
بدر بن سالم بن حمدان العبري
باحث وكاتب عماني
اشتدّ الصّراع في نهاية القرن التّاسع عشر، وبداية القرن العشرين في الكتابات العربية والإسلامية حول الدولة الدّينية والدّولة المدنية، وهو متأخر نوعا ما عن الدّراسات الغربية في هذا المجال، والتي بدأت مبكرا، ومن هذه الدراسات النقدية للفكر الديني اليهودي مثلا كتاب رسالة في اللاهوت والسياسة لاسبنوزا الهولندي ت 1677م(١) والتي تعود إلى القرن السابع عشر.
وأزمة الصراع في الكتابات العربية حول الدولة وأشكالها تعود – في نظري – إلى ثلاثة أسباب رئيسة:
السبب الأول: أزمة المصطلحات.
السبب الثاني: أزمة التاريخ.
السبب الثالث: أزمة النّص.
السبب الأول: أزمة المصطلحات.
يعود الكثير من الجدل الوارد في الكتابات العربية حول المصطلح، فيزيد به فجوة الجدل والصراع القائم حوله، والمترتب عليه في حالة كونه هلاميا غير محدد منطقيا حيث يمكن التفريق بين حده ورسمه، ومعرفة لوازمه الذّهنية وتصديقاته الخارجية.ومن هذه المصطلحات مثلا الحاكمية والعلمانية والحداثة واللبرالية والأصولية والعقلانية، عندما تكون مجرد ألقاب سلبية من قبل البعض تحت مظلة الاتهام أو التّصنيف السّلبي، أو تحت دائرة التّحزب الفكري أو السياسي أو الأدبي الذي يرتضيه بعضهم لأنفسهم كلقب حزبي في دائرة فكرية معينة، ولغياب التّحديد الواضح لهذه المصطلحات وأبعادها يظهر الخلل في التّطبيق، وما يدور حوله من حكم إيجابي أو سلبي.
ولكي تتضح الصّورة بشكل أكبر للقارئ الكريم نأتي إلى مصطلحي الدّولة الدّينية، والدّولة المدنية، فهي تدور وفق ألفاظ مفردة تدل على ماهية ذهنية معينة مرتبطة بالصّيرورة البشرية، والتّطور الزمني البشري، وهذه الألفاظ الثّلاث: (الدّولة، والدّين، والمدنية).
أما الدّولة كمصطلح معرف نراه في معاجم اللغة في الجملة يدور حول شقين رئيسين: الأول: الغلبة، والثّاني: ما يتداول فيكون لهذا مرة ولذاك مرة.(٢)
لفظة دولة لم ترد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة في قوله تعالى في سورة الحشر آية 7: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
قرأ جميع قراء الأمصار دولة بضم الدّال، وحكي عن أبي عبد الرحمن الفتح فيها،(٣) والدّولة الشيء المتداول يدار بينهم، تارة عند هذا وتارة عند هذا(٤)، وقيل هما بمعنى واحد – أي بالضم أو بالفتح (٥)-، وقيل بالضم في الملك، وبالفتح في النصر (٦)، وعلى هذا يأتي بمعنى دولة للمعنيين في اللغة المتقدم ذكرهما آنفا، والآية تميل غالبا لمعنى التداول ويدخل فيه ضمنا الغلبة كما يبدوا، وهذا يعود إلى مفهوم اللفظ ومدى تصديق الخارج عليه كما عند المناطقة.
