رصد - أثير
لم يكن فوز فيلم ”غزة: أطباء تحت الهجوم“ بجائزة ”بافتا“ لأفضل برنامج للشؤون الجارية لعام 2026 مجرد تتويج لعمل وثائقي ناجح، بل بدا كأنه انتصار متأخر لفيلم حاول كثيرون ألا يراه العالم أصلًا.
الفيلم الذي رفضت هيئة الإذاعة البريطانية ”بي بي سي“ بثّه بدعوى ”الحياد“، عاد بعد أشهر ليقف على منصة واحدة من أهم الجوائز التلفزيونية في العالم، حاملا معه سؤالًا أكبر من الجائزة نفسها: ماذا يحدث عندما يصبح توثيق المأساة أكثر إزعاجًا من المأساة ذاتها؟
كيف بدأ الجدل حول الفيلم؟
أُنتج الوثائقي لصالح ”بي بي سي“ خلال عام 2025، وأخرجه كريم شاه، فيما قدّمته الصحفية راميتا نافاي، ليوثق بصورة مباشرة استهداف المنظومة الصحية في قطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية التي اندلعت بعد 7 أكتوبر 2023.
لكن ما إن اكتمل الفيلم حتى دخل في دائرة جدل واسعة داخل الإعلام البريطاني، فبعد عمليات مراجعة وتدقيق متعددة، ألغت ”بي بي سي“ بثّه بشكل مفاجئ في يونيو 2025، مبررة القرار بأن العمل قد يخلق ”انطباعًا بالتحيز“، ولم يُنهِ ذلك التبرير الأزمة، بل فتح بابًا أكبر من الأسئلة حول حدود ”الحياد“ في الإعلام الغربي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالحرب في غزة.
لماذا أثار قرار المنع غضبًا داخل بريطانيا نفسها؟
قرار المنع لم يُقابل بالصمت داخل المؤسسة الإعلامية البريطانية، فأكثر من 400 صحفي وفنان وإعلامي وجّهوا رسالة احتجاج إلى إدارة ”بي بي سي“، متهمين القناة بالخضوع لضغوط سياسية ولوبيات مؤثرة تتعلق بالتغطية الفلسطينية الإسرائيلية.
وكان اللافت أن 107 صحفيين من داخل المؤسسة وقّعوا الرسالة دون الكشف عن أسمائهم، خوفًا من التبعات المهنية، في مؤشر عكس حجم التوتر الداخلي بشأن سياسات التغطية التحريرية.
واتهم المحتجون عضو مجلس الإدارة روبي غيب بوجود تضارب مصالح، بسبب علاقاته المرتبطة بصحيفة ”جويش كرونيكل“ الداعمة لإسرائيل، معتبرين أن ذلك انعكس على القرارات التحريرية المتعلقة بغزة.
في المقابل، دافعت ”بي بي سي“ عن نفسها بالقول إنها ملتزمة بالحياد، وإن النقاشات التحريرية الداخلية جزء من العملية الصحفية الطبيعية.
ماذا يوثّق الفيلم تحديدًا؟
الفيلم لا يقدّم رواية سياسية تقليدية بقدر ما يبدو أقرب إلى ”تحقيق جنائي بصري“ يوثق انهيار المنظومة الصحية في غزة.
فعلى امتداد نحو ساعة، يتتبع العمل استهداف المستشفيات والأطباء والطواقم الطبية، عبر شهادات حيّة ومشاهد صادمة من داخل المستشفيات المدمرة، بدءًا من مجمع الشفاء وصولًا إلى مستشفيات أخرى تعرضت للقصف أو الاقتحام.
ويعرض الفيلم شهادات أطباء فقدوا عائلاتهم، أو تعرضوا للاعتقال والتعذيب، أو اضطروا للعمل في ظروف شبه مستحيلة بلا كهرباء أو ماء أو معدات طبية.
