أسباب جيوسياسية متداخلة. ولعل من أبرزها: تشارك البلدين في ضفتيْ مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يمر عبره النفط الخليجي المصدَّر للغرب.
رابعا – عن دورها التاريخي في الوساطات بملفات ساخنة، في مقدّمتها الملف النووي الإيراني. كما لعبت خلال السنوات الأخيرة دورا مهما لحفظ التوازن في منطقة الخليج، وتوفير قناة للحوار بين دول الخليج العربية وجارتها الكبرى إيران. كما كان للدبلوماسية العمانية دور حيوي في استمرار الحوار المباشر وغير المباشر بين مصر وإيران خلال فترة انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين منذ العام 1979 وحتى استئناف هذه العلاقات في 26 مارس (آذار) 1991م. وساهمت السلطنة أيضا بنجاح في العمل على إطلاق سراح البحارة والصيادين والأسرى المصريين الذين كانت إيران قد احتجزتهم خلال سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية، وساعدت كذلك على توفير قناة مهمة للحوار وتبادل الرسائل وحل الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران.
وأيًّا كانت الدوافع والأسباب وراء المبادرة العُمانية لإيقاف الحرب (في اليمن وعلى اليمن) من منطلق كون السلطنة (وسيط نزيه) أثبتت التجارب الدولية أنّ استراتيجيته في التواصل مع جميع الأطراف تنطلق من مبادئ عادلة تقف من جميع الأطراف على مسافة واحدة. وهي ترتكز في مسودتها الأولى على محورين هما:


 

أولاً – تحقيق هدنة على الأرض، حتى يمكن البناء عليها لوقف دائم لإطلاق النار.
ثانياً – تسوية الخلافات بين الجميع عبر جلسات حوار أو مفاوضات في إحدى الدول المقبولة من الجميع، وترحب مسقط باستضافتها وتهيئة الأجواء لإقامتها.
وبحسب المحللين السياسيين، فإن الاتفاق يتضمن تشكيل مجلس رئاسي برئاسة هادي، في مقابل أن يخفض الحوثيون سقف مطالبهم المفتوحة، وربما التوقف عن اجتياح مأرب والسيطرة على منابع النفط في اليمن. – حتى لحظة كتاب هذا المقال – ولعلّ ذلك هو ما أخر تنفيذ الحوثيين مخططهم في خوض معركتهم المعد لها ضد القبائل في مأرب. أمّا عن التفاصيل التي تتمحور حولها المبادرة العمانية للحل – حسب ما ذهب إليه المحللون – وليس نقلا عن أوساط سياسية – فهي تسعى إلى تحقيق تسوية سريعة للنزاع عبر تطبيق سبعة مبادئ أساسية هي:


 

أولا – انسحاب جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) وقوات علي عبد الله صالح من جميع المدن اليمنية. وإلزامهما بإعادة العتاد العسكري، الذي استولوا عليه من مخازن الجيش اليمني.
ثانيا – عودة السلطة الشرعية إلى الجمهورية اليمنية المتمثلة بالرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي، وقيادة الحكومة اليمنية وممارسة عملها.
ثالثا – المسارعة بإجراء انتخابات برلمانية، ورئاسية في أقرب وقت.
رابعا – التوافق على حكومة جديدة تضم جميع أطياف الشعب اليمني وأحزابه.
خامسا – أن تتحول جماعة (أنصار الله) الحوثية إلى حزب سياسي يشارك في الحياة السياسية اليمنية بطرق شرعية.
سادسا – عقد مؤتمر دولي للمانحين بهدف مساعدة الاقتصاد اليمني وتنفيذ مشاريع استثمارية.
سابعا – تقديم اقتراح بإدخال (اليمن) ضمن منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية.




 

وقد وجدت هذه الرؤية العمانية صدى واستجابة لدى الإيرانيين حيث أكد الإيرانيون أنهم على استعداد لاستخدام نفوذهم هناك للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، ومنع «القاعدة من الإفادة من هذا الوضع الفظيع لإحراز تقدم».  ومن جهة أخرى أقر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بجهود الجمهورية الإسلامية لتسوية أزمة اليمن سلميا وشدد على ضرورة نقل الأدوية والمواد الغذائية للمدنيين» الذين تضرروا بالنزاع «في شكل فوري» وقال: «لم يعد هناك واردات في اليمن، نتحدث عن الغذاء والوقود والأدوية». وأضاف «إننا نحتاج بشكل عاجل لإيجاد سبيل من أجل إدخال مواد غذائية إلى اليمن» وإلا فإن الوضع سيطرح «مشكلة كبيرة في الاسابيع المقبلة».

 

وليس أمام جميع الأطراف المتصارعة على الأرض أو الداعمة أو المشاركة في الحرب والاقتتال سوى الانصياع للمبادرة العمانية تجنبا للقادم في قابل الأيام واتقاءً لتداعيات الأزمة سياسيا واقتصاديا، وتجنيب المنطقة حرب طويلة تمتد ألسنة نيرانها بحرا وجوا وتهدد أمن وسلام المنطقة وتوقف مسار التنمية في المنطقة، وتعيد إلى الأذهان سيناريوهات الحرب العراقية الإيرانية من جديد.

 

شارك هذا الخبر