إلا أنّ إطلاق الدولة بالمفهوم الحديث لم يرد عند القدامى في اللغة ولا في الأدبيات العربية والإسلامية، فمصطلح الدولة لم يأخذ مفهومه السياسي المحدد في الأدبيات السياسية الإسلامية إلا بعد مرور قرون عديدة على قيام المجتمع الإسلامي الأول، فقد استخدم علماء المسلمين الأوائل مصطلح دار الإسلام أو الأمصار للإشارة إلى الأقاليم التابعة للسلطة الإسلامية: كما استخدموا مصطلحات الخلافة أو الإمامة أو الولاية للدلالة على الهيئات السياسية المركزية للأمة. (٧)
ومع هذا سنرى معاجم اللغة المعاصرة تدرج مصطلح الدولة بالمعنى الحديث، فجاء في المعجم الوسيط تعريف الدولة: الدَّوْلَةُ جمع كبير من الأفراد، يَقْطن بصِفة دائمة إقليمًا معيَّنًا، ويتمتع بالشخصية المعنوية، وبنظام حكومي، وبالاستقلال السياسي (٨)، وفي الرائد: بلد يخضع سكانه لنظام إداري سياسي اقتصادي خاص (٩)، وفي معجم الغني في اللغة العربية: نِظامُ البِلادِ وَجِهازُها الإِدارِيُّ والسِّياسِيُّ والاقْتِصادِيُّ والاجْتِماعِيُّ. (١٠)
أما تعريف الدولة في كتب السياسة والقانون فالدولة هي تجمع سياسي يؤسس كيانا ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد، ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة (١١)، والعناصر الأساسية لأي دولة هي الحكومة والشعب والإقليم. وعليه سيكون مصطلح الدولة يساوي مصطلح الإمارة أو الخلافة أو الولاية في العناصر الرئيسة وهي الحكومة والشعب والإقليم (١٢)، وهذه أيضا عناصر الخلافة أو الإمارة، وهي عناصر الولاية خاصة إذا كانت مستقلة بذاتها، فلا إشكالية في مصطلح الدولة، وهذا ما ارتضاه الكتاب الإسلاميون في وقت مبكر، فالدولة هي شعب منظم خاضع للقانون يقطن أرضا معينة (١٣)، وعليه لا مشاحة في الاصطلاح.
وهذا الصراع والجدل حول مصطلح الدولة لا قيمة له في نظري، والآن نأتي إلى المصطلح الثاني والذي يكثر الجدل حوله، وهو أساس الصراع قديما وحديثا في الأدبيات اليهودية والمسيحية والإسلامية، وهو الدين المسند أو المحكوم إلى الدولة المسند إليه. الدّين في أصله الطّاعة والانقياد لأي فكر أو توجه أو قضية، جاء في مختار الصّحاح: والدِّينُ أيضا الطاعة، تقول دَانَ له يدين دِيناً أي أطاعه، ومنه الدِّينُ، والجمع الأَدْيَانُ، ويقال دَانَ بكذا دِيَانَةً فهو دَيِّنٌ، وتَدَيَّنَ به فهو مُتَدَيِّنٌ، ودَيَّنَهُ تَدْيِيناً وكله إلى دينه (١٤). وعليه اعتبر بعض الفلاسفة التدين غريزة فطرية، جاء في معجم (لاروس) للقرن العشرين: إنّ الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية، حتى أشدها همجية، وأقربها إلى الحياة الحيوانية … وإنّ الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية … إنّ هذه الغريزة الدينية لا تختفي بل لا تضعف ولا تذبل، إلا في فترات الإسراف في الحضارة وعند عدد قليل جداً من الأفراد.
والقرآن استخدم الدين مساويا للإسلام من باب نسبة التساوي بين الكليتين في قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}(١٥)، واستخدمه من باب العموم والخصوص المطلق كما في قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (١٦)، فدين مشركي مكة مخالف لدين الإسلام، ومع هذا سماه القرآن دينا.
ويعرّف كوربت الدين هو نظام متكامل من المعتقدات، وأسلوب حياة وشعائر ومؤسسات يمكن للأفراد من خلالها أن يعطوا أو يجدوا معنى لحياتهم بالتوجه إلى – والالتزام بما – يعتبرونه مقدسا، أو له قيمة نهائية (١٧). فالدّين مفهومه يتميز بأمرين: الأول التطور فهو متطور بتطور الإنسان، وتطور فكره ولغته واتصاله بالبيئة والعالم البشري ككل، والأمر الثاني: الشمولية بحيث لا يقتصر على قوم أو منهج معين، فالكل متدين بما يراه صحيحا. فالتدين وخطوطه الكلية تزيد بحركة الإنسان في الحياة، ومدى استفادته لما وصل إليه من علوم إنسانية وتجريبية.