ومن أكثر القصص تأثيرًا، شهادة الطبيب خالد حمودة الذي فقد أفرادًا من أسرته في غارات متتالية، قبل أن يُعتقل مع عشرات الأطباء بعد اقتحام المستشفى.
كما يستعيد الفيلم قصة الطبيب عدنان البرش الذي توفي داخل السجن، بعد تعرضه للاعتقال والتعذيب، في واحدة من أكثر القصص التي أثارت تفاعلًا واسعًا عقب عرض الوثائقي.
هل كان الفيلم مجرد وثائقي أم وثيقة إدانة؟
القوة الأساسية للفيلم لم تكن فقط في المشاهد الدامية، بل في الطريقة التي ربط بها بين استهداف المستشفيات وسياسة أوسع لتدمير القدرة الصحية في غزة، إذ يقدّم العمل فكرة أن استهداف الأطباء لم يكن حوادث منفصلة أو ”أضرارًا جانبية“، بل نمطًا متكررًا ومنهجيًا، ظهر في مختلف المرافق الصحية بالقطاع.
وهنا تحوّل الفيلم من عمل وثائقي إلى ما يشبه ”شهادة قانونية بصرية“، يمكن الاستناد إليها لاحقًا في ملفات التحقيق المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية، وقد عززت أرقام المنظمات الدولية هذا الطرح، إذ تشير البيانات إلى استشهاد نحو 1581 من أفراد الطواقم الطبية منذ بداية الحرب، إضافة إلى اعتقال مئات آخرين، بينهم عشرات الأطباء.
كيف انتصر الفيلم بعد محاولة إسقاطه؟
بعد رفض ”بي بي سي“ بثّه، وجد الفيلم طريقه إلى ”القناة الرابعة“ البريطانية، التي قررت عرضه وسط جدل واسع في الإعلام البريطاني والغربي، ومنذ لحظة بثّه، بدأ يتحول إلى حدث إعلامي وسياسي، خصوصًا مع الاتهامات التي وُجهت إلى ”بي بي سي“ بمحاولة ”إسكات الأصوات المزعجة“.
وجاء فوزه بجائزة ”بافتا“ لعام 2026 ليمنح القضية بعدًا رمزيًا أكبر؛ فالفيلم الذي اعتُبر غير مناسب للبث على واحدة من أكبر الشبكات الإعلامية العالمية، أصبح لاحقًا عملًا حائزًا على واحدة من أهم الجوائز التلفزيونية البريطانية.
وخلال خطاب التتويج، قالت مقدمة الفيلم راميتا نافاي: ”بي بي سي دفعت ثمن الفيلم ثم رفضت عرضه، لكننا رفضنا أن نصمت ونخضع للرقابة“.
أما المنتج التنفيذي بن دي بير، فعبّر بسخرية غاضبة عن موقفه قائلًا: ”بما أنكم أسقطتم الفيلم، هل ستسقطوننا من جوائز بافتا أيضًا؟“
ماذا يقول هذا الجدل عن الإعلام الغربي؟
ربما تكمن أهمية الفيلم خارج حدوده الفنية والوثائقية.فالقضية لم تعد فقط متعلقة بالحرب في غزة، بل بالنقاش الأوسع حول طبيعة التغطية الإعلامية الغربية، وحدود ”الحياد“ حين يتعلق الأمر بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
إذ بدا واضحًا أن الأزمة كشفت انقسامًا داخل المؤسسات الإعلامية الغربية نفسها، بين من يرى أن عرض المأساة ضرورة صحفية، ومن يخشى أن يتحول توثيقها إلى موقف سياسي.
وفي هذا السياق، بدا فوز ”غزة: أطباء تحت الهجوم“ وكأنه رسالة معاكسة تمامًا لمحاولة المنع؛ إذ تحوّل الفيلم من عمل أُريد له أن يُدفن داخل الأدراج، إلى وثيقة عالمية حصدت الاعتراف والضوء والجدل معًا.
المصادر:
- الجزيرة
- الأناضول