فمثلا في التقنين المروري يرى الفقهاء أنّ سلامة المركبة أساس من أسس أدبيات السلامة المرورية، وهو جملة داخل في القواعد الفقهية العامة، كقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة الضرر يزال، لذا قرر الفقهاء أنّ حمولة المركوب أكثر من طاقته، مما يحدث له ضررا، وبالتالي يعمّ هذا الضرر المارة ومستخدمي الطريق، اعتبروا من فعل ذلك ضامنا (١٨)، وعلى هذا إذا كان صاحب الآلة ي علم أنّ في سيارته عيبا لا بد من المسارعة في إصلاحه، هنا لا يصح شرعا قيادتها في طرق المسلمين إلا بقدر الضرورة، مع الحذر الشديد، وتسويفه في الأمر يجعله ضامنا لكل ما يترتب عليها من أثر، يقول: الشيرازي ت 2001م: “مسألة: من ركب حيوانا من جمل وناقة وما أشبه ذلك، فلو فعل ما أضر الحيوان بشخص ضمن الراكب ذلك الضرر، ولو فعل شخص ثان ما جعل الحيوان يضرّ براكبه أو بشخص آخر ضمن ذلك الثاني الضرر، ومن ركب حيوان حيوان غيره إذا أضرّ الحيوان ضمن، وهكذا الحكم في وسائل النقل الأخرى (١٩)، وقرروا أنّه يندب له شرعا فحصها والنظر فيها بين فترة وأخرى، إلا إذا كان يعلم أنّ بها ضررا فيجب عليه هنا فحصها رفعا للضرر، وإلا كان ضامنا لما ينتج عنها لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض (٢٠)، حيث أنّ للإبل الحق في أن تؤخذ نصيبها من الراحة والطعام والشراب؛ لأنّ في هذا حفظا لها ولسلامة من يقودها ويركبها، والحال كذلك مع المركبات المعاصرة.(٢١)
سنجد هذه الأدبيات المرورية جزء من التطبيقي الفقهي [الديني] الإسلامي، مع أنها قوانين لم ينزل بها وحي، وإنما استقرأها الفقهاء بما لديهم من آلة ذاتها وجدت متأخرة عن العهد النبوي الأول، ووفق نصوص وكليات متقدمة، وهي ذاته ما تقرره القوانين المدنية.
لذا لو نزلنا إلى الدولة الدينية – إن صح التعبير-، سنجد ليس الإشكال في المصطلح ذاته؛ وإنما الإشكالية في الصّراع بين الأطراف، مما أوجد ضبابية تهم بين المختلفين، كما أنّه بسبب احتكار بعض رجال الدين كما في المسيحية في القرون الأولى مفهوم التفسير والحكم والقضاء لرجال الدين والكهنة، فأصبح مفهوم الدولة الدينية لصيق الكهنة ورجال الدين ومصالحهم، وليس لصيق قوانين وتفاسير الدولة ذاتها.
هذا بالنسبة لمصطلح الدين في الدولة الدينية، أمّا مصطلح المدنية فهو نسبة إلى مدني من المدينة، والمدنية الجانب المادّيّ من الحضارة كالعمران ووسائل الاتّصال والتّرفيه، يقابلها الجانب الفكريّ والرُّوحيّ والخلقيّ من الحضارة (٢٢) ، ومنه اشتقت مصطلحات معاصرة كالقانون المدني والحرية المدنية والخدمة المدنية والحقوق المدنية ونحوها.
ومن خلال التأمل في الموقع الالكتروني دولة مدنية نجدهم يعرّفون الدولة المدنية بأنّها اتحاد من أفراد يعيشون في مجتمع يخضع لنظام من القوانين، مع وجود قضاء يطبّق هذه القوانين بإرساء مبادئ العدل (٢٣)، وعليه الدولة المدنية تقوم على أربعة خصائص: خضوع الفرد لسلطة الدولة والجماعة، والثاني أنّها تتأسس على نظام مدني من العلاقات التي تقوم على السلام والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات، والثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة، والثالث أنّها تقوم على المواطنة العادلة لجميع الأفراد، والرابع نظام الحكم فيها يقوم على الشورى والديمقراطية (٢٤).
فالدولة المدنية في الجملة كناية عن التطور البشري في سياسة الملك والقانون والحكم العام (٢٥) فيتحول هذا التطور إلى قوانين لها قدسيتها للشعوب والأمم، وعليه عند التخلص من عقدة المصطلحات وحساسيتها سنجد التقارب الكبير بين الدولتين الدينية والمدنية ليس في الخطوط العامة فحسب؛ بل حتى في العديد من التفصيلات لهذه الخطوط على شتى جوانب الحياة.
السبب الثاني: أزمة التاريخ.
يلحظ من كتاب الحقيقة الغائبة لفرج فودة ت 1992م (٢٦) مدى أزمة التأريخ وتأثيرها في صيرورة الأمة وواقعها، إلا أنّ الدارس لهذا التأريخ يجده متشكلا لا يمكن أن يحدد نظرية سياسية (دولية) محددة المعالم، لذا نراه يعيد القراءة للخلافة الراشدة والدولة الأموية والدولة العباسية، مما يخلص إلى ذلك بقوله: إنّ وقائع التاريخ التي سردناها في الكتاب، تنهض دليلا دامغا على ضرورة الفصل، وعلى خطورة الوصل، وعلى سذاجة المتنادين بعودة الخلافة.(٢٧)
في حين طرف آخر يتصور أبعد من هذا، فالأنبياء كانوا يستهدفون إقامة الحكومة، وأوضح الأمثلة هو رسولنا الكريم – صلى الله عليه وآله وسلم – الذي سعى وجاهد منذ اليوم الأول وكرّس مساعيه لإقامة النظام الإسلامي حتى تسنى له تحقيقه في يثرب، وظلّ يذود عنه ويوسع نطاقه، واستمرت هذه الحركة سنوات طويلة.(٢٨)
ويقرر عبد الرزاق السنهوري ت 1971م، في رده على كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرزاق ت 1966م؛ يقرر أنّ الإسلام دين ودولة، ويثبت ذلك من فعل الني – عليه السلام – وأنه نبي وملك في الوقت نفسه.(٢٩)
المشكلة بين الفريقين أنّ الأول ينظر إلى الجانب التفصيلي، وهذا غير موجود بصورة خاصة، بل التاريخ بذاته سيناقض الفكرة العامة، فالنبي مثلا أقرّ ملوك عمان على ملكهم (٣٠)، وكانوا يتوارثونه، ولم يجبرهم بالدخول في مملكته، إلا مجرد الدخول في الإسلام. كما أنّ الأنصار كانوا يرون أحقيتهم في الخلافة منذ حادثة السقيفة، وسعد بن عبادة ت 14هـ زعيم الخزرج ظلّ رافضا لبيعة أبي بكر حتى وفاته (٣١)، وأبو بكر ت 13هـ أوصى لعمر بالخلافة في كتاب مغلق (٣٢)، وعمر بن الخطاب ت 23 أوصى لستة ممن اختارهم، وما بعد ذلك من مقتل عثمان ت 35هـ وصعوبة دفنه، وانقسام الناس في عهد علي ت 40هـ، وانتقال الحكم وراثيا، واستمرار هذه الطريقة لفترة زمنية طويلة.(٣٤)
وعليه طالب فرج فودة ت 1992م ممن يرى بالدولة الدينية أن يقدموا برنامجا متكاملا لكافة جوانب الحياة، وفق الأيدلوجية الدينية. في المقابل عندما سيجيب الطرف الآخر سيلجأ إلى الكليات كالعدل والحرية والمساواة والقسط والشهادة لله تعالى من الجميع، ومقاصد الشريعة ومآلاتها، وسيجد نفسه أمام تطبيق بشري ممتد في التاريخ رفعه البعض إلى درجة النص، وهو ذاته تطبيق بشري قبل للنقد لا للرفع والقداسة. لذا يخلص كوربت إلى أنّ الدين والسياسة بحكم طبيعتهما العامة لا يمكن تجنب ترابطهما وتتخذ العلاقة بينهما أشكالا عديدة … ولكن على الرغم من تعدد أشكال هذه العلاقة؛ فإنها ستظل موجودة دائما.(٣٥)
السبب الثالث: أزمة النّص.
النص القرآني لتلائمه مع الزمان والمكان أعطى معالم صارت مرتكزات للدولة المدنية، ومن هذه مثلا مبدأ الشورى، فالقرآن يقول: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (٣٦)، ولن نجد تفصيلا دقيقا للشورى، وإنما مرجع ذلك للتطبيق البشري وفق دائرة الزمان والمكان.
وقد يعترض البعض على تسمية الشورى بالديمقراطية، باعتبار الشورى مبدأ قرآني، والديمقراطية مبدأ غربي، بينما يرى آخرون أنّ الشورى مبدأ تقليدي بائد، والديمقراطية مبدأ معاصر قويم، وكلا الرأيين – في نظري – مخالف للصواب، فالشورى مبدأ عام أمر به الشارع، فهي من حيث المبدأ مطلب إلهي، أما من حيث التطبيق فقد أرجع الأمر لعقول البشر وفق الزمان والمكان، لذا ارتأت العديد من المجتمعات المعاصرة اليوم تطبيق الشورى وفق آلية ووسيلة الديمقراطية، ولا تعارض بينهما البتة.(٣٧)
وكذا الحال في العدل، فالله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}(٣٨)، والعدل بين الناس له مظاهر عدة، منها العدالة في الحكم ومناصبه، وهي مبنية على الكفاءة، بجانب حسن الأخلاق والسيرة (٣٩)، والعدلُ في توزيع الثروة، فلابد أن توزع وفق القانون بشكل عادل (٤٠)، والعدل بين الناس في الثواب والعقاب (٤١)، فهذه مبادئ تصورية تطبيقاتها تعود إلى الحراك المجتمعي، والبعد الزماني والمكاني.
ومن المبادئ القرآنية مبدأ المساواة حيث أنّ الله تعالى خلق الإنسان على قدم المساواة، لا فرق بينهم في جنس أو دين أو لون أو لغة، وإنزالها يكون وفق الحراك البشري، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. (٤٢)
فالقرآن جملة لم يفصل في ذلك، وعليه صعب التمييز بين الدولتين، لأنّ النظم السياسية كانت تقوم غالبا على اعتبارات دينية، دون أن يغير ذلك في طبيعتها المدنية (٤٣). القرآن تطرق جزئيا وبشكل بسيط إلى بعض الأحكام المتعلقة بالأسرة والمعاملات، ومع ذلك هذه النصوص ذاتها كانت مجملة في مفرداتها، مفتوحة للتفكير البشري، مما تعددت الآراء في تفسيرها، والتعامل معها زمنا ومكانا.
الخلل الذي حدث هو إضافة نصوص جديد قيّدت الحراك السياسي، إما نسبة إلى الرسول أو الصحابة، أو السلف، أو الجمود حول آراء الفقهاء واعتبارها في منزلة النص. ومن هذا مثلا رواية: الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، فهذا نص ولد في ظل صراع سياسي تحول إلى نص مقدس عند قوم، أثر في الحراك السياسي وفي الحراك المجتمع في التاريخ الإسلامي. وعليه نخلص مما سلف ضرورة التخلص من عقدة أزمة المصطلحات والتأريخ والنص، والانطلاق من المشترك، لتحقيق البناء المتوازن، بعيدا عن دائرة التهم والإقصاء ومحاسبة النيات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
١- راجع مثلا: اسبينوزا: اللاهوت والسياسة ، الفصل السادس عشر مقومات الدولة وحق الفرد الطبيعي وحق الحاكم، ص 367 وما بعدها، الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ترجمة وتقديم، د. حسن حنفي.
٢- انظر مثلا: معجم الرائد في اللغة، مادة دول.
٣- الطبري. جامع البيان في تأويل القرآن. ج23ص279.
٤- أطفيش: محمد بن يوسف، تيسير التفسير للقرآن الكريم، ط وزارة التراث القومي والثقافة/ سلطنة عمان، الطبعة الثانية 1415هـ/ 1994م، 13/ 237.
٥- المصدر نفسه؛ 13/ 237.
٦- المصدر نفسه؛ 13/ 237 (بتصرف).
٧- (صهيب) محمد أفقير، مقال: مفهوم الدولة بين الفقه السياسي المعاصر والفقه السياسي الإسلامي، نشر موقع رابطة أدباء الشام، نقله الكاتب عن كتاب العقيدة والسياسة، ص117.
٨- المعجم الوسيط: مادة دول.
٩- معجم الرائد: مادة دول.
١٠ – معجم الغني: مادة دول.
١١- موقع ويكبيديا http://ar.wikipedia.org.
١٢- المرجع نفسه.
١٣- أطفيش: أبو إسحاق، المنهاج، مجلة سياسية اجتماعية، ط مكتبة الضامري، مسقط/ عمان، الطبعة الأولى 2010م، 1/325.
١٤- مختار الصحاح، مادة دان.
١٥ – آل عمران/ 19.
١٦- الكافرون/ 6.
١٧- كوربت مايكل، وجوليا ميتشل: الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، ترجمة: عصام فايز وناهد وصفي، مكتبة الشروق الدولية، الطبعة الثانية 1423هـ/ 2002م، ص 12.
١٨- أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص 48.
١٩- الشيرازي: محمد؛ فقه المرور، ط هيئة محمد الأمين (ص)، الكويت، الطبعة الأولى 2000م، نسخة الكترونية.
٢٠ – رواه مسلم من طريق أبي هريرة، حديث رقم: 1926.
٢١- العبري: بدر بن سالم؛ آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي، منشور في أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية، الفقه الحضاري، فقه العمران، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط الأولى 1433هـ، 2012م، ص 750.
٢٢- المعجم الوسيط، مادة مدن.
٢٣- موقع: دولة مدنية. http://www.dawlamadaneya.com.
٢٤- المصدر نفسة. (بتصرف).
٢٥- الحكم البشري بطبيعته حكم متطور في قانونه ومعاملاته وطرق تفكيره، للمزيد عن التطور السياسي ينظر كتاب: تطور الفكر السياسي لجورج سباين في خمسة أجزاء، ترجمة: حسن جلال العروسي، ط الهيئة المصرية العامة ط. 2010م.
٢٦- ينظر: فودة: فرج؛ الحقيقة الغائبة، ط مطابع المستقبل/ الاسكندرية، الطبعة الثانية، 2003م.
٢٧- الحقيقة الغائبة، مصدر سابق، ص 160.
٢٨- الخامنائي: علي، الإسلام المحمدي، ط دار الوفاء، بيروت/ لبنان، الطبعة الأولى، ص 187.
٢٩- السنهوري: عبد الرزاق، الدين والدولة في الإسلام، تقديم وتحقيق: محمد عمارة، ط مجلة الأزهر 1432هـ، ص 44.
٣٠- انظر: نص رسالة الرسول إلى أهل عمان، موقع ويكبيديا http://ar.wikipedia.org/.
٣١- الحقيقة الغائبة، مصدر سابق، ص 18.
٣٢- المصدر نفسه، ص 19.
٣٣- المصدر نفسه، ص 19.
٣٤ – المصدر نفسه ص 20 فما فوق.
٣٥- الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، مصدر سابق، ص 33.
٣٦- المصدر نفسه.
٣٧- المصدر نفسه.
٣٨- الحجرات/ 13.
٣٩ – الدين والدولة في الإسلام، مصدر سابق، ص 37.
٤٠- رواه أحمد عن أبي بردة.





